الإنسان بين الإسلام والفكر الصوفي


(mido328) #1

[RIGHT]إن محور الخلاف بين الإسلام والفكر الصوفي هو الإنسان.[SIZE=5][COLOR=Blue]
فلكل منهما نظرة خاصة إليه، وتطبيق خاص يتبع تلك النظرة، يختلف عن الآخر جذريا وكليا. ولو أن الصوفية عرضوا فكرتهم عن الإنسان مجردة من الاعتماد على النصوص الشرعية، وهو ما يجب؛ لما بين الشريعة والتصوف من تضاد حقيقي: لظهر الفرق الكبير بين النظرتين، خاصة لأولئك الذين لا يملكون حظا من العلم، لكن الإيهام جاء من سعيهم إلباس فكرتهم لباسا دينيا، يعتمد على النص أداة لترويج الفكرة في المجتمعات الإسلامية، وحماية لأنفسهم من سطوة الحق وسلطان الشريعة، إذ كانت الفكرة ظاهرة المنابذة والمناقضة للإسلام جملة وتفصيلا، إذ تقوم على تأليه الإنسان.

إن للصوفية خطان يسيرون عليهما، فالخط الأول يتخذ الشريعة حجابا، والثاني يتخذ الحقيقة شعارا، وهم يظهرون للعوام بالخط الأول، ويعلنون عن الخط الثاني تلميحا، ويتخذون من الإبهام والرمزية طريقا للتعبير قدر الإمكان، وفي بعض الأحيان يصرحون بشيء من الحقيقة، وربما صرحوا بكل الحقيقة إذا احتاجوا، أو اضطروا، وفي فلتات ألسنتهم، والحقيقة عندهم هي: أن الإنسان هو الله تعالى، في أسمائه وصفاته، وما يتبع ذلك من أعمال، من قيام على السموات والأرض بالحفظ والتدبير والتصريف؛ بمعنى حلوله مرتبة الإلهية، وهي مرتبة عندهم ممكنة غير محالة، في قدرة الإنسان بلوغها، فإذا وصل إليها وحلّ واتحد بها، صارت له كل مزايا وخصائص تلك المرتبة، ومن هنا كان كلامهم عن (الإنسان الكامل)، الذي يمثل هذه المرتبة، وهو أكمل مظهر لتجلي الذات الإلهية.
وتوضيح المسألة كما يلي: يتصور الصوفية الوجود مؤلفا من ثلاثة أجزاء:
-الأول: الله تعالى، له الأسماء والصفات الإلهية.
- الثاني: العالم، فيه كل الحقائق الكونية.
- الثالث: الإنسان، الجامع للأسماء والصفات الإلهية والحقائق الكونية.

وعندهم أن الذات الإلهية منـزهة عن الإدراك، لعدم المناسبة بينها وبين المخلوقات، فلا بد من وساطة، وظيفتها إيصال ما عند الحق إلى الخلق، والوصول بالإنسان إلى الحق، وبدون هذه الوساطة يتعذر القيام بتلك الأعمال المهمة في بقاء وحفظ العالم، وخلاص الإنسان ونجاته؛ لأجل هذا التعذر والامتناع (الاتصال المباشر بين الحق والخلق) كان لابد من إيجاد عنصر يقوم بتلك المهام، ولم يكن ثمة مرشح خيرا من الإنسان، حيث كرمه الله تعالى على جميع الخلق، واستخلفه في الأرض، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وهي أمور ورد النص بها، فاستثمرها الصوفية لتكون نواة ينطلقون منها لتوسيع دائرة الخصائص الإنسانية، كعادتهم في الاعتماد على النصوص الصحيحة، وتوسيع دائرة دلالتها بغير دليل، فأعطوا الإنسان دائرة أكبر مما أعطاه الشارع، وأمثلة ذلك:
1- خلافة الإنسان وتسخير الأرض له: كان لأجل عمارة الأرض والقيام بالشريعة، كما {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } (سورة ص) هذا هو معناه الشرعي، لكن الصوفية جعلوا للخلافة معنى زائدا، هو ممارسة القيومية على السموات والأرض، والقيام بما ليس في قدرة أحد إلا الله تعالى تصريفا وتدبيرا.
2- مما ورد أن الله قال عن عبده المؤمن: ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)، والمعنى حفظ الله تعالى له في سمعه وبصره ويده ورجله، فلا تستعمل في خطيئة، لكن الصوفية جعلوا هذا المعنى دالا على إلهية الإنسان، وتطابق أوصاف الإلهية عليه.
3- اتخذوا من فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم طريقا، لتعظيم كل من سموه وليا، فاحتجوا بما ثبت له من فضل وجاه، فأثبتوها للأولياء، ونسبوا إليه أشياء لم تثبت، لينسبوها بعد ذلك إلى الأولياء، فإنهم جعلوا من: التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاحتفال بمولده، وشد الرحل إلى قبره. سلّما إلى التوسل بكل من يقولون عنه إنه ولي، فلو ثبتت تلك الأمور للنبي صلى الله عليه وسلم، لكان الاكتفاء بها في حقه عليه الصلاة والسلام هو المتوجب، فبأي دليل جعلوها في حق كل من سموه وليـّا؟!.
4- زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، ويكشف الكرب، ويغيث المضطرين، ثم جعلوا هذه الخصائص كلها للأولياء!!.
بمثل هذه الطرق أوّلت النصوص في تفضيل الإنسان وحرفت معانيها، فبدل أن يوضع في أعلى مكان يليق به مخلوقا (عبودية)، رفع إلى مقام الربوبية والخالقية، فكانت تلك التأويلات سببا في اختيار الإنسان ليكون له دور كوني، حسب النظام الصوفي.
يضاف إلى ذلك حظوظ النفس، والرغبة في الدنيا، في رئاستها وجاهها ومالها، وهي أمور مستقرة في النفس البشرية، لا تمتنع منها متى ما تيسر طريقها، ما لم يكن لها زاجر.
ومن هنا بدأت وظيفة الإنسان، فلا فيض إلهي إلا من خلال هذه الوساطة، ولا وصول ولا خلاص إلا من خلالها، فنادى الصوفية بتعظيم الإنسان، وسموه: كاملا، ووليا، وقطبا، وعارفا. وبعضها أسماء شرعية، لكن لم يلتزموا فيها المعنى الشرعي، بل المعنى الصوفي.
استبد هذا الاعتقاد بوساطة الإنسان الولي بعقول الصوفية، حتى أيقنوا تماما ألا طريق إلى الله إلا من خلاله، وأن من لم يسلك الطريق من خلال هذه الوساطة فهو محجوب ومطرود، تجلى ذلك في أقوالهم في منزلة الشيخ، فإن تعظيم الشيخ بلغ مرتبة غير مقبولة في الشريعة، فكل من أراد توبة، أو طلب حظا، أو رغب في خير، أو دفع شر، فلا بد من الشيخ، فإن كان حيا فيأتيه ويتوسل إليه - إن قدر - وإلا فيدعوه دعاء الغائب، وكذا بعد موته يأتي قبره، فيطوف به، ويدعوه، وينذر له، ويذبح له، فإن لم يقدر دعاه من مكانه، فلا تجد عبادة إلا وللشيخ فيها حظ ونصيب، كل ذلك بسبب اعتقاد صحة تلك الوساطة، وأن الطريق إلى الله لا يكون إلا من خلال الولي.
ومن اعتقاد الصوفية أن الحقيقة المحمدية هي أول موجود، وفيها تمثلت الصفات الإلهية كاملة، وهي تتمثل في الأولياء، فتعطيهم الصفات الإلهية كاملة، فتكون لهم الخصائص نفسها، لكن بدرجة ثانية، ولذا يسمون بالأقطاب الصغرى، كما يسمى أحدهم بالإنسان الكامل، فهو اعتقاد في كل ولي أن الحقيقة المحمدية متمثلة فيه بكل الأسماء والصفات الإلهية، وهو بذلك يمارس القيومية على السموات والأرض، في كل زمان ومكان، وهذا تعليل توجه هؤلاء إليهم بالسؤال والدعاء والعبادة.
وليس كل الصوفية يدركون هذا الاعتقاد كما هو، بل غاية اعتقادهم أن الأولياء لهم جاه ينفعهم عند الله تعالى، ويستدلون بحديث الأعمى في توسله بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يرد بصره، وطلب الناس الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: على ما يفعلونه من التبرك بالأولياء والتوسل بهم دعاء ونذرا.
دون أن يدركوا أن تلك النصوص (الشفاعة وحديث الأعمى) ليست سندا لهم فيما يفعلونه من التبرك، فليست تفيد إلا جواز طلب الدعاء من الحي الحاضر.
ودون أن يدركوا حقيقة التصوف، الذي يتخذ من وساطة الإنسان فكرة محورية يبني عليها تأليه الإنسان، بدعوى حيازته الأسماء والصفات الإلهية.

ولكي يكون الصوفي المريد على بينة من هذه القضية، فعليه أن ينظر في تعظيم المشايخ:
كيف يكون؟، وكيف يريدون أن يكون؟!.
ويقارن بين هذا الغلو في تعظيم المشايخ، وبين منزلة الإنسان في الإسلام، سواء كان نبيا أو وليا، مع الحرص على ألا ينساق وراء تأويلات الصوفية معاني النصوص الثابتة في الولاية والتبرك، وفهمهما في الحدود التي حدها الشرع، إنه لن يجد للنبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام عشر ما للولي من منـزلة وتعظيم عند الصوفية، بل سيجد التوجيه الدائم ألا يبالغ في مدحه، وأن يكف عن نسبة المشيئة إليه، وسيجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يمنع من أن يسجد له أحد، وأن يعتاد أحد زيارة قبره، ولن يجد حثا على التوسل به، أو الاحتفال بمولده، أو شد الرحل إلى قبره، فضلا عن دعائه وسؤاله بعد موته.
إذا نظر المرء نظر الفاحص سيجد أن الإسلام بكل أحكامه وقواعده وأصوله يرسخ عبودية الإنسان وبشريته، وضعفه، وأنه مخلوق من تراب، وأنه لا يملك من أمره شيئا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إن أشرك فلن ينفعه قربه واصطفاؤه واجتباؤه، وأنه إن ركن إلى الباطل عذبه مرتين، وأنه لن ينجيه إلا عمله الصالح، وأنه لا يعلم الغيب، وأنه فقير إلى عفو ربه، وأنه يخاف على نفسه من تقلب القلوب.

أما الفكر الصوفي فإنه يرسخ ألوهية الإنسان، لكن تحت غطاء التبرك والتوسل. وهذه موجهة إلى العوام، أما الخواص فإنهم يخاطبون كفاحا بحقيقة الأمر دون غطاء: أن الإنسان له خصائص إلهية، وهو جامع لكل الحقائق الإلهية والكونية.
والنتيجة: أنك تجد الصوفي دائم التعلق بالمخلوق، في شخص (الإنسان الكامل) أو الولي، يلجأ إليه في كل شئونه، حيا أو ميتا، مع نهي الإسلام عن ذلك، وتحديده وتوضيحه الفرق بين الخالق والمخلوق، والأمر بإنزال الإنسان مرتبته دون غلو، وأمره بالتوجه إلى الله تعالى وحده في كل الشئون.
فمن قارن سيدرك حتما بُعد ما بين الإسلام والتصوف، وأنهما لا يلتقيان في شيء من الأصول، فإذا اختلفا في الأصل فلا جدوى بعد ذلك في اتفاقهما في شيء من الفروع، وهي قضية تنبغي العناية بها، فالتوافق في نوع الزهد والذكر والتهذيب والتزكية، لو كان بعضه صحيحا نافعا، لا يقارن بالاختلاف في أصل التوحيد، فالإسلام ينسب التصريف والتدبير وعلم الغيب إلى الله تعالى، ويدعو إلى عبادته وحده لا شريك له، والتصوف ينسب كل ذلك إلى الأولياء ويدعو إلى عبادتهم!!. إن هذا الفرق الجوهري، الذي لا يمكن إخفاؤه، يطلع الباحث على حقيقة التصوف، وحقيقة الفرق بينه وبين الإسلام، وأن كل ادعاء بسلامة التصوف فهو: قلب للحقيقة، وتلبيس لها بالباطل.
ومما يعجب له المرء أن المتصوفة يقولون: إن من غايات التصوف التعلق بالله تعلقا تاما، حتى لا يكون فيه غيره. كما قال الجنيد في تعريف المحبة: “عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرقت قلبه أنوار هيبته، وصفا شربه من كأس ودّه، وانكشف له الجبار عن أستار غيبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله، ولله، ومع الله”.

ثم مع ذلك يدعون إلى تعظيم الأولياء: تبركا، وتوسلا، ودعاء. مما لا يصح أن يكون إلا لله تعالى، وذلك مما يبطل أن تكون غاية التصوف التعلق بالله تعالى وحده!!.
إن هذا الفكر خطر على الإسلام، ومما يزيد من خطره: أن الصوفية عرفوا كيف يروجون له بين المسلمين، فاتخذوا لذلك طرقا عدة، هي:
أولا - التفسير الإشاري، الذي يفتقد الأصل العلمي من لغة أو سند حديثي، ففسروا النصوص بالقاعدة الصوفية المخوِّلة ابتداع المعاني اعتمادا على المنامات والمكاشفات والإلهامات، وقد مهد الصوفية لهذا بالقول: بأن علما ينال من هذا الطريق أشرف وأوثق من العلوم المحصَّلة بالإسناد، فهذا علم الخرق، وذاك علم الورق، والفضل للخرق. فثمة نصوص ثابتة استدلوا بها، لكن توسعوا في معانيها، فخرجوا بها إلى ما لا تدل عليها. فدعوتهم ظاهرها الاعتماد على النص الشرعي، وفي هذا إغراء للمحبين للشريعة أن يتبعوا سبيلهم، لكن باطنها رفض العمل بروح النص ومعناه، واستبداله بمعنى صوفي.

ثانيا - آثار موضوعه لا أصل لها، وإنما إحياء لمذهب الفلاسفة القدماء، تدور حول الإنسان ودوره في الحياة، زعموا أنها من الوحي، كي تلقى القبول بين المسلمين، كقولهم: (من عرف نفسه عرف ربه).

ثالثا - انتسابهم إلى الزهد، والذكر، وأعمال القلوب، وتهذيب الأخلاق، وكلها أمور يحن قلب المسلم إليها، وهم يستدلون على طريقتهم بالكتاب والسنة وكلام الصالحين، وبعض تلك النصوص ثابتة في أصلها، وأصل تلك العبادات مشروعة.
كل هذه العوامل، مع جهل كثير من المنتسبين إليها بحقيقتها، وجهلهم بحقيقة منزلة الإنسان في الإسلام، أورثت انسياق فئام من هذه الأمة إلى التصوف وإيمانهم به إيمانا عميقا، وغفلتهم عن المخالفة الكبرى التي وقع فيها الفكر الصوفي، حين خرج بالإنسان من رتبة البشرية إلى رتبة الربوبية والألوهية.
[/color][/size]وإذا كانت تلك فعلت فعلها، إلا أن طائفة أدركت حقيقة الأمر، فلم تخدع بالتأويلات الفاسدة، والآثار الموضوعة، وغطاء الزهد والتصفية والتهذيب، فوقفت بالمرصاد، وأعلنت زندقة من جعل الإنسان ربا وإلهاً، وهذا يفسر لنا المشاكل التي تعرض لها طائفة من أئمة التصوف، في كل ناحية: في فارس والعراق والشام ومصر والمغرب، إلى غير ذلك، فمنهم من قتل حدّا، ومنهم من نبذ وطرد، ومنهم هرب واختفى، ومنهم من أظهر التراجع، ومنهم من آوى إلى ركن ذي جاه وسلطان فحماه ومنع منه، وهكذا لا تقرأ ترجمة لأحد من هؤلاء إلا وفيها شيء من التهم، التي تولدت من غرابة وشناعة الأفكار التي أتوا بها، وظهور مناقضتها للإسلام، مهما ركبوا أنواع التأويلات.
[/right]