كانتا رتقا ففتقناهما


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛
مقال قيم أسأل الله تعالى أن ينفعنا به.

:: كانتا رتقا ففتقناهما ::

/

[color=blue]أولاً: فتقُ الرَّتق أَم الانفجار الأعظم؟:

قال الأب: اعلموا يا أبنائي أن مجيء الكون قد شغل العلماء والفلاسفة على مر العصور، وتخبط الناس يَمينًا ويسارًا وهم يجيبون عن سؤال طرحوه: من أين وكيف جاء الكون التي أرضنا جزء منه؟ وكل الناس تائهون في تلك المعضلة إلا المسلمين؛ لأنهم يؤمنون إيمانًا راسخًا أن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وفي القرآن سورة يا أبنائي اسمها سورة “فاطر”؛ يقول تعالى: في الآية الأولى منها: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [فاطر: 1]، وفاطر السموات معناه: خالق السموات من لا شيء، وبديع السموات على غير مثيل، والخلق بالنسبة لله معلق بين الكاف والنون (كن)؛ يقول تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40]، والله سبحانه وتعالى لا يُعجزه خلق مثل السموات والأرض؛ يقول أيضًا: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [يس: 81 - 83].[/color]

وقال الأب: كان الذين لا يؤمنون بالله يروجون لمقولة باطلة بأن الكون أزلي لا بداية له ولا نهاية له، وبالتالي لا خالق له على حد زعمهم! إلا أنه قد سُقِط في أيديهم حينما تأكد لهم أن للكون بداية، وحينئذ أصيبوا بارتباك شديد، وقبل أن أخبركم بما توصلوا إليه اليوم عن بداية الكون، اعلموا يا أبنائي أن الحق في ذلك هو “فتق الرتق” الذي جاء ذكره في القرآن الكريم.

قال محمد: ما هو “فتق الرتق”؟

قال الأب: افتح يا محمد القرآن الكريم واقرأ الآية رقم30 من سورة الأنبياء؛ حيث يقول تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنبياء: 30].

قال الأب: رددوا ورائي يا أبنائي: (رَ - تَ - قَ): اللهُ رَتَقَ. (فَ - تَ - قَ): اللهُ فتقَ.

خلق الله شيئًا سماه رتقًا، وفتق الله ذلك الشيء، وكانت لحظة الفتق مولد الزمان والمكان، وهذا هو الحدث الفريد في تاريخ السموات والأرض، ولا يعلم حقيقته المطلقة إلا الله؛ لأنه حقيقة لم يشهدها، فمن سأل: من أين جاء الكون، نقول له: من فتق الرتق، ومن سأل: ما هو الرتق والفتق؟ قلنا له: الرتق هو الشيء المضموم المجمع، والفتق عكس الرتق، ومن سأل: من أين جاء الرتق؟

قال محمد: ربنا يوجه الحديث إلى الذين كفروا سائلًا إياهم: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾، فهل رأوا حقًّا؟ وكيف رأوا وهم لم يشهدوا خلق السموات والأرض؟!

[color=blue]قال الأب: هذا سؤال رائع؟ نعم ترك الله في الكون علامات يراها الذين كفروا دليلًا على صدق القرآن الذي أخبرهم بحقيقة لم يشهدها أحد؛ لأنها بدأت منذ ما لا يقل عن 13 ألف مليون سنة، في وقت لم يكن هناك شيء، وكان الله موجودًا، وكان عرشه على الماء وخلق السموات والأرض، ففي العصر الحديث اقترح (جورج ليمتر) فكرة البيضة الكونية لها كثافة كبرى، ثم جاء من بعده جورج جاموف الروسي ومعه اثنان آخران بنظرية أسموها نظرية الانفجار الأعظم أو (البج بانج)، وقال العلماء: إن الكون جاء من انفجار أعظم ذي كثافة لا نهائية في قيمتها، ومتكورة تكوُّرًا لا نهائيًّا.

قال محمد: يا أبت إن مسمى الانفجار الأعظم لا يناسب وصف ميلاد الكون، قال الأب: صدقت يا محمد، إن الانفجار لا يؤدي إلا إلى الدمار والخراب، والكون جميل في كل شيء في تناسقه؛ حيث لا نرى به فروجًا ولا تفاوتًا، قال محمد: إذًا ما هو التعبير المناسب لذلك يا أبت؟ [/color]

قال الأب: لقد قلت من قبل: إنه فتق الرتق، وهذه يا بني شهادة واحد من أعلم علماء الكون، يؤكد فيها أن الكون خلق بقصد.

من اسم هذا العالم يا أبت؟

إنه ستيفن هوكنز.

ماذا يقول؟

“ويعني هذا أن الحالة الابتدائية للكون - (يعني عند الفتق) - يلزم أن يكون فيها بالضبط نفس الحرارة في كل مكان - (يعني كانت رتقًا) - حتى يمكن تفسير حقيقة أن الخلفية الميكروويفية - (الأشعة التي تحيط بالكون والموجودة في خافيته) - لها نفس الحرارة في كل اتجاه ننظر إليه، كما أن السرعة الابتدائية للتمدد يجب أن يتم اختيارها اختيارًا مضبوطًا - (من الذي اختار؟) - جدًّا؛ حتى تظل سرعة التمدد قريبة جدًّا من المعدل الحرج اللازم لتجنُّب التقلص ثانية، ويعني هذا أن الحالة الابتدائية للكون يجب أن تكون قد تم اختيارها بحرص بالغ (من الذي اختار؟)، حقًّا لو كان نموذج الانفجار الساخن صحيحًا رجوعًا إلى بدء الزمان مباشرة - سيكون من الصعوبة البالغة تفسير السبب في أنه ينبغي أن يبدأ الكون بهذه الطريقة بالضبط إلا بقصد”.

تأمل كلمات هوكنز يلزم - بالضبط - اختيارًا مضبوطًا جدًّا، وأخيرًا إلا بقصد، وصدق الله حيث يقول: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: 18].

قال محمد: قل لنا يا أبي: كيف رأوا فتق الرتق؟

قال الأب: الدليل الأول يأتي من حقيقة قرآنية مبهرة، حصل العالم الذي اكتشفها - وهو الأمريكي - ألفريد هابل سنة 1933م على جائزة نوبل في العلوم.

ما هي الحقيقة القرآنية والكشف العلمي يا أبت؟

الحقيقة هي اتساع السماء الذي وردت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ [الذاريات: 47]، أما الكشف العلمي فهو نظرية اتساع الكون، وهنا يا أبنائي يثبت العلم صحته حينما يوافق إشارات القرآن.

ولكن يا أبي كيف أثبت العلماء أن الكون يتسع؟

قال الأب: توصل العلماء إلى أن السماء تتسع عن طريق ما يعرف بالإزاحة الحمراء (Red Shift) لأطياف المجرات، واكتشفوا أنه كلما زاد الحيود، ازداد اتساع الكون، وتهرب المجرات حتى إن سرعة أشباه المجرات “الكوازرات” تتسع لقرابة 270. 000 كيلو متر في الثانية الواحدة، وطالما أن كل المجرات تتسع باستمرار، فإن ذلك يعني أن أصلها كان مجمعًا (يعني رتقًا).

[color=brown]وقال الأب: أما الدليل الثاني على فتق الرتق، فقد جاء من إشارة قرآنية ومن كشف علمي.

قال محمد: ما هي تلك الإشارة؟ وما هو ذلك الكشف؟

قال الأب: العجيب يا أبنائي أن الإشارة وردت في نفس السورة التي أشارت آية منها إلى اتساع الكون؟ إنها سورة الذاريات، أما الآية فهي قول الله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ﴾ [الذاريات: 7]، أم الكشف العلمي فهو اكتشاف أشعة دقيقة تلف الكون تسمى إشعاع الخلفية الميكرويفية للكون (Cosmic background Radiation)، التي تم رصدها من أطراف الكون، والتي لها نفس درجة الحرارة في كل اتجاه ننظر إليه، وهذه الأشعة مصدرها الانفجار الأعظم (فتق الرتق)، إنها بقايا أصلية تمثل عينة من مادة الرتق بعد أن فُتق مباشرة، وأؤكد لكم يا أبنائي أن من يحقق حبك السماء، سوف يحصل على أرفع جائزة علمية في المستقبل القريب.

قال الأب: وهناك دليل آخر يشهد على أن العلماء رأوا بعلمهم فتق الرتق، ويتمثل الدليل في اكتشاف نوع من ذرات الأيدروجين البكر التي لم تتكون إلا في بداية نشأة الكون.

3- الدليل الثالث على أنهم رأوا فتق الرتق أتى من الذرات الأولى التي لم تتكون إلا في بداية نشأة الكون في لحظة الفتق، إنها الدوتريوم (Deuterium) النظير الثقيل للهيدروجين، وقد وصل الشغف بالعلماء في اكتشاف لحظة بداية الكون إلى درجة يحاولون فيها محاكاة الحدث، فحملوا البروتونات طاقة رهيبة بلغت 100 جيجا إلكترون فولت، وعند تصادمها في مصادم مبتكر حديث، تضخمت كرة النار الناتجة من التصادم 1000 بليون مرة، وهذه تمثل حالة الكون حينما فُتِق الرتق. [/Color]

وقال الأب: يا أبنائي في كل يوم سيرى العلماء آيات جديدة تشهد بأن الله خلق السموات من رتق وفتق كما يشير القرآن؛ حتى يعلموا أن وراء الكون خالق لعلهم يؤمنون، وصدق الله حيث يقول: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ [الأنبياء: 30].

:::

::::


كتبه/ د. حسني حمدان الدسوقي حمامة.
المصدر/ شبكة الألوكة.