الصمت الفضيلة الغائبة


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عليكمُ ورحمة الله وبركاته

إخوتي وأخواتي؛ روّاد مُنتدى المُهندس؛
موضع نافع؛ عسى أن نستفيد منه جميعًأ.

/

الصمت الفضيلة الغائبة

/


/

العالم لا يتوقف عن الكلام، ولا يُقدّر الصمت، ويُصفّق دائماً لمن يتحدث أكثر،
ويصفه بالانفتاح والحضور والاجتماعية وسعة الأفق .
بل أصبحت الانطوائية والميل إلى السكوت مرض يتنصّل منه البعض،
وتنهال على صاحبه الأوصاف السوداء تارة والساخرة تارة أخرى؛
من معقد ومغلق ومحدود الفكر وكئيب .
هل نحن في زمن قلب الحقائق وتبدل المفاهيم الراسخة على مر العصور،
أم أننا بحاجة إلى مراجعة أنفسنا وذاتنا؟
أسئلة تطرح نفسها وتحتاج منا إلى إجابات حاسمة كي لا نضل الطريق.


فضيلة الصمت

قديما قالوا: “إذا تمَّ العقل نقص الكلام”.
وأثني احدهم علي فضيلة الصمت فقال: “هو زينة بدون حلية، ووهيبة بدون سلطان، وحصن بدون حائط”.

رأيتُ الكلام يزينُ الفتى … والصَّمتُ خير لمن قد صَمَتْ
فكم من حروفٍ تجرُّ الحتوفَ… ومن ناطقٍ ودّ أن لو سَكَتْ

قال -صلى الله عليه وسلم-: (من صمت نجا) [أحمد والترمذي]
أي من صمت عن النطق بالشر، قال الغزالي: "هذا من فصل الخطاب،
وجوامع كلمه صلى اللّه عليه وسلم وجواهر حكمه،
ولا يعرف ما تحت كلماته من بحار المعاني إلا خواص العلماء،
وذلك أن خطر اللسان عظيم وآفاته كثيرة من نحو كذب،
وغيبة ونميمة ورياء ونفاق وفحش ومراء وتزكية نفس وخوض في باطل،
ومع ذلك إن النفس تميل إليها لأنها سباقة إلى اللسان،
ولها حلاوة في القلب وعليها بواعث من الطبع والشيطان،


اعمل أكثر مما تتكلم

الصامتون من خير أهل الأرض .
هم من يصنعون التغيير ويُضيفون كثيراً في عصر الثرثرة.
الفئة النادرة التي تعمل أكثر مما تتكلم.
يقول زيجلر: “ثُلث ما يتعلمه حاملو درجة الدكتوراه من علم؛
يأتي من خلال دراستهم الأكاديمية فقط،
أما الباقي فيكون حصيلة التأمل والمراقبة خلال سنوات عمرهم الباقية.
لذا فليس كل متعلم مفكِّر”.


لكل حالة لبوسها

جعل الله تعالى الصمت ستراً على الجاهل، وزيناً للعالم .
روي أن رجلاً كان يجلس إلى أبي يوسف، تلميذ أبي حنيفة،
ويطيل الصمت، فقال له أبو يوسف يوماً: ألا تتكلم؟
فقال بلى: متى يفطرُ الصائم؟ فأجابه: إذا غابت الشمس،
فقال: فإن لم تغب إلى نصف الليل؟ فضحك أبو يوسف،
وقال: لقد أصبت في صمتك وأخطأت أنا في طلبي لنطقك، ثم قال:

عجبتُ لأزراءِ العيي بنفسهِ … وصمتُ الذي كان بالصمتِ أعلما
وفي الصمتِ سترٌ للعيي … وإنما صحيفةُ لبّ المرءِ أنْ يتكلّما

فالصمت ليس محمودا على الإطلاق والكلام أيضا .
بل يبقى لكل مقام مقال، ولكل حالة لبوسها، ولو كان الصمت فضيلة؛
بإطلاق لماتت النصائح الصادقة وغاب التوجيه السديد،
وفقدنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ميز هذه الأمة،
وقامت عليه خيريتها … تعيش الكلمةُ الصادقة ويُخلد صاحبها،
ويبقى في وجدان الناس ويسكن ذاكرة قلوبهم، أما الضجيج الكاذب؛
فربما يبقى قليلا لكن سيظل هشا مُهمشاً في زاوية الصخب .
سيعيش نكرة ويمضي نكرة، ويموت في جوف الفراغ سراباً بلا معنى.


قال ابن القيم رحمه الله: “… وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك،
وحدوده تضاع، ودينه يترك، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها،
وهو بارد القلب ساكت شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق،
وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم ؛
فلا مبالاة بما جرى للدين، وخيارهم المتحزن المتلمظ،
ولو نُوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه،
أو ماله بذل وتبذَّل وجد واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه،
وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم،
قد بُلوا في الدنيا بأعظم بليه تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب،
فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل”.

كتبه : د. خالد سعد النجار.

المصدر/ صيد الفوائد.


إن شاء الله تعالى؛ يجمعنا جديدُ لقاء.
وفّقكم اللهُ.