مقالات في السيرة النبوية(12)


(boualem_gh) #1

المقال الثاني عشر:

تحلي المسلمين بأدب الحرب وأثره على أعدائهم

[SIZE=4]مر في مقال سابق حديث عن أدب الحرب في الإسلام، وعن تعامل النبي –عليه الصلاة والسلام- مع أعدائه المحاربين له، وأن من جاء بعده من خلفاء المسلمين وأمرائهم ساروا على نهجه في ذلك الأدب والتعامل الراقي.
والحديث في هذا المقال سيدور حول أثر تلك المعاملة على خصوم الإسلام.
لقد كان لتحلِّي المسلمين بأدب الحرب من الرحمة والسماحة أثر بالغ في نفوس كثير من أعدائهم؛ حيث أعجبوا بدين الإسلام، ونبيِّه، ورحمةِ أهله، وحسنِ معاملتهم.
بل لقد وجدوا عدلاً ورحمة لم يجدوها عند بني ملتهم، مما حدا بكثير منهم إلى الدخول في الإسلامِ، والحوادثُ في هذا السياق لا تكاد تحصى.
ومن الأمثلة على ذلك أن كثيراً من زعماء الصليبيين، وكثيراً من عامتهم الذين قطعوا الأرض لقطع رقاب المسلمين - ارتَموا في أحضان الدعوة الإسلامية التي غامروا كل مغامراتهم للقضاء عليها منذ أول تعارف؛ ذلك هو أعجبُ آثارِ التسامح!
فقد أسلم في الحرب الصليبية الأولى ممن أسلم (رينود) أمير طوائف الجرمان واللمبارديين، وأسلم معه خلق كثير منهم.
وأسلم في الحرب الصليبية الثانية خلقٌ كثيرٌ، كما يروي السير توماس عن راهب من رهبان سنت دنيس كان قسيساً في المعبد الخصوصي للملك لويس السابع، ورافقه في هذه الغزوة طائفة كبيرة، وإليكم ما يقوله الراهب في عبارة شائقة:
"وفي طريق الصليبيين إلى المقدس، عبر جبال الأناضول التقوا بجيش المسلمين، فهُزِم الصليبيون شرَّ هزيمة.
وكان في الممرِّ الجبلي (فريجيا) وذلك سنة 1148م، ولم يصلوا إلى مرسى (أضاليا) إلا بشقِّ الأنفس، ومنها استطاع القادرون بعد تلبية طلبات التجار اليونانيين الباهظة أن يرحلوا إلى أنطاكية بحراً، وقد دفعوا مبالغ طائلة، وتركوا خلفهم الجرحى، والمرضى، والحجاج، فدفع كذلك لويس خمسمائة مارك لليونانيين على أن يُعْنَوْا بهؤلاء الضعفاء حتى يُشْفَوا، وعلى أن يرافقهم حرسُ اليونان حتى يلحقوا بمن سبقهم، فما كان من اليونان الغادرين إلا أن تربصوا حتى تباعد جيش الصليبيين، واتصلوا بالمسلمين الأتراك، وأخبروهم بما عليه الحجاج والجرحى، ممن تخلفوا من الوهن والعجز، ثم قعدوا ينظرون إلى إخوانهم في الدين ينال منهم البؤس، والمرض، وسهام المسلمين.
ولما ضاق الصليبيون المتخلفون ذَرْعاً بما أصابهم خرج ثلاثةُ آلاف أو أربعة من قلعتهم محاولين النجاة بأنفسهم، فحصرهم المسلمون، وشدُّوا عليهم، ثم حملوا على المعسكرات الصليبية، وكان حال من خرج ومن بقي في المعسكر ليس فيه أقلُّ رجاءٍ، ولم يُنْقَذُوا إلا بما نزل في قلوب المسلمين من الرحمة، حين اطَّلعوا على ما فيه عدُّوهم من بأساء، وما أصابهم من ضراء رقَّت قلوبهم، وذابت نفوسهم؛ رحمة لأعدائهم الصليبيين المساكين، فواسَوا المريضَ، وأحسنُوا للفقيرِ، واطعموا المسكينَ بسخاءٍ وكرم، وبلغ من إحسانهم أن بعضهم استردَّ بالشِّراء أو الحيلة أو القهر النقودَ الفرنساوية التي أخذها اليونان من الحجاج، وردَّها عليهم، ووزعها على المحتاجين من الصليبيين.
وقد كان الفرق واضحاً بين معاملة هؤلاء الكفار -يقصد المسلمين- للحجاجِ المسيحيينَ، ومعاملة اليونان الذين سخَّروا إخوانهم في الدين، ونهبُوا أموالَهم وضربوهم.
كان الفرق عظيماً لدرجةٍ حملت الصليبيين على اعتناق دين الأعداء المنقذين، ومن غير أن يُكرَهوا أو يُقْهرُوا.
لقد فرُّوا من إخوانهم في الدين الذين أساؤوا إليهم، فلَحِق ثلاثةُ آلافٍ بالجيشِ الإسلاميِّ بعد أن رجع عنهم ودخلوا في دينه.
لقد كانت الرحمةُ أشدَّ قسوةً من الخيانةِ !
لقد أعطاهم المسلمون الخبزَ وسلبوهم الإيمانَ، واحسرتاهُ !
لقد ارتدُّوا عن المسيحية من غيرِ أن يُجْبَرَ واحدٌ منهم على ترك دينه".
ذلك ما يقوله الراهب!
ولقد بلغ تأثير الإعجاب بشجاعة صلاح الدين وفضائله في الصليبيين، أن كثيراً من أمرائهم وعامَّتهم المُعجَبين به ذهب بهم هذا الإعجابُ إلى ترك دينهم، وأهلهم والدخول في الإسلام.
مثلُ ذلك ما فعل الزعيم الإنجليزيُّ (روبرت سنت أليان) وكان ذلك قبل انتصار صلاح الدين في معركة حِطّين الفاصلة التي وقع فيها ملكُ القدسِ (جاي) أسيراً.
ويقول بعضُ مؤرخي النصارى: إن ستةً من أمراء هذا الملك استولى عليهم الشيطانُ ليلةَ المعركة، فأسلموا، وانضموا إلى صفوف الأعداء دون أن يُقهروا من أحدٍ على ذلك.
وقد وصل الأمرُ (بريمون الثالث) أمير طرابلس الشام أن اتفق مع صلاح الدين على أن يدعو قومه إلى الإسلام.
وحتى بعد صلاح الدين، لما قام الصليبيون بحربهم الثالثة انتقاماً لسقوط بيت المقدس، وحاصروا عكا، وأصابتهم البأساءُ، وعضَّهم الجوع - فرّ كثير إلى صفوف المسلمين؛ فمنهم من آمن، ومنهم من رجع إلى قومه، ومنهم من استمر على نصرانيته، واختار البقاءَ وأن يقاتل في صفوف المسلمين.
وفي هذا المعنى يقول السير (جون ما ندفيل) أحدُ المعاصرين للصليبيين: “كان بعضُ المسيحيين يرتدُّون عن دينهم، ويصيرون عرباً؛ لفقرهم، أو غباوتهم، أو شقاوتهم”.
ولا يُنتظر -بالطبع- من صليبيٍّ كالسير جون أن يفسِّرَ ما يسميه المسلمون بالهداية إلا بالغباوة والشقاوة.
والذي يعنينا من الأمر أن الفقراء والأغبياء والضالين الذين ذكرهم السير ما ندفيل دخلوا في الإسلام الذي جاؤوا لمحوه مختارين، واجْتُذِبُوا إليه بالدعوة والإرشاد لا القهر والاضطهاد، بل إنَّ بعض المؤرخين المسيحيين المعاصرين للفتح الإسلامي واسترداد بيت المقدس، وبعد ذلك بكثير بعد انهيار دُوَل الفرنجة في الشام كلِّها يُشيرون إلى فرحِ النصارى بالتحرّر من حكم الصليبيين.
ويقول السير توماس في هذا المعنى: “لقد سكنوا إلى الحكم الإسلامي وادعين مستبشرين، كما استمر الحكامُ المسلمون على عادتهم القديمة من التسامح، وسعة الصدر لأهل الملل الأخرى”.
يقول الأستاذ عبدالرحمن عزام -رحمه الله- في كتابه (بطل الأبطال): "وإذا كان ما ذكرنا هو بعض الشواهد على انتشار الدعوة المحمدية بالحجة بين أشدِّ خصومها المحاربين، وفي أحلكِ أيام الدولة الإسلامية أيام غاراتِ الصليبيين والتتر - فإن لنا شاهداً آخرَ من بطريقِ خراسانَ في أعزِّ أيام الدولة الأموية العربية، نختتمُ به هذا الفصل، يقول البطرقُ (يوساب الثالث) اليعقوبيُّ في خطاب طويل بعث به لحَبْرٍ زميلٍ: "أين أبناؤك أيها الأب ! أين هذا الشعب العظيمُ شعبُ مَرْو ! لم تصبهم جائحة، ولا سقطوا للسيف، ولا عُذِّبوا بنار، وإنما أصابهم متاع الدنيا، فارتدّوا عن دينهم، وقذفوا بأنفسهم كما يَقْذِفُ المجانينُ في مهاوي الهلاك والكفر، فلم ينجُ من هذا السعير إلا قسييان اثنان فرَّا بنفسيْهما من جحيم الكفر -أي الإسلام- واحسرتاه على الآلاف المؤلَّفة الذين حملوا اسمَ المسيحية وصفتَها، ولم يقعْ منهم شهيدٌ واحد، ولا ضحى واحد منهم لدينه !!
أين كذلك بِيَعُ كِرْمانَ، وكنائسُ فارس !
لم يكن قدومُ شيطانٍ، ولا ملَك، ولا أميرٍ، ولا أمرُ خليفة أو سلطان هو الذي قضى عليها.
لم يكن ساحراً موهوباً أُوتِيَ المنطقَ، وسلطةَ الشيطان على النفوس، ولكنه ساحرٌ هز رأسَه فقط، فخرّت كنائسُ فارسَ كله على الأرض !
أما العرب الذين آتاهم الله ملك الدنيا كما تعلم - فإنهم عندك كذلك- فلم يطعنوا في ديننا، ولا اعتدوا على بِيَعنا، بل بالعكس ضالعوا مع ديننا، وفضّلوه على غيره، وأكرموا رهباننا وقساوستنا، واحترموا أولياءنا، وأحسنوا الهباتِ إلى معابدنا، فلماذا -إذاً- هجر أهلُ مَرْو نصرانيتَهم زُلْفَى لهؤلاء العرب، وهم يعلمون ويقولون: إن العربَ ما طلبوا منهم تغييرَ دينهم، بل أقرُّوهم عليه كاملاً، ولم يسألوهم إلا ضريبةً بسيطةً يؤدُّونها عن أنفسهم، ولكنهم اشترَوا خلودَ أرواحهم في دين المسيح بمتاعٍ قليلٍ ؟!".
انظر الرسالة الخالدة لعبدالرحمن عزام ص313-320.

د. محمد بن إبراهيم الحمد

[/size]