سيكولوجية الأتصال مع الأخرين


#1

تواجهنا في حياتنا آلاف من المواقف التي تشكل منظومة اتصالنا مع الأخرين ،
وتتفاوت في تصنيفها عند الأخرين بين النجاح والرضى الذاتي والفشل
والصدمات النفسية ، وربما أن الثقافة السيكولوجية في هذا المجال تحفز
إلى المزيد من النجاحات والرضى الذاتي عن اتصال الذات مع الأخرين ، وتخفف
من آلام الصدمات وتقدم خبرات سيكولوجية مضادة لمزيد من المحن والصدمات
ولغاية تحقيق أهداف الاتصال في الارتقاء والإنسانية ، ومواجهة الخلافات وسبل
اعتراضات الأخرين بفنيات عالية من اللباقة والهدوء، والذكاء في التواصل
الاجتماعي ، تستهدف حلقاتي هنا في هندسة الذات في مجال الاتصال ، وهنا
تلعب أدوات الإتصال ( الكلمات ، لغة الجسد ، نبرة الصوت ) دوراً كبيراً في
تحديد نوعية اتصالنا مع الأخرين ، وتحكم هذا الإتصال ، فهناك ما يعادل 55%
مما نتعلمه من الأخرين يأتي من لغة الجسد ، و38% يأتي من خلال نبرة الصوت
، و7% يأتي من الكلمات التي تقال ، ويقال أن ما يعادل 80% تقريباً من
اتصالاتنا مع الأخرين يحكمها اللاشعور والرسائل الداخلية ، و20% يحكمها
اتصالنا الظاهر والرسائل الخارجية المعلنة التي نتلقاها من الأخرين ،
وأشارت الدراسات إلى أن اكثر من 50 الف خاطر أو رسالة داخلية تمر في
أعماقنا ونحاورها داخلياً ، يلغى منها كم هائل من الخواطر خلال اتصالنا
بالأخرين ، لأنها تتعرض للمحاورة مع الآخر ، فتقع في قائمة الإلغاء ، ولا
يكون لها اثر في السلوك ، ومن هنا تبرز خطورة الانزواء والانعزال المطلق
عن الآخرين ، وذلك للكم الهائل من الرسائل الداخلية ( الخواطر السلبية)
الذي سيتعرض له ذلك المنعزل اجتماعياً ، التي ربما توصله على حد السلوك
العدواني أو الاكتئاب وعوارضه من القلق الدائم والتوتر الذاتي ، وحالات من
العصابية والذهانية وغير ذلك من الأمراض النفسية المستعصية
وهنا في مجال الاتصال مع الأخرين ينبغي تعلم أبجديات ثقافة لغة الجسد من
خلال لغة العين ، والمساحة التي ترمق بها الأخرين ، وعلو وارتفاع النظرة ،
وعمق وسطحية تلك النظرة ، واللغة النارية التي تؤججها النظرة ، أو
البرود واللامبالاة التي ترسلها العين ، أو مساحات التدبر والتأمل ، أو
الهم والانكسار وغير ذلك من منظومة لغة العين ، وكذلك تعبيرات الوجه من
الحزن أو الفرح أو الاندهاش أو الصدمة أو التقزز والنفور ، وخطوط اللون
النفسية التي تختلط فيه من الصفرة أو الحمرة أو الزرقة والاهتزاز أو
الجمود أو التلاعب والتلون في اللغة وغير ذلك ، وإيماءة اليدين من
الانقباض تعبيرا عن الصمت والحذر أو الانبساط تعبيرا عن الانفتاح والفرح أو
حالات التشنج والشد فيها ، وكذلك المسافة الحدودية من اقترابك للأخر
تعبيرا عن الحالة الحميمية وذلك بمسافة ابتعادك بحركة قدم أو حركتين من
الأخر أو المسافة الشخصية بإبتعادك ما بين حركتين إلى أربع حركات بالقدم
والمسافة الاجتماعية بإبتعادك مسافة أربع حركات فأكثر عن الأخر، وحركة
الجسم ومؤشرات ميله بالجسد للأمام ، مما يعطي رسائل في المحبة والاهتمام ،
وانعكاسات الرتابة والمظهر في الجسد والمكان الذي تحل فيه ، يعطي رسائل
نوعية مريحة للاخرين ، وكذلك نبرات الصوت في مسافات العلو والانخفاض
والتحكم بها ، واستراتيجيات مواجهة الخلافات والاعتراضات من خلالها ، التي
تقتضي تجنب استخدام كلمة (لا ) للوهلة الأولى دون إدراك مضمون رسالة الأخر
، واستبدالها بكلمة ( نعم ولكن ) واستخدام فنيات الاستماع للاخرين معها ،
وتجنب معوقاته من الضجيج ومظاهر التعب الجسدي واستخدام استراتيجيات
مناسبة مع الأخر سريع الكلام من جهة أو الذي يستخدم كلمات أو جمل قوية
وربما خشنة ، قد تؤذي الاستماع
فالاستماع الجيد يقتضي التوقف عن الكلام واراحة الأخر ، وإظهار انك تريد
الاستماع وهنا مشاعر من التعاطف معه ، وعدم التسرع في الإجابة ، وتجنب
الغضب ، والسؤال بعد الاستماع ، والتوقف عن الكلام للاستماع ، فهذه
الإستراتيجيات تسهم في حل الخلافات التي تدب من سرعة إصدار الأحكام الفورية
وبالأخص في ميدان العمل بين الرئيس وفريق العمل، وبين مؤسسة العمل والعميل

ومن مميزات الاتصال الحفاظ على سمة الثقة بالنفس في التعامل مع الأخرين ،
من خلال احترام الذات وتقديرها ، والثقافة الشخصية ، والحماسة في أداء
المهمات ، وحب أن تكون مهماً ، والاهتمام بالمظهر الشخصي العام ، فضلا عن
الاهتمام ببناء الثقة مع الأخرين من خلال الصدق المطلق ، وعدم الكذب
والتلاعب ، والإنصات للاخرين ، والمعرفة التامة بقدراتك وإمكانياتك وما
يمكن أن تقدمه للأخرين من خدمات ، والابتعاد عن الوعود الزائدة التي لا
تقوى على أدائها في تعاملك معهم ، واستخدام نبرات هادئة ولهجة لبقة في
المحادثة ، والانتباه لحركات جسدك ولغتك ونبرة صوتك بالعموم لتظهر متزناً
ومرموقاً في تعاملهم معهم ، بعيداً عن الخفة والتهور والفوضية في السلوك،
وكذلك الالتقاء بالأعين والأسترخاء والثقة بالنفس والامتنان للأخر
ومن مزايا الإتصال التي لايبال بها الأخرين ، استراتيجية كسر الجليد من خلال
التواصل مع الأخرين ، والترحيب بالأخر ، والسؤال بطريقة لبقة ، واستعمال
أسم الأخر عند مخاطبته ، والتزام الأسئلة المفتوحة والابتعاد عن الأسئلة
الشخصية الفضولية ، وهذه جوهر مأسى التواصل وسلبيته في التعامل مع
الأخرين ، الذي يتلخص بفضول معرفة ما لدى الأخر وأسرار حياته وشؤونه
الذاتية والمالية والأسرية ، وهذا من الخطأ بمكان ، لأن هناك مسافة يجب أن
تحفظ للأخرين ، وهي نافذته الشخصية وعدم اقتحامها ، وهي تخص حياته
وأسرارها وما يرتبط بها من شؤون مالية واسرية ، واغلب الناس تخوض فيها
لدوافع عده؛ مبعثها الفضول ، وتحاول أن تنبش فيها تباعاً ، لتحصِّل سلة
أخبار واشكالات للاخرين ، وهذه سر الأزمات والخلافات التي تحتدم بين الناس
في مجتمعاتنا ، ونابعة من عدم ترك النافذة الشخصية في أمان مطلق من
الفضول والعبث بها عبر الأسئلة الضيقة الشخصية ، وفي ذلك خروج عن أهداف
وغايات التواصل الإنساني، من المحبة والتوافق والتعاطف وتبادل الخبرات ما
امكن
وهناك استراتيجيات متنوعة للإتصال ومواجهة الخلافات مع الآخرين ، ولايسعني
هنا الحديث عنها ، وسأتناولها في مقالة أخرى ، ضمن سلسلة مقالات هندسة
الذات ، مع كل أمنيات المحبة والتوافق والتواصل وباقات الفرح الجميل لك
عزيزي القارئ مع موسم الأعياد الذي سيحل علينا مسلمين ومسيحيين