بلال فضل يكتب: الغنوشى الذى فرحوا به


#1

للأسف، بعض المنتمين إلى التيار الإسلامى أو المحبين له يظنون أنه فريق كرة يتوجب تشجيعه «عميانى»، وكراهية كل من ينتقده دون تبين أو تمييز، والأدهى أنهم يخلطون بين التيار الإسلامى وبين الدين الإسلامى، فيعتبرون أن كل من عارض الإسلاميين يعارض الإسلام ويحاربه، ويمنحون لمشايخهم قداسة وحصانة من النقد لم يعطها الإسلام لأحد، وكلما خالفهم أحد استسهلوا اتهامه بأنه علمانى كافر ملحد وما إلى ذلك من توصيفات تريحهم من مهام كثيرة شاقة على النفس هى الحوار واكتساب المعرفة وقبول الاختلاف، وهو ما ستجده أيضا لدى كثير من معارضى الإسلاميين الذين يستسهلون بدورهم الإقصاء والتصنيف ووضع الإسلاميين جميعا فى سلة واحدة، ووصفهم بالتخلف والتطرف دون تبصر أو تمييز، وهى مشكلات سنظل نعانى منها لفترة طويلة حتى نتخلص من تأثير التعليم أحادى النظرة الذى قتل فينا العقل النقدى والقدرة على تكوين الآراء المركبة، وجعلنا جميعا نميل إلى الاستسهال وإصدار الأحكام عمال على بطال.


ستجد ذلك جليا عندما تتبين كيف تعامل كثير من المنتمين إلى تيارات مختلفة لدينا مع فوز حزب النهضة الإسلامى الكاسح فى الانتخابات التونسية، بعض من يصفون أنفسهم بأنهم علمانيون أو ليبراليون أو يساريون اعتبروا أن ما حدث مصيبة حلت بتونس دون أن يعرفوا شيئا عن الحزب أو يقرؤوا أدبيات زعيمه راشد الغنوشى، وأغلب من يصفون أنفسهم بأنهم إسلاميون اعتبروا أن ما حدث يشكل فرصة لمكايدة مخالفيهم فى الرأى، بعضهم أرسل يقول لى «بالتأكيد أنت تعيش الآن أسوأ أيامك»، وأصابتهم دهشة عندما قلت لهم إننى على العكس سعيد لأن الغنوشى نال أخيرا فرصة لكى يختبر قدرته على تحقيق أحلامه لتونس، وأننى أقدره وأعتبره مناضلا إنسانيا من طراز رفيع مهما اختلفت مع بعض أفكاره، واندهشوا عندما علموا أننى كتبت عنه ثلاث مقالات فى «المصرى اليوم» فور اندلاع ثورة تونس، تمنيت فيها أن أراه وقد عاد أخيرا إلى بلاده، ثم تحولت دهشتهم إلى صدمة عندما نشرت لهم مقتطفات من كتابات راشد الغنوشى فى نقد التيارات الإسلامية وتقويمها، فبدأ بعضهم يتهمه بالعلمانية وبدأ البعض الآخر يتهمنى بتحريف كتاباته، ولو قرأ هؤلاء كتابات الرجل لأدركوا أنها كتابات تطورت بتطور نضاله ونضجت مع إقامته فى الغرب لسنوات طويلة، ولا يزال فيها بعض ما يمكن الاختلاف معه، لكن فيها أيضا الكثير مما يجب احترامه وتقديره لو كنا راغبين فى الحوار والمعرفة. إلى الذين فرحوا بالغنوشى أو كرهوه دون أن يقرؤوا له حرفا أهدى اليوم بعض المقتطفات من كتبه لعلها تكون حافزا للتعرف على فكره، والأهم لعلها تكون حافزا لكى نتوقف عن إصدار الأحكام دون معرفة أو تبين.


اقرؤوا مثلا هذه المقتطفات من كتابه المهم «مقاربات فى العلمانية والمجتمع المدنى» التى يقول فيها: «… ليت نخبتنا العربية والإسلامية ومنها التونسية كما قال طه حسين «أخذت الغرب بحلوه ومره»، ولكنها أخذت مره فقط، ولم تأخذ من الغرب الحريات ولا احترام سلطة الشعب. إن الغرب لا يريد لها ذلك حذر الإفلات والنهوض. إذن، مشكلنا الأساسى إن كان لنا مشكل، ليس مع الحداثة بما هى تقدم علمى وتقنى ولا حتى مع العلمانية بما هى حياد الدولة إزاء العقائد، وإنما مشكلنا المرير مع حداثة مزيفة، مع تسلط الأقلية المنعزلة على الشعب محتكرة للثروة والقرار السياسى متسلطة على ضمائر الناس وأرزاقهم وعقولهم باسم الديمقراطية والحداثة والعلمانية والمجتمع المدنى، وأحيانا باسم الإسلام أيضا. ألا تعلمون أنه قد صدرت السنة الماضية فى تونس فتوى رسمية بتكفير «النهضة» وتليت فى الإذاعة والتلفزة وعلى منابر المساجد؟ أى حداثة هذه؟، وذلك ما يجعلنا فيما لو لم نجد بدا من الاختيار بين علمانية غربية وتدين كنسى مستبد منحط، سنختار العلمانية الغربية الديمقراطية بحلوها ومرها… إن مشروعنا أبعد من أن يكون مجرد دفاع عن حرية لنا خاصة، وتبادل مواقع الاستبداد، نحن ندعو إلى حرية للجميع، حرية لكل التونسيين، وعلى المستوى العالمى ندعو إلى الحرية والتعدد الحضارى… لقد تضاءل حجم الأرض وتقاربت أطراف الكون، ولا مناص لنا من التفكير بمستوى إنسانى عالمى، وعلى المستوى المحلى لا مناص لنا من ديمقراطية تعترف بالجميع بلا إقصاء ولا عنف، تضمن حقوق الجميع على قدم المساواة، وتضمن التداول للجميع على السلطة، باعتبار التداول السلمى على السلطة بين النخب هو ثمرة الديمقراطية وميزانها وجوهرها، ولذلك ظلت هذه الكلمة ممنوعة من التداول لدى حكام العرب يرفضون مجرد النطق بها. إن المدخل لحل مشكلاتنا هو ديمقراطية حقيقية تضمن حريات الناس وكرامتهم، كما تضمن للجميع الاشتراك فى الثروة والسلطة، وتطلق حق المبادرة الثقافية والسياسية والاقتصادية، وحق الشعب فى أن يختار بين مختلف المشاريع، وبين كل الرجال دون أى وصاية، وذلك فى إطار استقلال وكرامة شعوبنا وأمتنا وخير الإنسانية.


… إنه ليس أخطر على الإسلام اليوم من الاستبداد والادعاء الصريح أو المبطن لحق النطق باسم الإسلام، مع أن من معانى ختم النبوة الانتفاء المؤبد لادعاء النطق باسم الحقيقة الإلهية خارج نصوص الوحى، ومعظمها حمال أوجه، والحمد لله أن طريق الله كرحمته يتسع لجميع السالكين من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومرجعية الوحى العليا، فلماذا يحاول أقوام تضييق هذه الرحمة واحتكار تقمص الفرقة الناجية، وترك الآخرين فى الضلال المبين، مع أن أولئك جميعا هم فى المحصلة النهائية من الفرقة الناجية إن شاء الله، ما آمنوا بالله واليوم الآخر، والمرجعية العليا للوحى».
ومن كتاب الغنوشى «الحركة الإسلامية ومسألة التغيير» أهديك هذه المقتطفات: «… إن من أعظم الجهل بالإسلام ربطه بالتعصب والتطرف والرجعية والإرهاب والعدوان على حريات الأفراد والشعوب، واصطناع مقابلة بينه وبين أى معنى جميل كالعدل والحرية والديمقراطية والفن والإبداع والعلم، والتقدم والسلم، إن عملا عظيما لا يزال القيام به يمثل أعظم خدمة للإسلام هو الدخول بالإسلام إلى العصر… مطلوب من أبناء الصحوة الإسلامية أن يؤصلوا مبادئ الحرية والشورى والديمقراطية بكل أبعادها فى أرض الإسلام ومنظوره، وأن يتعاونوا مع كافة القوى المناهضة للاستبداد والمدافعة عن حقوق الإنسان والديمقراطية من كل ملة داخل العالم الإسلامى وخارجه، فالاستبداد شر كله، وليس هناك نعمة بعد الهداية أفضل من الحرية، وهذه طريقة تلك».
اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يقرؤون.