سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ


(mido328) #1


[SIZE=5][COLOR=Blue][FONT=Microsoft Sans Serif] قال تعالى ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
أن ينتقل إنسان من مكة إلى بيت المقدس، وأن يعرج إلى السماوات، وأن يصل إلى سدرة المنتهى، وأن يعود إلى مكة في جزء يسير من الليل، هذا فوق طاقة البشر، لا يمكن أن يُحْدِثَ هذا إلا خالق الكون الذي بيده أن يعطل قوانين المكان والزمان، فالزمان له قانون، والمكان له قانون، الله سبحانه وتعالى عطّل قانون المكان، وقانون الزمان، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام، وانتقل بجسده الطاهر وبروحه الشريفة من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ومن بيت المقدس إلى السماء، فالانتقال من مكة المكرمة إلى بيت المقدس إسراء، والانتقال من بيت المقدس إلى السماوات العلا معراج .
إذاً: جاءت كلمة ( سبحان )

أي نَزّه هذا الرب، وعظّمه، ومَجَّدَهُ، فهو الذي بيده كل شيء، بيده المكان، ولو شاء لألغى قوانين المكان، وبيده الزمان، ولو شاء لألغى قوانين الزمان، إذاً : ( سبحان ) تعني ما أعظم الخالق الذي بيده كل شيء، الأسباب صور، والنتائج صور، وهو كل شيء .
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ( سورة الفتح : 10 )

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ( سورة الأنفال : 17 )

لا يحدث شيء إلا بأمر الله وعلمه وقدرته وتقديره .
إذاً: مناسبة أن تأتي كلمة ( سبحان )في مطلع سورة تشير إلى معجزة تمت للرسول عليه الصلاة والسلام بانتقاله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن المسجد الأقصى إلى السماوات العلا، في جزء يسير من الليل، هذه معجزة فيها خرق لقوانين المكان والزمان، ولا يستطيع أن يفعلها إلا خالق الكون، وخالق المكان، وخالق الزمان .
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
سبّح أيها القارئ، أيها المؤمن، أيها المسلم، ونَزِّه وَمَجِّد وَعَظِّم .
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
معنى : أَسْرَى :
أسرى، يقال : سرى وأسرى، سرى مشى في الليل، سرى مشى في آخر الليل، وأسرى مشى في أول الليل، فإذا قال الله سبحانه وتعالى :
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
كان المعنى: أنه أسرى بعبده ليلاً .
تأكيد على أن هذه المعجزة تمت في الليل، أما كلمة ليلاً جاءت نكرة، ودليل أنها نكرة جاءت مُنَوَّنَة ليلاً، وهذه إشارة إلى أن هذه المعجزة تمت في جزء، هذا التنكير تنكير تبعيض، وهناك تنكير شمول، أو تنكير تمكين، هذا التنكير تنكير تبعيض، أي: لم تستغرق هذه المعجزة الليل كله لا، ليلاً، أي في جزء يسير من الليل .
أن الليل جاء ليؤكد أنه وقت المناجاة والتجلي والاتصال، وبعض العارفين بالله كان يناجي ربه : يا رب، قد هجعت الطيور إلى أعشاشها، وأغلقت الملوك أبوابها، وآوى كل حبيب إلى حبيبه، وأنا واقف ببابك، أرتجي جنابك يا رب .
الليل وقت المناجاة، ووقت الاتصال، ووقت التهجد، ووقت الإقبال والتضرع، سبحانك لا يطيب الليل إلا بمناجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك، لا تطيب الدنيا إلا بذكرك، ولا تطيب الآخرة إلا ببرك .
أما كلمة ( عبده )فهي أكمل المخلوقات خُلُقَاً وعِلماً، وأكملهم عبودية! وأعلى مرتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض أن يكون عبداً لله، إذا كمل علمه كملت عبوديته،
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى

معنى الحرام أن هذه الكعبة المشرفة، ومكة المكرمة، جعلها الله بلداً حراماً، يحرم القتال بها في الأشهر الحرم، ويحرم الصيد فيها، ويحرم قطع النبات فيها، لأنها بلد مقدس، ومن أجل أن تكون أمناً للناس، ومثابة، وكذلك المسجد الأقصى، المسجد البعيد، تقول : الشرق الأدنى، والشرق الأقصى، والمسجد الأقصى أي : المسجد البعيد عن أهل مكة، هنا يوجد إشارة إلى أن هذه معجزة .
﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
الله سبحانه وتعالى أطلع هذا النبي الكريم على مقامه العظيم، في هذا الإسراء والمعراج فُرضت الصلاة، التي هي معراج المؤمن، بها يعرج إلى الله عز وجل، كلما استقام قبلها، كلما تقرب إلى الله بفعل الخيرات، وكانت صلاته معراجاً له، وكما منَّ الله على هذا النبي العظيم بالإسراء والمعراج منَّ على سيدنا موسى بالكتاب .

﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا
فحَوَى الكتاب أن تعبد الله وحده
إذاً هذه المعجزة خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءت بعد سنوات عجاف، بعد امتحان مرير، توفي عمه أبو طالب، وتوفيت زوجته خديجة رضي الله عنها، وكانت مؤنساً له، وخير زوجة مخلصة له .
وحينما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام في أيام الفتح إلى مكة ما بقي في مكة إنسان إلا ودعاه إلى بيته، أبى‍ ! وقال : انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة! وفاءً لها .

والحمد لله رب العالمين
[/font][/color][/size]