مقالات في السيرة النبوية (23)


(boualem_gh) #1

من شهادات المنصفين على عظمة النبي -صلى الله عليه وسلم- وصدق رسالته

كل عاقل منصف لا يسعه إلا الإعجاب بعظمة النبي -صلى الله عليه وسلم- والتصديق بما جاء به؛ ذلك أن الأمارات الكثيرة شاهدةٌ بعظمته، ناطقةٌ بصدقه.
ولا ريب أن شهادةَ المخالف لها مكانتها؛ فالفضل -كما قيل- ما شهد به الأعداء.
وفيما يلي عدد من الشهادات التي أدلى بها عدد من الفلاسفة والمفكرين من غير المسلمين من النصارى وغيرهم.
1- شهادة الفيلسوف الإنجليزي الشهير توماس كارليل الحائز على جائزة نوبل للسلام، وهذه الشهادة تكاد تكون أشهر وأعظم شهادة نطق بها كاتب غربي، وتكاد تظن أن الذي كتبها مسلم خبير بأحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- .
وفيما يلي مقتطفات مما قال كارليل في كتابه الأبطال مخاطباً قومه النصارى: "لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث في هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خدّاع مزوِّر.
وإن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة؛ فإن الرسالة التي أدَّاها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لنحو مائتي مليون من الناس، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة؟!
أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم مثل هذا القبول، فما الناس إلا بُلْهٌ مجانين، فوا أسفا! ما أسوأ هذا الزعم، وما أضعف أهله، وأحقهم بالرثاء والرحمة.
وبعد، فعلى من أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات ألا يصدق شيئاً البتة من أقوال أولئك السفهاء؛ فإنها نتائج جيل كفر، وعصر جحود وإلحاد، وهي دليل على خبث القلوب، وفساد الضمائر، وموت الأرواح في حياة الأبدان.
ولعل العالَم لم يرَ قط رأياً أكفر من هذا وأَلأَم، وهل رأيتم قط -معشر الإخوان- أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً وينشره علناً؟
والله إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب؛ فهو إذا لم يكن عليماً بخصائص الجير، والجص، والتراب، وما شاكل ذلك - فما ذلك الذي يبنيه ببيت، وإنما هو تل من الأنفاق، وكثيب من أخلاط المواد.
نعم، وليس جديراً أن يبقى على دعائمه اثني عشر قرناً يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه، فينهدم؛ فكأنه لم يكن".
إلى أن قال: "وعلى ذلك، فلسنا نَعُدُّ محمداً هذا قط رجلاً كاذباً متصنعاً، يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغيته، ويطمح إلى درجة ملك أو سلطان، أو إلى غير ذلك من الحقائر.
وما الرسالة التي أدَّاها إلا حقٌ صراحٌ، وما كلمته إلا قول صادق.
كلا، “ما محمد بالكاذب” ولا المُلفِّق، وهذه حقيقة تدفع كل باطل، وتدحض حُجة القوم الكافرين.
ثم لا ننسى شيئاً آخر، وهو أنه لم يتلق دروساً على أستاذ أبداً، وكانت صناعة الخط حديثة العهد إذ ذاك في بلاد العرب -وعجيب وأيم الله أُمِّيَة العرب- ولم يقتبس محمد من نور أي إنسان آخر، ولم يغترف من مناهل غيره، ولم يكن إلا كجميع أشباهه من الأنبياء والعظماء، أولئك الذين أشبِّههم بالمصابيح الهادية في ظلمات الدهور.
وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدأ، صادق العزم بعيداً، كريماً بَرًّا، رؤوفاً، تقياً، فاضلاً، حراً، رجلاً، شديد الجد، مخلصاً، وهو مع ذلك سهل الجانب، ليِّن العريكة، جم البشر والطلاقة، حميد العشرة، حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان -على العموم- تضيء وجهه ابتسامةٌ مشرقة من فؤاد صادق؛ لأن من الناس من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأقواله".
إلى أن قال: "كان عادلاً، صادق النية، كان ذكي اللب، شهم الفؤاد، لوذعياً، كأنما بين جنبيه مصابيح كلِّ ليل بهيم، ممتلئاً نوراً، رجلاً عظيماً بفطرته، لم تثقفه مدرسة، ولا هذبه معلم، وهو غني عن ذلك.
ويزعم المتعصبون من النصارى والملحدين أن محمداً لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية، ومفاخر الجاه والسلطان.
كلا -وأيم الله- لقد كان في فؤاد ذلك الرجل ابن القفار والفلوات، المتوقد المقلتين، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيراً وحكمة، وحِجَىً - أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه، وكيف لا، وتلك نفس صامتة كبيرة، ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين؛ فبينما ترى آخرين يرضون الاصطلاحات الكاذبة، ويسيرون طبق الاعتبارات الباطلة إذ ترى محمداً لم يرض أن يَتَلَفَّع بمألوف الأكاذيب، ويتوشح بمبتدع الأباطيل.
لقد كان منفرداً بنفسه العظيمة، وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سرُّ الوجود يسطع لعينيه -كما قلت- بأهواله، ومخاوفه، وروانقه، ومباهره، ولم يكن هناك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكان لسان حال ذلك السر الهائل يناجيه: ها أنا ذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهي مقدس، فإذا تكلم هذا الرجل فكل الآذان برغمها صاغية، وكل القلوب واعية، وكل كلام ما عدا ذلك هباء، وكل قول جفاء".
إلى أن قال: “إذاً فلنضرب صفحاً عن مذهب الجائرين أن محمداً كاذب، ونعد موافقتهم عاراً، وسبة، وسخافة، وحمقاً؛ فلنربأ بأنفسنا عنه”.
إلى أن قال: "وإن ديناً آمن به أولئك العرب الوثنيون، وأمسكوه بقلوبهم النارية لجدير أن يكون حقاً، وجدير أن يُصَدَّق به.
وإنما أودع هذا الدين من القواعد هو الشيء الوحيد الذي للإنسان أن يؤمن به.
وهذا الشيء هو روح جميع الأديان، وروح تلبس أثواباً مختلفة، وأثواباً متعددة، وهي في الحقيقة شيء واحد.
وباتباع هذه الروح يصبح الإنسان إماماً كبيراً جارياً على قواعد الخالق، تابعاً لقوانينه، لا مجادلاً عبثاً أن يقاومها ويدافعها.
لقد جاء الإسلام على تلك الملل الكاذبة، والنحل الباطلة، فابتلعها، وحق له أن يبتلعها؛ لأنه حقيقة، وما كان يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب، وجدليات النصرانية، وكل ما لم يكن بحق؛ فإنها حطب ميت".
إلى أن قال: "أيزعم الأفَّاكون الجهلة أنه مشعوذ ومحتال؟
كلا، ثم كلا، ما كان قط ذلك القلب المحتدم الجائش كأنه تَنُّور فِكْر يضور ويتأجج - ليكون قلب محتال ومشعوذ، لقد كانت حياته في نظره حقاً، وهذا الكون حقيقة رائعة كبيرة".
إلى أن قال: "مثل هذه الأقوال، وهذه الأفعال ترينا في محمد أخ الإنسانية الرحيم، أخانا جميعاً الرؤوف الشفيق، وابن أمنا الأولى، وأبينا الأول.
وإنني لأحب محمداً لبراءة طبعه من الرياء والتصنع، ولقد كان ابن القفار رجلاً مستقل الرأي، لا يقول إلا عن نفسه، ولا يدّعي ما ليس فيه، ولم يكن متكبراً، ولكنه لم يكن ذليلاً ضَرِعاً، يخاطب بقوله الحرِّ المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم، يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة، وللحياة الآخرة، وكان يعرف لنفسه قدرها.
ولم تخل الحروب الشديدة التي وقعت له مع الأعراب من مشاهد قوة، ولكنها كذلك لم تخل من دلائل رحمة وكرم وغفران، وكان محمد لا يعتذر من الأولى، ولا يفتخر بالثانية".
إلى أن قال: "وما كان محمد بعابث قط، ولا شابَ شيئاً من قوله شائبةُ لعبٍ ولهوٍ، بل كان الأمر عنده أمر خسران وفلاح، ومسألة فناء وبقاء، ولم يكن منه بإزائها إلا الإخلاص الشديد، والجد المرير.
فأما التلاعب بالأقوال، والقضايا المنطقية، والعبث بالحقائق - فما كان من شأنه قط، وذلك عندي أفظع الجرائم؛ إذ ليس هو إلا رقدة القلب، ووسن العين عن الحق، وعيشة المرء في مظاهر كاذبة.
وفي الإسلام خَلَّة أراها من أشرف الخلال وأجلها، وهي التسوية بين الناس، وهذا يدل على أصدق النظر، وأصوب الرأي؛ فنفس المؤمن رابطة بجميع دول الأرض، والناس في الإسلام سواء".
إلى أن قال: "وسع نوره الأنحاء، وعمَّ ضوؤه الأرجاء، وعقد شعاعه الشمال بالجنوب، والمشرق بالمغرب، وما هو إلا قرن بعد هذا الحادث حتى أصبح لدولة العرب رجل في الهند، ورجل في الأندلس، وأشرقت دولة الإسلام حقباً عديدة، ودهوراً مديدة بنور الفضل والنبل، والمروءة، والبأس، والنجدة، ورونق الحق والهدى على نصف المعمورة"ا-هـ.[1]
2- وهذه شهادة قالها (الكونت هنري دي كاستري) وهو أحد وزراء فرنسا، وأحد حكام الجزائر السابقين في كتابه (الإسلام) الذي عرَّبه الأستاذ فتحي زغلول باشا -رحمه الله- يقول الوزير الفرنسي الكونت: "إن أمة العرب قبل النبي كانت وثنية على وجه العموم، وكان مذهب توحيد الإله يخطر في الأذهان رويداً رويداً، وكان المشخصون لهذا الاعتقاد فريقاً يقال لهم الأحناف[2] بقوا على مذهب إبراهيم، وأما المسيحيون فكانوا فرقاً كثيرة كلها تعتقد بمذهب التكثير -تعدد الآلهة-.
وتلقى محمد مذهب أولئك الأحناف بحالة سطحية، لكن لما كانت نفس ذلك النبي مفطورة على التشبع بالدين تكيف هذا المذهب في وجدانه حتى صار اعتقاداً لم تصل إليه نفسٌ قبله إلا قليلاً، وهو ذلك الاعتقاد المتين الذي أحدث انقلاباً كلياً في النوع البشري.
ومن الخطأ أن نبحث عن هذا المبدأ العميم فيضه في غير طريقة الأحناف؛ لأن محمداً ما كان يقرأ ولا يكتب، بل كان كما وصف نفسه مراراً “نبياً أمياً”.
وهو وصف لم يعارضه فيه أحد من معاصريه، ولا شك أنه يستحيل على رجل في الشرق أن يتلقى العلم بحيث لا يعلمه الناس؛ لأن حياة الشرقيين كلَّها ظاهرة للعيان، على أن القراءة والكتابة كانت معدومة في ذلك الحين من تلك الأقطار؛ فثبت -إذن- مما تقدم أن محمداً لم يقرأ كتاباً مقدساً، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه؛ إذ لو فرض وكان القرآن قد نقل بعضاً من الكتب المقدسة الأخرى لبقي الأمر مشكلاً كما كان عليه في معرفة حقيقة ما اختلج بروحه الديني، وكيف وجد فيها ذلك الاعتقاد الثابت بوحدانية الله حتى استولى عليه روحاً وجسماً؟
ولقد نعلم أنه مرَّ بمتاعب كثيرة، وقاسى آلاماً نفسية كبرى قبل أن يُخْبَر برسالته؛ فقد خلقه ذا نفس تمحضت للدين، ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس؛ لكي يهرب من عبادة الأوثان، ولكي ينفرد بما نزل فيه من الفكر العظيم وهو وحدانية الله -تعالى- اعتكف في جبل حراء، وأرخى عنان التفكير يجول في بحار التأملات عابداً مجتهداً.
ولعمري فيم كان يفكر ذلك الرجل الذي بلغ الأربعين وهو في ريعان الذكاء، ومن أولئك الشرقيين الذين امتازوا في العقل بحدة التخيل، وقوة الإدراك، لا بوضع المقدمات، وتعليق النتائج عليها ما كان إلا أن يقول مراراً، ويعيد تكراراً هذه الكلمات “الله أحد، الله أحد” كلمات رددها المسلمون أجمعون من بعده، وغاب عنا -معشر المسيحيين- مغزاها؛ لبعدنا عن فكرة التوحيد.
ولم يزل عقله مشتغلاً حتى ظهر هذا الفكر في كلامه على صور مختلفة جاءت في القرآن (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)) (الإخلاص).
وكانت مترادفات اللغة العربية تساعده بمعانيها الرقيقة على ترداد ذلك الفكر السامي الذي دل عليه، ومن تلك الأفكار وتلك العبادة تولدت كلمة الإسلام “لا إله إلا الله” ذلك هو أصل الاعتقاد بإله فرد، ورب صمد، منزه عن النقائص، وهو اعتقاد قوي يؤمن به المسلمون على الدوام، ويمتازون به على غيرهم من القبائل والشعوب، أولئك حقاً هم المؤمنون كما يسمون أنفسهم، فظهور هذا الاعتقاد بواسطته دفعة واحدة هو أعظم مظهر في حياته، وهو ذاته أكبر دليل على صدقه في رسالته، وأمانته في نبوته".
ثم تكلم عن الوحي، ومعجزات القرآن في بلاغته ومعانيه واعتراف فصحاء العرب بإعجازه، وذكر منهم عتبة بن ربيعة، وذكر مسيلمة الكذاب، وأثبت بطلان ادعائه.
ثم قال: “ولو قال قائل: إن القرآن ليس كلام الله، بل كلام محمد - فلا بد لنا على الحالين من الاعتراف بأن تلك الآيات البينات لا تصدر عن مبتدع أبداً، خلافاً لرأي من ذهب إلى تكذيب نبوته، ولعل رأيهم جاء من ضيق اللغة التي تلجئنا إلى أن نرمي بالكذب نبياً هو في الحقيقة شخص مليء أمانة وصدقاً”.
إلى أن قال: “إذاً ليس محمد من المبتدعين، ولا من المنتحلين كتابهم، وليس هو نبي سلاب كما يقول موسيو (سايوس) ولا نسلم بإنكار هذه الحقيقة، وحينئذ لا عجب إذا تشابهت تلك الكتب في بعض المواضيع خصوصاً إذا لاحظنا أن القرآن جاء ليتممها، كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء والمرسلين”.
ثم قال: “ولكن الأمر الذي تهم معرفته هو أن القرآن آخر كتاب سماوي ينزل للناس، وصاحبه خاتم الرسل؛ فلا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد -صلى الله عليه وسلم- ولن تجد بعده لكلمات الله تبديلاً”.
وقال بعد أن أطال البحث في تحليل ما تقدم، ورد على المتطرفين من المستشرقين فرياتهم على نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم-: “وبالجملة فإن الإسلام ما دخل بلداً إلا وصار ذا المقام الأول بين الديانات المسيحية من غير أن يتعرض لمحوها، وعلى هذا يتحقق أن الدين الإسلامي لم ينتشر بالعنف والقوة، بل الأقرب للصواب أن يقال: إن كثرة مسالمة المسلمين، ولين جانبهم كان سبباً في سقوط الممالك الغربية”.
إلى أن قال: “إن ديانة القرآن تمكنت من قلوب جميع الأمم اليهودية، والمسيحية، والوثنية في أفريقيا الشمالية، وفي قسم عظيم من آسيا؛ حتى إنه وجد في بلاد الأندلس المسيحيين المتنورين من تركوا دينهم حباً في الإسلام كل هذا بغير إكراه”.
هذه نبذة وجيزة من نظرية الكونت هنري دي كاستري الوزير الفرنساوي من كتابه (الإسلام) وهذا الكتاب يحتوي على مواضع شتى دحض بها مفتريات القسس، والمبشرين، وبعض المستشرقين المتطرفين الذين لا يقيمون للإنصاف وزناً، وكل ما أذاعوه من التشنيع على الإسلام، وكتابه ونبيه مع أنه قد صرح أنه مسيحي المذهب، ولكن الذي دفعه إلى ذلك هو:
أولاً: حرية الرأي، والإنصاف في القول الحق، وإن كان ذلك ضد مذهبه.
ثانياً: أراد أن يطلع الأمة الفرنساوية على حقيقة الدين الإسلامي؛ لتكون على بينة من أمرها، ولا تغتر بفريات المبشرين الذين يستنزفون أموال أمتهم باسم التبشير لدينهم دون جدوى ولا طائل تحته غير تضحية الأموال الضخمة في سبيل شهوات القسس، وغطرستهم التي لا حد لها.[3]
3- وهذه شهادة للأستاذ الموسيو (سيديو) الفرنساوي أحد أعلام الإفرنج، وأحد وزراء فرنسا السابقين في كتابه (خلاصة تاريخ العرب) تعريب علي باشا مبارك -رحمه الله- في المقدمة بعد ذكره لفضل الأمة العربية فقال: "ثم أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فربط علائق المودة بين قبائل جزيرة العرب، ووجَّه أفكارها إلى مقصد واحد؛ فعلا شأنها حتى امتدت سلطتها من نهر التاج -المار بأسبانيا، وبرتغال- إلى نهر الكنج -وهو أعظم أنهار الهند- وانتشر نور العلوم والتمدن بالشرق والغرب، وأهل أوربا إذ ذاك في ظلمة جهل القرون المتوسطة، وكأنهم نسوا نسياناً كلياً ما وصل إليهم من أحاديث اليونان والرومان.
واجتهد العباسيون ببغداد، والأمويون بقرطبة، والفاطميون بالقاهرة في تقدم الفنون، ثم تمزقت ممالكهم، وفقدوا شوكتهم السياسية؛ فاقتصروا على السلطة الدينية التي استمرت لهم في سائر أرجاء ممالكهم، وكان لديهم من المعلومات، والصنائع، والاستكشافات ما استفاده منهم نصارى أسبانيا حين طردوهم منها، كما أن الأتراك والمغول بعد تغلبهم على ممالك آسيا استفادوا معارف من تغلبوا عليهم".[4]
4- وقال الأستاذ المستشرق (دوزي): "لو صح ما قاله القساوسة من أن محمداً نبي منافق كذاب فكيف نعلل انتصاره؟ وما بال فتوحات أتباعه تترى ويتلو أحدها الآخر؟ وما بال انتصاراتهم على الشعوب لا تقف عند حد؟ وكيف لا يدل ذلك على معجزة هذا الرسول؟
ولقد كانوا يعتقدون أول أمرهم أن خذلان المسلمين سيتم بمعجزة قريبة؛ فقد طالما سمعوا عن معجزات الكنيسة التي كانت تحدث لأقل مناسبة، وانتظروا هذه المعجزة التي تخلص البلاد المسيحية من غزوات المسلمين، ولكن انتظارهم تلك المعجزات قد طال، وذهب صبرهم أدراج الرياح، وعبثاً حاولوا وقوع هذه المعجزة.
وأعجب من ذلك أن المعجزة -إن لم نقل معجزات- قد حدثت حقاً في ذلك العصر، وكانت معجزات أعظم مما كان يتوهمه القديسون أنفسهم، وأي معجزة أروع وأعجب من أن نرى شعباً كان إلى زمن قليل في غيابة من الخمول، ثم ظهر إلى الدنيا فجأة، وظل يتقدم بسرعة لا مثل لها، وهو يغزو الأرجاء الفسيحة، وينتصر على قطر بعد قطر؛ فَتَدِيْنُ له البلاد بالطاعة والولاء، وتقبل على دينه من كل حدب وصوب راضية غير مكرهة؟
ولو أننا عزونا إقبال المسيحيين على الإسلام إلى الفائدة الشخصية، أو الرغبة في التخلص من الذل والضعة - فنحن جديرون أن نقرر أن من الثابت المحقق أن كثيراً من المسيحيين دانوا بالإسلام عن عقيدة وإيمان"اهـ.[5]
5- وهذه مقولة لشاعر فرنسا (لامارتين):
يقول الأستاذ محمد كرد علي -رحمه الله- في كتابه المذكرات: "وآخر ما قرأناه في سيرة النبي العربي، وتحليل عمله العظيم، ما قاله شاعر فرنسا العظيم (لامارتين) قال: لم يقصد رجل قط مختاراً أو غير مختار إلى غاية أسمى؛ لأن تلك الغاية كانت فوق طاقة البشر، وهي القضاء على ما دخل من الخرافات بين الخالق والمخلوق؛ ليجعل الله للعبد والعبد لله، وأن يعدّل فكرة الألوهية المعقولة في الوثنية المادية المشوهة.
وما عهد قط رجل مثله قام في وقت قصير بثورة عظيمة مستديمة في العالم؛ لأن الإسلام بعد أقل من قرنين من انتشاره بالدعاة والقوة عم الأقطار العربية الثلاثة، ودعا إلى الله الواحد الأحد في فارس، وخراسان، وما وراء النهر، والهند الغربية، والشام، ومصر، والحبشة، وجميع الأقطار المعروفة من شمالي إفريقية، وعدة أجزاء من البحر المتوسط، وأسبانيا، وشطر من غاليا (فرنسا).
فإذا كانت عظمة الغاية، وقلة الوسائط، ووفرة النتيجة هي الأسباب الثلاثة التي تبين عن نبوغ المرء - فمن يجرؤ أن يُشَبِّهَ بمحمد رجلاً عظيماً من رجال التاريخ الحديث؛ فإن من اشتهر منهم لم يُجَيِّش إلا جيوشاً، ولم يسن إلا قوانين، ولم يؤسس إلا ممالك، فلم يُنْشِؤا فيما أنشأوا إلا دولاً عادية كان حظها أن تداعت أركانها بعدهم.
أما ذاك الرجل فأباد جيوشاً، ووضع شرائع، وأسس ممالك، وأَلَّف بين شعوب، وأقام دولاً، وضم شمل ملايين من البشر في ثلث العالم المعمور، وزاد على ذلك أن بدل أفكاراً، ومعتقداتٍ، وأرواحاً، وأتى بكتاب أصبح كل حرف من حروفه شريعة قومية روحية سرت إلى شعوب من جميع اللغات والعناصر، وطبع هذه الجنسية الإسلامية بطابع ثابت، وقضى على الأرباب المصنوعة، ودعا إلى الاعتقاد بالله الواحد الأحد.
ومن يكون أكثر عظمة إذا قيست العظمة البشرية بكل مظاهرها بعظمة محمد الحكيم الخطيب الداعية المشرع المحارب المبدع في أفكاره، ومؤسس التعاليم القائمة على العقل، وعلى عبادة لا صور فيها، ومنشئ عشرين مملكة أرضية، ومملكة روحية واحدة".[6]
هذا نزر يسير مما ورد في هذا السياق، والشهادات فيه لا تكاد تحصى كثرةً.[7]

د. محمد بن إبراهيم الحمد

---------------------
[1] انظر الإسلام في نظر أعلام الغرب للأستاذ حسين عبدالله باسلامة ص89-95، ومحمد رسول الله -خلاصة سيرته ومقالات نادرة فيها- للكاتب ص30-35.

[2] يقصد بهم: الحنفاء الذين بقوا على الفطرة والتوحيد.

[3] الإسلام في نظر أعلام الغرب ص25-28.

[4] الإسلام في نظر أعلام الغرب ص29.

[5] الإسلام في نظر أعلام الغرب ص40-41.

[6] المذكرات، محمد كرد علي 4/1315-1316.

[7] وإذا أردت المزيد من ذلك فارجع إلى: الإسلام في نظر أعلام الغرب، وأثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية، لأحمد علي الملا، ص103-106.