أخبار القلوب... "ميلاد قلب"


(الشوره) #1

كتبه/ إيهاب الشريف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فكثيرة هي الأخبار ومتنوعة لا سيما هذه الأيام، وشديد تعلق الناس بها ومتابعة الناس لها إذ تُنفق الأموال والساعات في تتبعها، ولا مانع من معرفة الإنسان بالواقع وإلمامه بما يدور حوله، ولكن الخطر يكمن في أن يشغله ذلك عن مهمته ووظيفته التي خلقه الله لأجلها -أعني العبودية- فلا يعطيها إلا قليل وقته ولا يؤديها بحضور قلب، ومع مرور الأيام تتبدل الأولويات في حياة هذا الإنسان وتتغير، فينسى كثيرًا… حتى ربما كان النسيان لقلبه!
ولا تتعجب من كلامي فإنه واقع، وانظر إلى الكم الكبير من الأخبار وتنوعها ما بين أخبار سياسية وأخبار اقتصادية منها الداخلي وأخرى خارجية عالمية، وأخبار الفن والنجوم وأخبار يومية وأخرى أسبوعية، بل وحصادات سنوية!
فأين في ذلك كله الأحوال القلبية؟!
وأين المتابعة الدقيقة للزيادة الإيمانية؟!
أين من يعتني بإيمانه كما يعتني بجسده وماله وعمله وعياله؟!
أين من يهتم بقلبه ويتفقده ويتعرف على أخباره وأسباب صحته وحياته؟!
أين من يشفق على نفسه فيقوم على ترتيبها وتأديبها سعيًا في نجاتها؟!
هل يتزامن مع كل هذا الاهتمام بالمتابعة الإخبارية والانشغال بالشبكة العنكبوتية اهتمام بحال القلب مع الله -عز وجل-؟!
وحتى يُعالج هذا القصور جاءت فكرة أخبار القلوب نتابع فيها الأحوال الإيمانية القلبية، ونتعرف من خلالها على وسائل زيادة الإيمان ونطالع فيها أخبار فرسانه مقتدين بهم متعلمين منهم، وأيضًا نجد فيها ركنًا خاصًا بالآفات القلبية والأمراض السلوكية، ووسائل الوقاية منها، وكيفية علاج من تلبس بشيء منها على غرار: “طبيبك الخاص”.
ترى فيها التفاوت بين العباد فهذا قلب حي، وآخر مريض، وثالث قد مات… قلوب قاسية وأخرى منيبة مخبتة، قلوب غافلة ساهية وأخرى متيقظة وعلى الآخرة مقبلة.
أغذية إيمانية… وأدوية قلبية… وقبسات نورانية قرآنية وسنية… وهذا كله وغيره تجده -إن شاء الله- في أخبار القلوب، أفلا تستحق منا الاعتناء؟!
أوَليست جديرة بالمتابعة ولو على الأقل مثل متابعة الأخبار والنشرات والشبكات؟!
وسيكون حديثنا في هذه السلسلة -إن شاء الله- عن ميلاد القلوب… قال الله -تعالى-: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) FONT=Arial[/font].
قال ابن كثير -رحمه الله-: “هذا مثل ضربه الله -سبحانه وتعالى- للمؤمن الذي كان ميتًا أي في الضلالة هالكًا حائرًا فأحياه الله، أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له ووفقه لاتباع رسله”.
وهذا الذي أعنيه بعنوان هذه السلسلة: “ميلاد قلب”، أعني به ذلك الميلاد الثاني، فكل له ميلادان، كل واحد منا يولد مرتين: مرة عندما يخرج من ظلمات رحم أمه إلى نور الدنيا، ومرة عندما يخرج من ظلمات المعصية -كفرًا كانت أو معصية- إلى نور الطاعة.
الميلاد الأول يشترك فيه كل الخلق؛ المسلمون والكافرون, الأبرار والفجار, بل حتى الحيوانات، لكن الميلاد الآخر خاص بمن وفقه الله -عز وجل- للهداية ودله على طريق الاستقامة، وأراد له سعادة الدنيا والآخرة.
إنه ميلاد لا يتقيد بعمر، فقد تولد ميلادك الجديد وأنت في الأربعين أو الستين أو قبل الموت بلحظات أو في مقتبل الشباب وزهرة الحياة، أو لعلك تولد ميلادك الجديد في نفس الساعة التي تولد فيها الولادة الحقيقية! إنه ميلاد لا يعرف المكان، فلعلك تولد ميلادك الجديد وأنت في المسجد أو الشارع أو البيت أو السجن، أو على فراش المرض والموت، أو في الصحراء، أو على رؤوس الجبال.
قد تولد في رحاب البيت الحرام، أو في وسط آسيا أو في أدغال إفريقيا، إنه ميلاد ليس له سبب معين محدد، فلعل السبب موعظة صادقة أو موقف مؤثر أو خليل محب، أو منام ورؤيا، أو دعوة في ظهر الغيب، أو رحمة من الله ونعمة تداركت العبد لا يظهر سببها.
وهو ميلاد لا يتقيد بعدد محدد فقد يولد فرد، وقد تولد أسرة، وقد تولد جماعة، وقد تولد أمة؛ إنه الخروج من مشيمة المعصية إلى عالم الطاعة، ومن ظلمات الذل والمسكنة إلى أنوار الجهاد والعزة والنصرة.
ميلاد تستقبله وعيناك غرقى بالعبرات، وصدرك يفيض بالآهات، تستقبله بالذل والانكسار بين يدي الملك الجبار، تستقبله بأزيز صدر… وأنين فؤاد… وحنين روح… وسجدة شكر، إنه باختصار هزة… فمحاسبة… فدمعة… فتوبة… فثبات.
يقول ابن القيم -رحمه الله- في مدارج السالكين: "فللروح في هذا العالم نشأتان: إحداهما: النشأة الطبيعية المشتركة. والثانية: نشأة قلبيه روحانية يولد بها قلبه وينفصل عن مشيمة طبعه كما ولد بدنه وانفصل عن شيمة البطن، ومن لم يصدق بهذا فليضرب عن هذا صفحًا وليشتغل بغيره، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد -رحمه الله-: أن المسيح -عليه السلام- قال للحواريين: إنكم لن تلجوا ملكوت السموات حتى تولدوا مرتين.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: هي ولادة الأرواح والقلوب من الأبدان، وخروجها من عالم الطبيعة كما ولدت الأبدان من البدن وخرجت منه -يعني الأجساد-، والولادة الأخرى هي الولادة المعروفة والله أعلم" (اهـ من مدارج السالكين).
والناس متفاوتون في النور والظلمة بحسب حرصهم على ذلك فكلما كان العبد حريصًا على تحصيل الإيمان وتحقيقه والتحلي به انحسرت الظلمة عن قلبه، وكلما تكاسل في ذلك انحسر النور وحلت محله الظلمة، وإذا أذنب نكتت في قلبه نكته سوداء فإن زاد زادت حتى يسود القلب، وربما زاد السواد بازدياد المعصية كمًا وكيفًا؛ فكانت الوفاة وصار ميتًا وعاد كما كان! وربما استدرك العبد نفسه بالتوبة فصقل قلبه، والناس في سجال مع الشياطين والنفوس الأمارة بالسوء، والمهدي من هداه الله والطائع من أمكنه الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذه الحلقات… جرعات إيمان ونسمات روح تنعش القلوب المريضة كي تتشافى، وتوقظ القلوب الغافلة كي تجدّ في سلوك الطريق إلى خالقها، وصدمات كهرباء لأموات القلوب لإحيائها، أبدأها بحديث عن قدر القلب وخطره وضرورة الاعتناء به، ثم حديث مستفيض عن عبادات القلوب وأغذيتها عبادة عبادة تعريف وبيان، ووسائل التحلي بها وطرق قياسها؛ ليسهل على العبد محاسبة نفسه عليها ليرى أيزيد أم ينقص؟
وحتى يكون النفع تامًا وكاملاً من هذه الحلقات فإنها ليست للقراءة وإنما للعمل والتطبيق، ولذلك لا يجدي كثيرًا أن تُقرأ دفعة واحدة؛ لأنها ستُنسى دفعة واحدة، وإنما حلقة حلقة وعبادة عبادة… وخلال أيام وربما أسابيع يروض العبد نفسه على التحلي بها وتحقيقها ثم ينطلق للعبادة التي بعدها، مع الأخذ بأسباب زيادة الأولى، وهكذا يترقى في مدارج الإيمان، ومعارج التقوى حتى يولد من جديد ويوهب قلبًا جديدًا يسعد به في حياته وأخراه.
نسأل الله أن يجدد الإيمان في قلوبنا، وأن يهبنا قلوبًا سليمة، آمين.


(system) #2

بارك الله فيك وجزاك الله عنا كل خير وجعل كل كلمة فى ميزان حسناتك