يوميات الثورة [3] بقلم د. عصام العريان


#1

عدت إلى بيتى لأنام فيه ونسيت شنطة السجن التى أعددتها فى الليلة السابقة لحكمة أرادها الله، فقد اعتقلت دون ان تكون معى وأعددت زوجتى شنطة أخرى على عجل.

ذهبت إلى المكتب لعمل مقابلات تليفزيونية وصحفية كان أهمها مع “رويترز” حول الأحداث ودور الإخوان المسلمين فيها، وكان من قدر الله أن يتم إذاعة هذه المقابلات وأنا خلف الأسوار.

كان الدكتور البرادعى حسم موقفه وأعلن من “فيينا” أنه فى طريقه إلى القاهرة وطلب لقاء الإخوان، فقرر مكتب الإرشاد أن أذهب بصبحة أخى العزيز الأستاذ الدكتور “محمد سعد الكتاتنى” للقائه ليلة الجمعة فى التاسعة مساءً واتفقنا على أن نلقتى فى بيت الدكتور البرادعى.

كنتفى مدينة أكتوبر ولم يكن معى ابنى د. إبراهيم وزوج ابنتى الوسطى د. محمد عبد الناصر بسبب مشاركتهما فى مظاهرة فى حىّ الهرم تمهيداً وتشجيعاً للمواطنين على حثهم على المشاركة فى “جمعة الغضب”.

وكان هذا قراراً من معظم المكاتب الإدارية وقطاعات ومناطق الإخوان على مستوى الجمهورية التى تعمل وفق سياسة ثابتة يتفاوت الإخوان فى العمل بها “مركزية غير مقيدة ، ولا مركزية غير منفلته أو منضبطة”.

وكان أحد أهم أسباب نجاح الثورة انتشارها على مستوى الوطن كله، والفضل بعد الله وحده للإخوان الذين قرروا المشاركة وتحمسوا لها.

كان التسجيلان لرويترز ولوحدة “رصد الالكترونية” ذات معنى هام، لأننى رأيت عدّة فضائيات تنقل مقابلتى لرويترز ومنه الجزيرة التى أغلت مكاتبها ومنع مراسيها فى مصر.

وكان واضحاً فى حديثى صدور قرار الإخوان بالمشاركة ودعوتهم للشعب أن يشارك، وأن الأحداث ستستمر حتى تتحقق مطالب الشعب المشروعة والتى اتفقت عليها القوى الوطنية جميعاً.

التقينا مساء الجمعة مع الدكتور البرادعى المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة النووية والذى كان له دور بارز فى التمهيد خلال عام 2010 للثورة ورعاية مطالب التغيير، ولا يمكن إغفال هذا الدور العظيم عندما يتم كتابة تاريخ كامل للثورة المصرية.

حرص البرادعى على دعوة الشباب من حملة دعم البرادعى لرئاسة الجمهورية أذكر منهم مصطفى النجار وعبد المنعم إمام وكان شقيقه على موجوداً كالعادة، وحضر أيضاً الأخ الذى ينسق له الجانب الجانب الإعلامى، والتحق بنا سريعاً أ.د. عبد الجليل مصطفى وأ.د. محمد أبو الغار أعضاء الجمعية الوطنية للتغيير.

دار الحوار حول مسألتين:

الأولى: أين وكيف يشارك الدكتور البرادعى فى “جمعة الغضب” ؟

وكان الشباب أعدوا بالفعل تصوراً لم نعترض عليه، فقط كان مطلوباً حضور الدكتور الكتاتنى الصلاة والمسيرة بعدها مع البرادعى فى مسجد الاستقامة بميدان الجيزة وهو ما لم يحدث بسبب اعتقال الكتاتنى قبل فجر الجمعة.

الثانية وهى الأهم: إذا نجحت الانتفاضة وتصاعدت كيف يتم ملء الفراغ الذى سينجم عندما ينهار النظام ويبدأ التغيير.

كانت المخاوف التى تنتاب الدكتور البرادعى تتركز فى عدم وجود بديل فيضطر الجيش إلى ملء الفارغ، وحينها سيصعب أقناع الجيش أو الضغط عليه لتسليم السلطة إلى المدنيين.

كان تركيزه على استعداده لتولى رئاسة مؤقتة ، منفرداً أو مع مجلس رئاسى من عدد من المدنيين وعسكرى واحد لم نحسم الأمر لأننا لسنا مفوضين باسم الحركة الاحتجاجية التى بدأت بالوقفات فى ميدان التحرير وأمام دار القضاء ثم تحولت إلى مسيرات ومظاهرات يومية، الأربعاء والخميس ثم حشود هائلة فى “جمعة الغضب” التى سقط فيها الشهداء بالمئات ولم يكن أحد يتصور أن تتطور المظاهرات إلى اعتصام مفتوح ثم ثورة تاريخية.

أتوقف هنا قليلاً لأذكر القارئ بعلاقة محل التباس بين الإخوان المسلمين والدكتور محمد البرادعى.

نشأت تلك العلاقة عندما قرر البرادعى العودة إلى مصر فى فبراير 2010 بعد أن أعلن عن عزمه على رعاية جهود شعبية من أجل الإصلاح والتغيير مع إعلان واضح بعدم ممانعته على الترشح لرئاسة الجمهورية من خارج المنظومة السياسية التى فرضها النظام السابق الذى حصر أسماء المرشحين فى شخصيات محددة يختارها مبارك بنفسه وفصّل مواد دستورية لإغلاق الطريق أمام أى مرشحين محتملين، وذلك تمهيداً لتوريث الحكم لابنه جمال.

لذلك ارتبط فى نشاط البرادعى الأمرين معاً:

رغبة فى تولى موقع رئيس الجمهورية، مع غياب طويل عن البلاد.

عمله على تغيير النظام المصرى ليفسح له المجال لتحقيق رغبته فى الرئاسة

كتبت فى يناير 2010 مقالاً تحليلاً عن الدكتور البرادعى نُشر فى موقع “إسلام أون لاين”.

خلصت فى نهاية التحليل والمقال إلى أن ظهور البرادعى فى المشهد السياسى المصرى سيؤدى بالضرورة إلى إنهاء مشروع توريث الحكم لجمال مبارك وكان هذا أحد أهم الأهداف الاستراتيجية للإخوان المسلمين وللمعارضة المصرية الحقيقية التى لم تتلوث بالسير مع النظام السابق أو وراءه.

وقد لبى الإخوان دعوة المشاركة فى لقاء مع الدكتور البرادعى بمنزله فى حضور عدد كبير من رموز القوى الوطنية، وكان منسق الدعوة هو الصديق والأكاديمى الشهير أ.د. حسن نافعة، كنت بالسجن وقتها مع 4 من أعضاء مكتب الإرشاد وعدد من القيادات العليا استمر50 يوماً بسجن القاهرة للمحبوسيين احتياطياً الشهير باسم سجن المحكوم بجوار ليمان طره.

كانت لجان الخطة والقسم السياسى ولجنة من مكتب الإرشاد وقدمت دراسات للمكتب حول التطورات الجارية وأقرّ المكتب سياسة محددة وهى السير مع الأحداث لا نتخلف عنها ولا نسبقها أو نتصدى لقيادتها، ونتفاعل معها لتطويرها وحمايتها مع ضرورة السعى إلى وحدة المواقف بين القوى الوطنية كلها، ودعم الصلات مع الأحزاب السياسية القائمة، وشاركت قبل سجنى فى أول زيارة يقوم بها المرشد العام خارج مقر المكتب إلى حزب الوفد، ولم يقم بشخصه بزيارة أى حزب آخر غيره، بينما قامت وفود إخوانية بزيارات إلى التجمع والناصرى واستقبلنا الكرامة والغد ، وعقدنا خلال تلك السنة حوارات من أجل مصر حضرها رموز مصرية عديدة يصل عددهم إلى أكثر من 50 شخصية مرموقة ولم نستثن أحد من أى تيار سياسى.

أسفر اللقاء الذى حضره ممثلاً عن الإخوان الدكتور الكتاتنى عن تأسيس “الجمعية المصرية للتغيير” والتى اعتبرت امتدادا للحمة المصرية ضد التوريث والحملة المصرية من أجل انتخابات حرة.

خرجت من السجن لأجد تلك التطورات فكلفنى فضيلة المرشد بالاشتراك مع الدكتور الكتاتنى للإشراف على دعم الإخوان للجمعية المصرية للتغيير والتى شارك فى أمانتها العامة بحماس شديد وجهد جهيد وصبر طويل الأخ العزيز أ.د. محمد البلتاجى الذى لم يتخلف يوماً عن لقاء موسع أو مصغر، وكنت أشفق عليه من زحام اللقاءات، على جهده البرلمانى فى الشهور الأولى من عام 2010، ثم على حملته الانتخابية والإعداد للانتخابات فى الشهور 9، 10، 11، ثم على عمله بالحكومة كأستاذ للأنف والأذن بطب الأزهر، ثم على عيادته الخاصة التى كادت أن تتوقف عن استقبال مرضاه لولا استعانته بزميل كعادة الأطباء عند سفرهم.

شاركت معه بعد ذلك فى حضور الأمانة العامة والمكتب التنفيذى، ولاحظت أمراض النخبة السياسية المصرية فى اللقاءات، وانا مشارك مع هذه النخبة منذ نشاطى الطلابى أى من منتصف السبعينات 1974، وحتى يومنا هذا، وصبرنا طويلاً، ونصحنا أصدقاؤنا د. حسن نافعة ود. عبد الجليل مصطفى المنسقين المتتاليين للجمعية بالصبر على طبيعة د. البرادعى، وعلى بعض المشاكل التى كانت تتسلل إلى صفحات الجرائد، ومعظمها ضد الإخوان والاتهامات بدون بينة على أننا نريد السيطرة على الجمعية وتوجهها، ويعلم الله مدى حرص المرشد شخصياً ومعه المكتب على أمرين:

1] وحدة الصف الوطنى خلال تلك المرحلة ونسيان أية خلافات.

2] عدم السيطرة على الجمعية مع الإصرار على أن نكون شركاء فى التفكير والتخطيط قبل أن ندعى إلى التنفيذ لأية اقتراحات .

أعود إلى الدكتور البرادعى الذى لم يحضر أى لقاء للجمعية ، وباعد بين مشروعه الخاص وبين الجمعية، واكتفى بالاتصالات التليفونية أو اللقاءات الخاصة، وحرص البرادعى على اللقاء المنفرد مع الإخوان، فزاره د. الكتاتنى فى منزله، وردّ هو الزيارة لمكتب الكتلة البرلمانية، وكان حديثه للإعلام الخارجى إيجابياً دوماً عن الإخوان مع إبراز اختلافه الشخصى والفكرى مع الإخوان .

عندما طلب البرادعى زيارة أخرى تم الاتفاق بالمكتب على أن أكون بصحبة الدكتور الكتاتنى للحديث معه، وكان ذلك قبل اندلاع الثورة بشهر تقريباً.

وكان انطباعى عنه إيجابياً ، فالرجل بسيط ومتواضع ، ولديه رؤية محددة للتغيير، إلا أنه ليس لديه فهم كبير للواقع المصرى المعقد، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

كان قرار الإخوان خلال تلك الشهور بدءاً من أبريل وحتى نهاية العام يتلخص فى محورين:

الأول: تنشيط الجمعية الوطنية للتغيير والمساهمة الفعّالة فى جميع التوقيعات الالكترونية على بيان المطالب السبعة، والتى ركزّت على نزاهة الانتخابات.

الثانى: إبقاء الصلة الكافية مع الدكتور البرادعى شخصياً لأنه ابتعد عن الجمعية وواصل زياراته الخارجية لمدد طويلة.

حصد الإخوان مع القوى الوطنية حوالى 930 ألف توقيع، كان نصيب موقع توقيعات الذى أطلقه الإخوان أكثر من 800 ألف .

ونظمت الجمعية بجهود الإخوان مؤتمرات وندوات فى المحافظات الكبرى وبعض المدن واختلف الإخوان مع الجمعية حول قرار مقاطعة الانتخابات البرلمانية، وتجاوزنا ذلك الاختلاف لأن قرارات الجمعية تتم بالتوافق وليست إلزامية.

وانطلقت مظاهرات الثلاثاء 25/1 بإعلان الجمعية والبرلمان الشعبى عنها مجتمعين بجانب حركات الشباب التى كان معظمها إن لم يكن جميعها منصوباً تحت مظلة الجمعية الوطنية للتغيير.

وكان ذلك كله بعيداً عن د. البرادعى والذى فترت العلاقة بينه وبين الجمعية، بل بينه وبين بعض الشباب المشاركين فى حملته الخاصة لدعم ترشيحه للرئاسة.

وقد ساهم الإخوان فى حفز همة د. البرادعى خلال تلك الشهور عندما استضاف نائب الإخوان بالفيوم المرحوم “مصطفى عوض الله” وعندما شجعه الإخوان على الذهاب إلى الاسكندرية لحضور المظاهرات الخاصة بالمرحوم “خالد سعيد” وكان توجيه المرشد ونصيحته لنا بضرورة أن يقف الجميع دون استثناء صفاً واحداً فى صورة واحدة.

كان اللقاء الأول لى مع د. البرادعى انتهى بشعورى بأن الرجل محبط وكان قبل سفره الأخير.

أما اللقاء الثانى فكان الرجل متغيراً بسبب أحداث يوم الثلاثاء العظيم فى 25/1 وضحك وهو يقول أنه يريد من الإخوان أن يدفعوا له مقابل جهده فى تصحيح الصورة الذهنية عن الإخوان.

رددت عليه ضاحكاً إنه عندما تنتهى جائزة نوبل فسوف نقوم باللازم.

رد ضاحكاً : لقد تبرعت بالجائزة كلها إلى العمل الخيرى.

خرجنا من اللقاء أنا والدكتور الكتاتنى نتضاحك، وهاتفنى د. سيد البدوى رئيس حزب الوفد أثناء عودتنا إلى مدينة 6 أكتوبر وكان القدر يخبئ لنا شيئاً آخر.

اصطحبت زوجتى وبناتى للمبيت فى شقتنا بأكتوبر وقد اتفقنا على أن تجتمع غرفة العمليات بالمكتب ظهر الجمعة لمتابعة الموقف وتلقى التقارير بصورة مستمرة من مواقع الأحداث فى كل المحافظات، حيث كان قرارنا هو أن يزداد نشاط الإخوان فى كل المحافظات لتتسع دائرة المظاهرات والاحتجاجات حتى لا يكون الضغط على القاهرة والاسكندرية شديداً، ولكى يظهر تضامن الشعب كله مع مطلب التغيير.

نمت حوالى الواحدة متعباً مرهقاً يعد يوم عمل طويل، وإذا بزوجتى توقطنى برفق بعد ساعة واحدة وأنا مستغرق تماماً فى النوم على خبر وصول ضباط أمن الدولة.
http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=52646