حتى نستحق الثورة


(pmp.osama) #1

[RIGHT]

في اليوم التاريخي لتنحي مبارك و في وسط الفرحة العارمة التي انتابت جموع الشعب الذين خرجوا للاحتفال بتلك السابقة، وقع حادث مؤسف لاحدي الصحفيات الأمريكيات التابعة لقناة سي بي اس الأمريكية تدعي لارا لوجان و التي كانت تغطي أحداث ذلك اليوم، اذ تجمع حولها مجموعة من البلطجية تحرشوا بها جنسياً و قطعوا ملابسها و لم ينقذها الا الجيش و بعض المتظاهرين الذين انتشلوها من براثن هؤلاء الذئاب… عادت هذه المرأة محطمة نفسياً و ظلت ما يقارب الثلاثة أشهر في مستشفي بأمريكا لكي تتعافي نفسياً و جسدياً من هذا الحادث المهين البشع. قرأت هذا الخبر في الأيام التالية لذهاب مبارك -الى غير رجعة ان شاء الله- مما قتل الفرحة بصدري و جعلني أهبط هبوطاً اضطرارياً الي أرض الواقع بعد أن حلقت في سماء الأحلام الوردية و ظننت لوهلة أني لن أجد ما أنتقده في مصر بعد الثورة و كأن نهر الثورة قد فاضت مياهه لتغسل ربوع مصر من شرقها لغربها بدماء الشهداء الطاهرة. ذكرني الخبر بأننا لا يجب أن نظن أننا قد أكملنا الثورة باسقاط مبارك لان هذا ليس الا البداية و لازال لدينا الكثير من العمل، وتذكرت أنه لم يكن كل الشعب مشاركاً بالثورة (و ان اشترك الجميع في جني ثمارها)، فهناك البلطجية و المجرمون و هناك المليون مواطن المنتمون الي الحزب الوطني المنحل و هناك من جلسوا خلف شاشات التلفاز و تسلوا بهجاء الثوار و الطعن في أعراضهم و هناك من كانوا يتابعون قنوات روتانا و ميلودي ليتلهوا بعيداً عن مشاهد الثورة، وهنا أدركت ان ما حققناه بهذه الثورة كان أشبه بالجهاد الأصغر و تبقي لنا الجهاد الأكبر ممثلا في الثورة علي أنفسنا و أساليبها القديمة.

نكون مخطئين ان افترضنا المثالية فى كل الناس، و أن ما طبعته فينا ثلاثون سنة من الاستبداد من احساس بالغبن والمذلة سيمحوه ثمانية عشر يوماً من الارتقاء الانساني الذي شهدناه أيام الثورة… لقد كانت أحداث الثورة و ميدان التحرير بمثابة الدراما الاغريقية التي ترتقي بالمشاهد الي مرحلة التطهير (Catharsis) فيخرج منها الواحد و قد تطهر روحياً و ارتقي نفسيا و لو لبضعة ساعات، وهكذا عشنا جميعاً أياماً ارتقي فيها مستوانا الفكري و التاريخي و السياسي و قبل كل شئ الايماني و الروحاني مع ما أرانا الله من آيات نصره لهؤلاء الثوار…لكن مما يذكر عن الامام الشافعي قوله: " نفسك ان لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل"، لذلك ما أن هدأت وتيرة الأحداث حتي عادت بعض الخلافات و العادات السيئة لتظهر و كأن لحظة التطهير و البكاء التي صحبت مشاهدة الفيلم المؤثر قد ولت و عاد كل الي حياته كما كان بعد أن فرغ ما به من شحنات التوتر.

و مما زاد من يقيني أن شعبنا (و ليس شرطته فحسب) بحاجة الي اعادة تأهيل بعد صدمة مبارك النفسية التي استمرت ثلاثين عاماً، هو ما قرأته من بعض تعليقات شباب القراء علي خبر التعدي علي هذه الصحفية عندما نشرته شبكة رصد علي صفحات الفيس بوك بعد ثلاثة أشهر من حدوثه تحت عنوان “إعلان حلقة الصحفية الأمريكية التى تدعي التحرش الجنسي بها في التحرير يوم تنحي مبارك” …و أول ما لفت نظري كلمة “تدعي” و التي توحي بشبهة الكذب، و التي بالتبعية أججت مشاعر بعض القراء الذين أخذتهم حمية الدفاع المشهورة لدي المصريين كلما نشرت صحيفة غربية أي خبر سئ عن مصر! و اذا بنا نتحول جميعاً الي نسخ مصغرة من مبارك و عمر سليمان و اذا بكل من ينتقدنا هم عبارة عن قلة مندسة و مغرضة و ممولين من أمريكا و ايران و حماس في آن واحد… و اذا بهؤلاء القراء يتهمون الصحفية المجني عليها بالكذب و الادعاء بل ووصل الأمر بالبعض أن يتهمها بالبغاء و بعضهم اتخذ الأمر مثاراً للسخرية… و الشئ الغريب فى ردود الأفعال هذه أنها جاءت على اتهام للبلطجية ، ذلك أن المجنى عليها لم تتهم شباب الثورة الموجودين بالميدان ولم تتهم أحدا من الشرفاء ولكنها اتهمت “عناصر خطرة” ونحن نعرف جيدا ما الذى يفعله هؤلاء البلطجية المأجورين …و لنا فى الوقفات الاحتجاجية التى تمت فى الأعوام الماضية خير شاهد على ذلك… هل نسينا الصحفيات المصريات الشريفات اللائى تم تمزيق ملابسهن وكيلت لهن اللكمات من البلطجية والبلطجيات على مرأى ومسمع من رجال شرطة العهد البائد -وهن واقفات فى العديد من الوقفات الاحتجاجية على سلم نقابة الصحفيين…فلماذا نستنكر ما ذكرته هذه الصحفية ،وتأخذنا العزة بالاثم و هى لم تقل الا الحقيقة.كل هذا يدعوني للتساؤل هل حقاً سنعود كما كنا أم أن ما نراه الآن مجرد مرحلة ردة انتقالية سيتبعها سعي حثيث لاستحقاق نتائج هذه الثورة؟

ان الشعب المصري صار بحاجة الي اعادة تأهيل خلقي و نفسي كي يرقي الي عظمة هذه الثورة و يستحق أن يجني ثمارها حتي و ان كان هو منفذها، لماذا؟ لأن التنفيذ و ان كان بأيدينا فان التوفيق و النصر المبين كان من عند الله و لكي يستمر فضل الله علينا، علينا أن نقوم بعملية تطهير روحي كلية للشعب.

و بادئ ذي بدء لا بد من أن نعترف بالداء كي نخرج من مرحلة الانكار و من ثم نقبل العلاج. و علينا أولا أن نتخلص من صفة مقيتة التصقت بنا و كرسها النظام السابق خاصة فى السنوات العشر الأخيرة عندما انفصلت مصر عن محيطها العربى ،الا و هي الاستعلاءو التكبر- وان شئت الفرعنة ،و الاحساس بأننا جنس فوق الأجناس! فالشعب المصري “شعب الحضارة” و الطفل المصري “أذكي طفل في العالم” و ما من شعب أكثر شهامة من الشعب المصري. و الحق أن هذه الثورة قد أظهرت بالفعل طاقات رائعة و ابتكارات في الشعب المصري و لكن لولا توفيق الله لنا ما كان لهذه الثورة أن تنجح و أن تظل سلمية و نظيفة كي تبهر العالم. ان الشعب المصري شعب كغيره من الشعوب يخطيء و يصيب، و لعل تميزه يكمن في عدده الضخم و موقعه المتميز بين القارات الثلاث و من ثم فمن الطبيعى أن تكون مصر بيئة خصبة لبروز المواهب و العقول التي اذا تكاتفت لتصنع شيئاً عظيماً لبهرت الناس جميعاً كما حدث فى الثورة. أعلم أن كلامي هذا قد لا يتفق معي فيه كثيرون ممن تشربوا أساطير النظام القديم التي كان هذفها اشعارنا بالتميز الأجوف. و لكن الله عدل و قد خلق البشر سواسية و ان أردنا التميز حقاً فعلينا أن نصنعه بأيدينا كما صنعناه في هذه الثورة لا أن ننتظر أن يأتي كمنحة الهية بحكم مولدنا كمصريين. لا بد من أن نتخلي عن الاحساس باننا لا يمكن أن نكون مخطئين و ان كل عيب بنا لا بد له من مبرر نبيل، فتجد من يقول أن الشعب المصري هوائي لأنه شعب عاطفي، تماما كالفنان الذي يسُأل عن أكبر عيوبه فيقول: “أن قلبي طيب!”… علينا أن نعترف أن هناك انحلالاً أخلاقياً قد ضرب بجذوره في بعض أطياف الشعب المصري وربما احتاج علاجه سنين من التوعية الدينية و الأخلاقية من خلال الحملات الاعلامية و الميدانية. و بالاضافة الي تشديد العقوبات القانونية علي أعمال البلطجة و مظاهر الفساد و الانحلال الخلقي، لا بد من تشديد الرفض المجتمعي لمثل هذه السلوكيات، فقبل أن تقبض الشرطة علي من يتحرش، يجب أن يقوم المجتمع بواجبه أولا بالزجر تارة و بالنصح تارة أخري. يجب علي كل منا أن يكون عنصر مقاومة لكل شكل من أشكال الفساد نصادفه فى حياتنا. كما يجب أولا أن نتعلم أن نعترف بأخطائنا و أن نحتمل النقد كي نحسن من أنفسنا… فكما قال تشرشل “قد لا يكون النقد محبباً، و لكنه ضروري. فانه يقوم بنفس وظيفة الألم في الجسم الانساني. انه يلفت الانتباه الي الحالة غير الصحية للأشياء”

بل أكاد أذهب الي ان كل هذا لا يكفي ان لم يكن لكل منا وقفة مع نفسه و قسماً للثورة يقسمه أمام نفسه و الله، يعاهد فيه أن يطهر نفسه من الفساد و أن يخلع سلطان هواه و أن يترك المعاكسة ان كان يعاكس، و أن يترك الرشوة ان كان يرتشي و ألا يسكت عليها ان رأي من يعطيها، و أن يلتزم بقواعد المرور، أن يطلب العلم لأجل العلم لا لأجل النجاخ بالامتحان، و أن يثقف نفسه و لا يعتمد علي تثقيف الاعلام، و ألا يضيع دقيقة من وقته فوقته الضائع ضائع من وقت الأمة كلها و أن يجعل لنفسه هدفاً لحياته يخدم به بلاده.

ان كان لنا عذر في تخاذلنا قبل الثورة لانعدام الرؤية و تلاشي الأمل، فلم يعد لنا عذر الآن… ان أبطال الثورة لم يضحوا بأعينهم و أيديهم و أرجلهم و فوق كل شئ بأرواحهم لأجل أن نعود الي ذات الحياة الرتيبة الذليلة المتخاذلة، انهم لم يموتوا لأجل أن نعود للرشوة و البلطجة و التعالي علي الآخرين… يجب علي شعب مصر أن يستحي من شهدائه و أن يقدم لمصر انجازات تليق بتضحياتهم و من الآن فصاعداً علينا ألا نقبل الا بالامتياز.
[/right]
http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=58491


#2

مقال رائع جدا اخ اسامة جزاك الله خيرا على هذه الاضافة


(ايجيبت) #3

[CENTER]مقــــــــــــــــــــــــــــال جميل جدا واكثر ما اعجبني فيه هو الاستنتاج الاخير ان

ان كان لنا عذر في تخاذلنا قبل الثورة لانعدام الرؤية و تلاشي الأمل، فلم يعد لنا عذر الآن… ان أبطال الثورة لم يضحوا بأعينهم و أيديهم و أرجلهم و فوق كل شئ بأرواحهم لأجل أن نعود الي ذات الحياة الرتيبة الذليلة المتخاذلة، انهم لم يموتوا لأجل أن نعود للرشوة و البلطجة و التعالي علي الآخرين… يجب علي شعب مصر أن يستحي من شهدائه و أن يقدم لمصر انجازات تليق بتضحياتهم و من الآن فصاعداً علينا ألا نقبل الا بالامتياز.

[/center]

(dr_khaled) #4

مقال رائع أسامة

ما أجمل هذه الجملة:
في اليوم التاريخي لتنحي مبارك …