القلم معنى يتوسع مع الزمن


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛
مقال قيم أسأل الله تعالى أن ينفعنا به.

:: القلم معنى يتوسع مع الزمن ::

/

كلُّنا تقريبًا قرأ قسَمَ ربِّ العزة والجلال في كتابه الكريم حين يقول عز وجل: ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ [القلم: 1]، في بداية سورة سمِّيت باسم “القلم”.

ولكن هل فعلًا أعطينا هذا القسمَ الرباني حقَّه من التفكر والتفكير؟ هل أعطينا سورة “القلم” حقَّها من التدبر والتأمُّل، وخاصة وهي تَقرِنُ ذلك القسمَ في أولى آياتها “بالأخلاق”: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]؟ قناعتي تقول لي: إنه لن يقسم الله العليم الخبير “بالقلم”، ويقرن ذلك بالأخلاق، إلا لأنه شيء أعظم مما نعرفه أو نعظِّمه به من أنه رمز العلم والمعرفة، ومعناه أعمقُ مما يمكننا تخيُّلُه.

إنه - بلا شكٍّ - ليس فقط القلم الحبر أو الرصاص أو ما شابه الذي نعرفُه اليوم بشكله الذي تلعب به أصابعُنا أثناء الكتابة، وقطعًا ليس فقط الحجر أو الحديد الذي دار بين أيدي أجدادنا القدامى عندما نقشوا به فوق الصخور وجدران الكهوف والمغارات ليدوِّنوا به معارفهم حتى تصل لمن يأتي بعدهم، وأيضًا بدون أدنى شك ليس فقط ريشة الطيور التي نقشت بالحبر فوق جلود وألواح الشجر لتدوِّن لنا كلام رب العالمين وكلام رسوله الكريم، ولا مؤلَّفات الأقدمين، وليست فقط “طابعة” جوتنبيرج التي غيرت مجرى الأحداث بعد اختراعها في القرن الخامس عشر الميلادي.

في الأسطر التالية ستنقش “لوحة مفاتيحي” - وهي أحد أشكال “القلم” الحديثة - بعضَ أشكال “القلم” المتعددة والمتنوِّعة كما أراها.

وهنا لا أدَّعي الإحاطة، ولكني أزعم أنها قد تضيف للقارئ الكريم شيئًا بسيطًا من معاني “القلم” التي لا يتكشف منها إلا النذر اليسير مع كل تقدُّم تحرزه البشرية في العلم والمعرفة، فالله أعلم ماذا تخبِّئه الأيام لنا من أشكال “للقلم” ما بعد الحديثة.

برأيي، القلم في أبسط وأنقى معانيه هو: أداة مقاربة للفكر والواقع، وبهذا يكون من أعظم الأدوات تأثيرًا على مدار البشرية كلها؛ إنه أولًا: أداة حفظ الوحي الإلهي، وهذا أشرف شيء تشرَّف به “القلم” منذ أن تم تدوينُ ذلك في العهود القديمة: ﴿ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ [الأنعام: 91].

وثانيًا: هو أداة حفظ الفكر الإنسانيِّ بكل تنوُّعه وتناقضه، وهنا يمكننا الحديث عن قلم صوتي أو مرئي أو مكتوب، أو كلها معًا، ثلاثة أشكال للقلم، لا ضير في أي منهما أخذت، فما بالك بالأخذ بها جميعًا تحت إطار واحد، كما هو الحال مع كثير من مظاهر الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)؟

أكيد أن جيل الشباب الناشئ قد رأى أو حتى سمع عن “المسجلات” أو الراديوهات أو الهواتف الثابتة؛ تلك الأشكال “القلمية” التي تكتب الصوت لتعيدَه صوتًا أو أثيرًا على الأسماع، أو لتوصلَه لأسماع الطرف الآخر، وبلا شك، يعرفون ونعرف جميعًا الأشكال “القلمية” الأحدث على الإطلاق: التلفزيونات الذكيَّة، والكاميرات الرقمية، والهواتف المحمولة، والحواسب الذكية التي بين أيدينا في الوقت الحاضر، هذه الأقلام الحديثة تكتب الصوت والصورة والحرف جميعها، أليست بهذه الوظائف هي أقلامًا؟ هل هي شيء غير “القلم”؟ هل من الذكاء الإنساني أن نقيد أفهامنا عن القلم فقط كأداة كتابة يدوية؟ لن يقسم الله سبحانه وتعالى بالقلم ويقرن الأخلاق به إلا لأنهما يعملان معًا في أشكال متنوعة، لا يمكن أن تغيب الأخلاق عما يخطه القلم: صوتًا، أو صورة، أو حرفًا أو جميعًا.

لا يمكن أن يكون القلم الذي شَرُفَ بقسَمِ رب العزة والجلال به متجرِّدًا عن الأخلاق التي وُصِفَ بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يكون فقط أداةً واحدة ثابتة جامدة.

أسْمِع بقلمِك، أو صوِّر، أو ارسم به ما تريد، ولكن لا تنسَ أن تخلط رنَّته أو شكله أو حبره بالأخلاق العظيمة، فبدون هذه الصفةِ الأخيرة لن يحلو الصوتُ، ولن تظهر الصورةُ جميلةً، ولن يزدهي الخط جمالًا؛ وبالتأكيد لن تكون إنسانًا رائعًا بدونها؛ وربما لن تنال الثواب من الله إلا بها.

كتبه/ د. عبدالسلام مطيع عزالدين السروري.
المصدر/ شبكة الألوكة.