إسهامات المسلمين في علاج الأمراض .. د/ راغب السرجاني


(slaf elaf) #1

للمرء أن يتخيل القدر الكبير من الأمراض المستوطنة والطارئة في أمة امتدت حدودها من الصين شرقًا إلى الأندلس (إسبانيا) غربًا. هذا إلى جانب المسمَّيات العديدة للمرض الواحد، وذلك باختلاف الأمصار التي حلّ بها المسلمون.

فعلى سبيل المثال يذكر ابن العين زربي (ت 548هـ/ 1153م) في خاتمة مقالته عن الشقفة -ويسمَّى الآن الجمرة والخزفة-: “اعلم أن هذا المرض الذي شاهدناه يعرض في أكثر البلاد مثل أرض الشام والعراق وخراسان ومصر وأرض المغرب، ويسمونه بالشقفة، وقد يسمونه خزفة، وقد يسمى بأرض المغرب إسفنجة، وإنما هو ورم حار… يبتدئ صغيرًا كالدُّمَّل… ثم تتفقأ تلك البثور…” .

وقد عرَّف الأطباء المسلمون المرض بأنه حالة يكون فيها العضو في الجسم فاشلاً جزئيًّا أو كليًّا عن أداء وظيفته. وحصروا أسباب الأمراض وأعراضها. ومعظم من صنف منهم في الأمراض العامَّة وعلاجها، كان يبدأ من أمراض الرأس متنقلاً عبر الجسم حتى يصل القدم. أما الذين كتبوا كتابات تخصصية فكانوا يكتبون إما عن مرض بعينه وكيفية علاجه، أو عما يصيب عضوًا معينًا في الجسم كالأمراض التي تصيب الرأس، والتي تعرض للعين أو الأذن أو البطن… إلخ. فعلى سبيل المثال، كتب ابن العين زربي حول الأمراض الجلدية وتناول فيما تناول مرض الشقفة، وهي الآن تعدّ من القروح الناتجة عن إصابة الجلد بعدوى جراثيم المكورات العنقودية (نوع من البكتيريا) .

ومن أمثلة التصانيف المتخصصة كتاب (عشر مقالات في العين) لحنين بن إسحاق، ويذكر فيه الأمراض التي تصيب العين والأدوية التي تعالج هذه الأمراض وأنواعها؛ المفردة منها أو المركبة، وطريقة تحضير المراهم .

ويورد الرازي في كتابه (الحاوي) نماذج مما ينبغي اعتماده في تشخيص الأمراض من مثل “جس النبض، ومراقبة درجة الحرارة، والرَّعشة، واحتقان الوجه، والعينين، والتنفس، والأظافر” . أما ابن سينا فيُولِي في (القانون) أهمية لفحص البول وتغيُّر لونه، ومدى صفائه ورائحته، ويوصي الأطباء في المستشفى بضرورة مراقبة المريض بدقة، وتدوين الملاحظات التي تطرأ عليه، وتعليق البيانات على سريره .

وفي مجال العلاج النفسي، ركزوا على ضرورة دراسة الأحوال العائلية والمادية والاجتماعية للمرضى، وكان علي بن عيسى البغدادي يستقصي تاريخ المرض عند المريض بسؤاله عن الأمراض التي أصيب بها في حياته.

ويصف الرازي مرض ذات الجنب وذات الرئة وكيفية مداواتهما، وفرّق بين الألم الذي يسببه القولنج والذي تسببه الكُلَى، وعالج التهاب اللوزتين . كما ميّز ابن سينا بين الشلل الناجم عن سبب مركزي في الدماغ، والآخر الناجم عن سبب محلي خارج الدماغ، وميّز بين الالتهاب السحائي الحاد والثانوي. وشخّص الالتهاب الرئوي، والأمراض المختلفة التي تعرض للكبد، ووصف المغص المعويّ والكلوي .

وقد عالج الأطباء المسلمون الشلل والنزف بالأدوية المبردة وبالماء البارد. وعالجوا خلع الكتف بطريقة تشبه إلى حدٍّ كبير الطريقة الجراحية الحديثة. وكان لسان الدين بن الخطيب أول من أشار إلى أن الطاعون مرض مُعْدٍ، ينتقل عن طريق العدوى من شخص إلى آخر. ويتبين من مؤلفات ابن التميمي أنه عمل عدة معاجين طبية ودخنًا دافعًا للوباء، وكان هذا الدخن الدافع للوباء هو الذي أوحى للأطباء -فيما بعد- بفكرة استعمال التبخير لقتل الجراثيم. وكان للأطباء المسلمين السبق العلمي حين وصفوا الجذام، وأمراض العيون، واستعمال الماء البارد في علاج التيفوئيد.

واتبع الأطباء المسلمون إلى جانب العزل في المستشفيات أساليب متنوعة أخرى في العلاج؛ فكانوا يدرسون سير المريض اليومي، ويلاحظون المريض من حيث تنفسه ولون بوله ورواسبه وبرازه، ونبضه، ولون جلده وأظافره، وقياس درجة حرارته، ويراقبون تقدم حاله مع استخدام العلاج الموصوف؛ كل هذا يُعرف اليوم بـ"الفحص السريري".

ويعدّ الرازي أول من وصف الجدري والحصبة بوضوح، ويعتبر كتابه (الحاوي) بمنزلة سجل دقيق لملاحظاته على مرضاه وسير المرض لديهم. كما أن ابن زُهْر كان أول من وصف خُرّاج الحيزوم والتهاب التامور الناشف والانسكابي، وكان دقيق الوصف للحوادث السريرية. والأطباء المسلمون أول من لفتوا الأنظار إلى شكل الأظافر لدى مرضى السل .

وكان ابن سينا في كتابه (القانون) في الفصل الخاص بالديدان المعوية، أول من أشار إلى دودة الإنكلستوما والمرض الذي تسببه، والذي سمَّاه الرهقان (الإنكلستوما). وقد سمى ابن سينا هذه الدودة باسم الدودة المستديرة، وهي التي أعاد دوبيني اكتشافها في إيطاليا عام (1254هـ/ 1838م). ووصف ابن سينا مرض الفيل (الفيلاريا) وانتشاره في الجسم، كما كان أول من وصف النار الفارسية (الجمرة الخبيثة) .

ويُحمد للأطباء المسلمين تمييزهم بين الأمراض ذات الأعراض المتشابهة؛ مما ساعدهم على علاجها، فقد ميزوا بين الالتهاب الرئوي والتهاب البلورة، وبين الأخير والتهاب الحجاب الحاجز، وبين الالتهاب السحائي الأولي والثانوي، وبين المغص المعوي والكلوي، وبين الشلل الناتج عن سبب مركزي والناتج عن سبب خارجي.

وقد حافظ الأطباء المسلمون في كتاباتهم عن الأمراض العقلية وعلاجها على روح علمية صادقة تؤازرها الملاحظة والتجرِبة، فلم يعزوا -كما فعل أطباء الحضارات التي سبقتهم- تلك الأمراض إلى التأثيرات الخارجة عن النطاق الطبيعي؛ كعمل الأرواح الشريرة التي أتت بهذه الأمراض عقابًا لآثام البشر، بل نجد استقراء وتشخيصًا ومعالجة في الحدود الطبيعية لجسم المريض وظروفه البيئية والاجتماعية التي تؤثر فيه .

وهكذا كانت أبرز إسهامات وإنجازات المسلمين فيالعلوم الطبية… تلك التي فاقت إمكانات عصرها، وظلت آثارها باقية وشاهدة على مدى ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية في هذا المجال.

المصدر: كتاب (قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية) للدكتور راغب السرجاني


(ايمان اصبيح) #2


(system) #3

شكرا لك موضوع مميز تقبل مروري