عمارة مصرف الرافدين في كربلاء: الإدراك الواعي للمكان د. خالد السلطاني


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخوتي وأخواتي المهندسين والمهندسات؛
مقال نافع - بحوله تعالى - في إحدى مجالاتِ الهندسة، والهندسة المعمارية خاصّة.

عمارة مصرف الرافدين في كربلاء: الإدراك الواعي للمكان د. خالد السلطاني

كاد تكون عمارة مبنى فرع مصرف الرافدين في كربلاء (1968)، للمعمار: محمد مكيه (1914) ، تعيد ذات الأسلوب التصميمي، الذي اتّبع في اجتراح مبنى فرع مصرف الرافدين في مدينة الكوفة (1968) لنفس المعمار: الفضاء المفتوح في المسقط، والقوام الإنشائي الهيكلي المعتمد على الأعمدة والجسور الرابطة.


إضافة إلى المقاسات المتواضعة المختارة لكلا المبنيين، والمتمثلة بطابق واحد، والموقعة على قطعة أرض، مماثلة لتلك القطعة الموقع عليها مبنى الكوفة، ذات الأبعاد المتواضعة، والتي لا تتجاوز 30× 30مترا. ولكون الموقع المخصص لمبنى المصرف في كربلاء لم يكن ذا شكل منتظم، فقد سعى المصمم لأن “يملأ” الموقع ذا التعرجات الكثيرة بفضاءات خدمة، كالمرافق الصحية والسلم ومكان للغرفة الحصينة وغيرها من الفضاءات، طامحاً بذلك “الإملاء” الحصول على أحياز ذات أشكال هندسية منتظمة، خصصها، أساسا لقاعة الزبائن، مع فضاءات عمل لموظفي المصرف، الذين اختار لهم المصمم الأسلوب الإداري المكشوف والحر Landscape. ما يثير في عمارة مبنى مصرف كربلاء (تمت، مع الأسف الشديد، إزالة المبنى سنة 1991)، ما يثير فيه: واجهته الرئيسية، وهي بالمناسبة واجهة المبنى الوحيدة أيضاً.

ذلك لأن المبنى محاط من جوانبه الثلاثة بأبنية لصيقة به. يدرك المعمار جيدا، ان فعالية تنطيق مفردات تلك الواجهة، هي الفرصة الوحيدة المتاحة له لتبيان خصوصية عمارة مبناه، وتلبية رغبته في إثراء نسيج البيئة المبنية المحلية، هو الذي يعرف جيداً خصوصيتها، ومُطلع على فقرها العمراني، والتائق لجعل مبناه ليكون “أيقونة” بصرية مميزة، لذلك النسيج. لكنه أيضا، يعي إلى حدٍ بعيد، بأن شواهد المكان الأخرى اللافتة سواء كانت الثقافية منها، أم العمرانية أم المعمارية (وخصوصا المعمارية!)، لا يمكن تجاهلها، أو التغاضي عن حضورها البليغ في المشهد. (لنتذكر عمارة المقامات الدينية في المدينة، وكذلك قصر الأخيضر (778م): المأثرة المعمارية الإسلامية الواقع في أطرافها). كل ذلك كان حاضراً، كما نتوقع، عند اشتغال المصمم على عمارة مبناه الكربلائي. أيقن المعمار، أن في اختزال أدواته التكوينية حد التقشف، التى سيتعامل معها في صياغة قراراته التصميمية الخاصة بمبناه، يمكن لها ان تكون ملائمة جداً هنا.

وفي سياق ما يجاورها من المباني والمنشآت. من هنا، يمكن فهم قرار تحديد المبنى بإطار خاص ومميز، (بالواقع، هو تحديد لتخوم الواجهة)، كي يمكن إبراز المبنى بصيغة مختلفة عن مألوف عمارة المباني المتاخمة. ومما عزز ذلك الاختلاف وكرس تمايزه، اختيار المعمار مادة الرخام الثمينة، كمادة لذلك الإطار المحدد، بغية تأكيد “غيريته” مرة أخرى، عن عمومية استخدامات المواد الإنشائية الشائعة والمألوفة للمباني المحيطة. نحن، إذاً، إزاء تمرين تصميمي ممتع، يطمح المعمار به، لأن يكون مبناه لافتا ومثيرا للانتباه، لهندسيته المنتظمة الرصينة، وللتحديدات الإطارية الواضحة والجلية، المشغولة بتلك المادة الغالية والجليلة، ولقرار المصمم في انحسار كتلة المبنى نحو الداخل، ورفعه عن مستوى الأرض بمسطبة، تعزل المبنى، وتنأى به عن زحام الشارع ورصيفه، العاج بحركة السيارات والسابلة. جزّأ المصمم واجهته إلى سبعة أجزاء (بعدد أجزاء الرقم السحري 7، المحبب والأثير لدى العراقيين منذ أيام بابل!)، وجعل الجزء الأخير من جهة يمين الداخل، مخصصاً إلى مدخل المبنى الرئيس.

أما الأجزاء الأخرى، فعمل من جدرانها منحنيات برميلية، تحصر كل اثنين منها شريطاً رخامياً، يقع على جانبيه شقان صغيران، كناية عن نافذتين، يمنح مجموعها الاثنى عشر، إضاءة طبيعة هادئة إلى حيز المصرف المخصص للزبائن. تعيد المنحنيات البرميلية في الواجهة، أطروحة المعمار الأثيرة لديه، بجعل الجدار ذي البعدين، يتحول إلى كتلة بثلاثة أبعاد؛ لكنها هنا، في كربلاء، يستدعي شكلها المميز، أشكال أبراج حوائط “قصر الأخيضر” التاريخي. أي ان المعمار المسكون بشواهد المكان، يستحضر، من خلال قراره التصميمي قيمة الشواهد المعمارية، التي انطوت عليها خصوصية المكان، وأهميتها التصميمية، مقدما لنا تمرينا معرفياً في الإدراك الفطن والواعي والذكي لمفهوم المكانية. وسوف يأتي من بعده بعقد كامل من السنين، المعمار الفنلندي العالمي “هيكي سرين” Heikki Siren .

مصمم قصر المؤتمرات في بغداد (1978-82)، ليعلن هو الآخر، بأن أبراجه البرميلية المستخدمة في واجهات مبناه، هي، أيضاً، إيماءة احترام لذلك الجهد التصميمي، الذي اُجترح يوما ما في الأخيضر. على ان محمد مكيه، معمار المبنى الكربلائي، يزيد من استدعائه لخصوصية المكان، بجعل سطوح تلك الأبراج الواجهية البرميلية، مكسوة بالخزف الملون “الكربلائي”، الذي تعتبر مدينة كربلاء موطنا تقليديا له. وهو بهذا القرار، لم يلمح المعمار لنا بأهمية الاستدعاءات التاريخية فحسب، وإنما أوحى، أيضا، بقيمة ما تمثله تقاليد المكان، وما يمكن لها، ان تضيف إضافات معبرة، إلى التصميم المقترح، الذي اضفى بلونه “التركوازي” الناصع، قيمة زائدة إلى المعالجة التكوينية لواجهته.

ويظل بالطبع، الاختيار الموفق لنوعية المقياس، الموظف في المبنى، والمتمثل بالتقسيمات الضخمة للمنحنيات البرميلية، التى تتمدد على طول ارتفاع واجهة المبنى، من السقف والى مستوى سطح المصطبة التي ينهض عليها المبنى، وتكرارها المنتظم بلونها الخاص المعبر، يظل يعتبر من القرارات التكوينية المؤثرة، الممتلكة لمصداقيتها؛ ما منح هيئة المبنى الكربلائي استثنائيته وفرادته التصميمية، مثرياً النسيج البنائي للمدينة الشهيرة بمزاراتها ومقاماتها الدينية. ولهذا، فان قرار إزالة المبنى في التسعينات، لم يكن قرارا خاطِئاً فقط، بقدر ما كان، ايضاً، قرارا ظالماً وتعسفيا، أضرّ بعمارة وعمران المدينة، وغيب واحداً من أجمل نماذج عمارة الحداثة في المشهد المعماري العراقي. ود. محمد مكيه معمار المبنى، مولود سنة 1914، ببغداد.

وقد أصدر لفيف من المعماريين والمثقفين العراقيين، قبل فترة، بيانا تكريميا بمناسبة قرب حلول مئويتة، ونشر على نطاق واسع في الميديات العربية. صمم عدة مبانٍ بالعرق وفي بلدان الخليج, وعدت تلك المباني شواهد مهمة في المدن التي نفذت بها تلك المشاريع. منها “مسجد الخلفاء” ببغداد (1963)، ومصرف الرافدين في الكوفة (1968) <الذي هو الآخر، أزيل بصورة تعسفية في التسعينات، ويسعى لفيف من المعماريين والمثقفين العراقيين وراء إصدار بيان يناشدون به المسؤولين المحليين، إعادة بنائه مجددا، كإيماءة احترام للمعمار “المئوي” وإثراءً للنسيج البنائي للمدينة التي شيد فيها ذلك المبنى الاستثنائي بقيمته المعمارية>. كما صمم مكتبة الأوقاف في بغداد (1967)، وغرفة التجارة والصناعة في المنامة، البحرين (1975)، ومسجد الكويت الكبير (1976)، ومشروع جامع الدولة الكبير في بغداد (1982)، وغيرها من المشاريع المهمة الأخرى. مقيم الآن في لندن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتهى.

بقلم :د. خالد السلطاني .

المصدر: مدونة ( البوابة العربية للأخبار المعمارية ).

بحول الله تعالى يكُن لقاء جديد؛ في رحاب الهندسة المعمارية.