وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ


(slaf elaf) #1

[CENTER]

قد يفهم بعض الناس من انكسار المؤمنين في موقف أو جولة أنهم أدنى من عدوِّهم منزلةً، أو أقلُّ منهم قيمة، ولكن هيهات! فالمؤمن هو المؤمن حتى لو تعرَّض لصدمات وانكسارات، ولقد رأينا القرآن الكريم يصف المؤمنين الذين تسبَّبُوا في مصيبة أحد بأنهم هم الأعلى، وينهاهم عن الشعور بالضعف أو الخيبة؛ فهم أعظم من عدوِّهم حتى لو أثخنهم عدوُّهم بالجراح! قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].

وليس العلوُّ المقصود في الآية هو علو السلطان والتمكين، ولا علو المال والأملاك، ولا علو الكثرة والغلبة، إنما هو مُتَعَلِّق -كما وصف الله عز وجل- بقوَّة إيمان المؤمنين؛ قال تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، فينبغي للمؤمن أن ينظر في لحظات الانكسار والمصيبة إلى ما منحه اللهُ عز وجل مِن نِعَمٍ حَرَمَها الظالمين الذين تغلَّبوا عليه في جولة…

فلقد منح الله المؤمن قدرةً على أن يرفع يده بالدعاء إليه؛ بينما يلجأ الظالمون إلى سادتهم من البشر…

ولقد أعطى الله المؤمن دستورًا نقيًّا لا يأتيه الباطل أبدًا؛ بينما يتخبَّط الظالمون في الضلالات والأوهام…

ولقد رزق الله المؤمن صحبةً تُحِبُّه في الله وتُعاونه من أجل إرضائه سبحانه؛ بينما لا يعرف الناسُ الظالمين ولا يتقرَّبون إليهم إلا من أجل مصالح الدنيا، فإن ذهبت المصالح انهارت العلاقات وتقطَّعت الأوصال…

ولقد منح الله المؤمن اطمئنانًا في قلبه بذكره سبحانه؛ بينما الظالمون غافلون مضطربون لا يذكرون الله إلا قليلًا…

ولقد وهب الله المؤمن إيمانًا جازمًا أن هناك يومًا سيُحَاسِب فيه سبحانه وتعالى عباده حسابًا دقيقًا، فينتصر للمظلوم ويُثيبه الجنة، وينتقم من الظالم ويرديه في جهنم؛ بينما الظالم لا يضع هذا اليوم في حساباته أبدًا؛ قال تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى:7].
إن استحضار مثل هذه المعاني كفيل بإخراج المؤمن من حزنه وشعوره بالضعف؛ ولهذا قال تعالى في الآية نفسها: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا}، وتصبح مهمة المؤمن الأولى في وقت مصابه وألمه أن يرفع من درجة إيمانه، وهي مهمة جليلة لا يمكن أن يحول بينها وبينه ظالم، فلله الحمد والمنَّة.

ولكن ينبغي الحذر في ظلِّ هذه الروح العالية من الإصابة بمرض الكِبْر، فإنه يُعْمي البصيرة، وغالبًا ما يقود إلى أزمات وكوارث، خاصة إذا أُصيب به القادة أو العلماء، فاللهم احفظنا من أمراض القلوب.[/center]