هيا بنا نؤمن ساعة


(الاسكندرانى 22) #1

هيا بنا نؤمن ساعة

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد،

فهيا بنا نؤمن ساعة، فإن القلب أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً، كلمات قالها عبد الله بن رواحة لأبي الدرداء، وتشابهت مع ما قاله معاذ بن جبل لصاحبه وهو يذكره: «اجلس بنا نؤمن ساعة».

وأحرى بنا -والعلمُ رحِمٌ بين أهله- أن نردد نفس الكلمة على مسامعنا وعلى الدنيا من حولنا.

ساعة نراجع فيها ديننا، ونؤدي بها حق ربنا، وحق النفس، والناس.

ساعة لا تحتمل التأخير، فقد جرت منا الدنيا مجرى الدم من العروق، ووصل حبها إلى شغاف قلوبنا، فمنا من باع دينه بدنيا لا بقاء لها ولا وفاء، ومنا من باع دينه بدنيا غيره، وحدث الانفصال المريب بين الدنيا والآخرة والأرض والسماء، وبعض الرجال والبعض الآخر، وبعض الساعات والبعض الآخر، بل وبعض العبادات والبعض الآخر، كما انفصل العلم عن العمل، فإذا رأيت من صرعه عشق العاجلة، وأماته حب الفانية، أو قال لك قائل: عظني أو ذكرني أو انصحني. فقل له: هيا بنا نؤمن ساعة، وقل لنفسك (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه:84].

وقد علمت كيف عوتب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بسبب ابن أم مكتوم وقيل له: (عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَن جَاءهُ الْأَعْمَى . وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى . أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى) [عبس:1-4]، وبادر وسارع بها، هذا شأنك مع من يغرق أو يجود بأنفاسه الأخيرة، تحاول إسعافه وترسل له طوق النجاة لإنقاذه، وحياة القلوب والأرواح آكد وأهم.

كان البعض يقول: عجباً لمن يبكى على من مات جسده ولا يبكى على من مات قلبه وهو أشد.

فاصنع كما صنع صاحب يس، وهو رجل والرجال قليل، أتى من أقصى المدينة يسعى (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس:20،21]، فلما أخذوه وعاجلوه بالقتل نصحهم ميتاً كما نصحهم حياً، قال (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) [يس:26،27]

وهكذا فمحبة الخير للناس تجرى من المؤمن مجرى الدم من العروق، ولذلك فلسان حاله ومقاله يردد ما قاله مؤمن من آل فرعون (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر:38،43]

فما الذي يمنعك من أن تذكر بآية بينة، أو سنة هادية أو قصة هادفة، وقد تكون هذه الساعة هي ساعة قيامتك، أو ساعة رحيل وانتقال من تذكر، فتلقى ربك على عمل صالح، وتكون بذلك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وأعذرت نفسك بين يدي ربك بالبلاغ، وعساها توافق ساعة إجابة، والدال على خير كفاعله، ولأن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، وحسبك أن تقوم مقام الدعوة وتستن بسنن الأنبياء والمرسلين (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) [الأنعام:90].

فاحذر من إضاعة الحقوق، ولا تبخل بهذه الساعة، فإن الله أحق أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وأنت ممن يحب أن يطاع الله في الأرض، وأن يكثر عدد المطيعين، ولو قرض لحمك بالمقاريض ونشرت بالمناشير، فابذلها ولا تبالي سواء كانت بالليل أو بالنهار، فلك في نبي الله نوح أسوة حسنة (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) [نوح:5-8]

فإذا وجدت نفوراً أو إعراضاً، فاتهم نفسك أولاً قبل أن تتهم الخلائق، وقل: «لعلِّي لم أخاطب الناس على قدر عقولهم، وربما أضفت لشبهاتهم شبهات، وأكون بذلك قد أعنت الشياطين على نفوسهم، ولم أعنهم على طاعة الله، ولعل هذه الساعة لم تكن خالصة لوجه الله، ولذلك لم يحدث القبول»

فاجمع قلبك على لسانك، وتوجه لخالق الأرض والسموات بالدعاء، وانتقل من هذه الساعة إلى ساعة أخرى، واجعل حياتك وقفات على طريق الاستقامة، فأنفاسك تعد، ورحالك تشد، وعاريتك ترد، والتراب من بعد ذلك ينتظر الخد، وعلى أثر من سلف يمشى من خلف، وما عقبى الباقي غير اللحاق بالماضي، وما ثم إلا أمل مكذوب وأجل مكتوب (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162-163]

أيها الغادي: قف ساعة وتفكر من أنت؟ وإلى أين المصير؟ أراحل أنت أم مقيم؟ وإذا كنت مرتحلاً فإلى أين؟ أإلى جنة أم إلى نار؟ فالحياة بغير الله سراب (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور:39]

ساعة نقيم فيها واجب العبودية، فلهذا خلقنا، ونعيش فيها طاعة الوقت، ولا بورك في الأعمار والأنفاس إن لم تكن الحياة طاعة وعبودية لله، ساعة لن تخيب ولن تضيع بها، فما خاب ولا ضاع من تعامل مع الله.

كان شداد بن أوس يقول: «إذا رأيت الرجل يعمل بطاعة الله فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رأيت الرجل يعمل بمعصية الله، فأعلم أن لها عنده أخوات، فإن الطاعة تدل على أختها وإن المعصية تدل على أختها (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) [الليل:5-10]»

وكان أيضاً يقول: «اعلموا أنكم لن تروا من الخير إلا أسبابه، ولن تروا من الشر إلا أسبابه، الخير بحذافيره في الجنة، والشر بحذافيره في النار، والدنيا عرض حاضر يأكل منها البار والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر، ولكل دار بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا».

لقد تكلم سلفنا الصالح طلباً للآخرة ولنجاة النفوس ورضى الرحمن، وتكلمنا نحن طلباً للدنيا ورضى الخلق، وعزة النفس، فكانت كلماتهم أبرك من كلماتنا، كان لهم حظ ونصيب مما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد أوتى جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه، كلمات قليلة، ولكنها حوت المعاني الكثيرة والعظيمة. فماذا يمنعك من أن تستعير بعضها وتذكر بها؟!

ومن هذه الكلمات الطيبات ما رواه هشام بن عروة عن أبيه قال: لما ولي أبو بكر خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، قد وليتُ أمركم ولست بخيركم، ولكن قد نزل القرآن، وسن النبي -صلى الله عليه وسلم- السنن فعلمنا، اعلموا أن أكيس الكيس التقوى وأن أحمق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوى حتى أخذ منه الحق. أيها الناس: إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني».

وقال الأحنف: قال لي عمر بن الخطاب: «يا أحنف، من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح أستخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه».

قال عمر وهو يعظ رجلاً: «لا تكلم فيما لا يعنيك، واعرف عدوك، وأحذر صديقك إلا الأمين، ولا تمشى مع الفاجر فيعلمك من فجوره، ولا تطلعه على سرك، ولا تشاور في أمرك إلا الذين يخشون الله -عز وجل-».

وخطب عثمان -رضي الله عنه- فقال: «بادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، ألا وإن الدنيا قد طويت على الغرور (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [لقمان:33] واعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثروها وعمروها وومتعوا بها طويلاً؟ ألم تلفظهم، ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب لها مثلاً والذي هو خير فقال -عز وجل-: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف:45،46]

وعن علي -رضي الله عنه- قال: «ألا إن الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله ولا يؤمنهم من عذاب الله، ولا يرخص لهم في معاصي الله، ولا تدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، ولا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فهم فيه، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها».

وقال يوماً: «أما بعد: فإن المرء يسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، ويسره درك ما لم يكن ليفوته، فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحاً، وما فاتك منها فلا تأس عليه حزناً، وليكن همك فيما بعد الموت».

وكان ابن مسعود إذا قعد يذكر يقول: «إنكم في ممر من الليل والنهار، في آجال منقوصة وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيراً فيوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شراً فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع لا يسبق بطئ بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، فمن أعطى خيراً فالله أعطاه، ومن وقى شراً فالله وقاه، المتقون سادة والفقهاء قادة، ومجالسهم زيادة».

وقال: «من اليقين أن لا ترضى الناس بسخط الله، ولا تحمدن أحداً على رزق الله، ولا تلومن أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه حرص الحريص، ولا يرده كره الكاره، وإن الله بقسطه وحكمه وعلمه وعدله جعل الرَّوْحَ والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط».

ومر رجل بالمقداد -رضي الله عنه- يوماً فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، يقول جبير ين نفير، فغضب المقداد، فجعلت أعجب، ما قال إلا خيراً، ثم أقبل إليه فقال: «ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه؟! وما يدري لو شهده كيف يكون فيه؟ والله لقد حضر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقوام كبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أو لا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم، مصدقين بما جاء به نبيكم، ولقد كفيتم البلاء بغيركم؟ والله لقد بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- على أشد حال بعث عليها نبي من الأنبياء، في فترة وجاهلية، ما يرون أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان، فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، إن كان الرجل ليرى والده وولده وأخاه كافراً، وقد فتح الله قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها للتي قال الله -عز وجل-: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) [الفرقان:74]

وعن قيس بن أبى حازم قال: ذهبنا نعود خباب بن الأرت، وقد اكتوى في بطنه سبعاً، فقال: لولا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به فقد طال مرضى، ثم قال: إن أصحابنا الذين مضوا لم تنقصهم الدنيا شيئاً، وإنا أعطينا بعدهم مالا نجد له موضعا إلا التراب، وشكونا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا يا رسول الله ألا تستنصر الله لنا؟ فجلس محمراً وجهه فقال: والله لقد كان من قبلكم يؤخذ فتجعل المناشير على رأسه فيفرق فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت لا يخاف إلا الله تبارك وتعالى والذئب على غنمه». [رواه البخاري بلفظ قريب].

ولما حضرت معاذ بن جبل الوفاة قال: انظروا أأصبحنا؟ فأتي فقيل: لم نصبح، حتى أوتي في بعض ذلك، فقيل له: قد أصبحت، فقال: «أعوذ بالله من ليلة صباحها النار، مرحبا بالموت مرحبا زائر مغبّ حبيب جاء على فاقه اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم انك لتعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلقات الذكر».

وعن سلمان الفارسي قال: «ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمل دنيا، والموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راضٍ عنه؟! وثلاث أحزنتني حتى أبكتني: فراق محمد وحزبه، هول المطلع والوقوف بين يدي ربي -عز وجل-، ولا أدرى إلى جنة، أو إلى نار».

وعن سفيان الثوري قال: قام أبو ذر الغفاري عند الكعبة فقال: «يا أيها الناس، أنا جندب الغفاري، هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق، فأكتنفه الناس، فقال:، أو كلمة شر تسكت عنها لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرها. اجعل الدين مجلسين: مجلساً في طلب الحلال، ومجلساً في طلب الآخرة، الثالث يضرك ولا ينفعك فلا ترده، اجعل المال درهمين: درهماً تنفقه على عيالك من حله، ودرهماً تقدمه لآخرتك، الثالث يضرك ولا ينفعك لا ترده، ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس، قد قتلكم حرص لا تدركونه أبداً»

وقد تحتاج لمخاطبة الناس على قدر عقولهم، ولتبسيط الوعظ القديم فافعل كما فعل بشر الحافي، قال: «إن في هذه الدار نملة تجمع الحب لتأكله في الشتاء فبينما هي في يوم إذ أخذت بفمها حبة، وجاءها عصفور، فأخذها هي والحبة فلا ما جمعت أكلت ولا ما أملت نالت. أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفراً أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا بلى، قال: فإن سفر طريق القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا ما يصلحكم. قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يوماً شديد حره لطول النشور، وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها».

أنت على الدرب تسير، ودعوتك وتذكيرك بالسلوك أبلغ من تذكيرك بالقول فإن وفقت وسددت فقل: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [هود:88].

[CENTER]وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

كتبه / فضيلة الشيخ العلامة : سعيد عبد العظيم [/center]


(sara sara) #2

بارك الله فيك …وسيتم نقل الموضوع الى المنتدى الاسلامي …