هدي النبي صلى الله عليه وسلم 3


(mido328) #1

[SIZE=5][COLOR=Blue][FONT=Microsoft Sans Serif]

[CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

هدي النبي صلى الله عليه و سلم في معاملاته :

سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه على الأقدام، أي النبي عليه الصلاة و السلام سيد هذه الأمة ونبيها، وسيد الأنبياء والمرسلين، وخيرة الله من خلقه، ومع ذلك كان إنساناً طبيعياً- الإنسان إذا تكلف أصبح ممقوتاً - فسابق بعض أصحابه بأقدامه مشياً، وصارع أبو ركانة، أبو ركانة كان مصارعاً قال للنبي الكريم: إذا صرعتني أسلم؛ فصرعه النبي عليه الصلاة والسلام - أي أوتي الكمالات كلها – أما أصحابه فكل صحابي تفوق في خُلُق؛ هذا في شجاعته، وهذا في كرمه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام جمع كل الكمالات، حتى في القوة الجسدية كان مصارعاً، ففي حديث رسول الله أنه:

((صارع أبو ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي ثلاث مرات، عندها أسلم))

[أخرجه الترمذي وأبو داود عن أبي ركانة]
فسابق بنفسه على الأقدام، وصارع، وخصف نعله بيده - أصلحه - ورقع ثوبه بيده، ورقع دلوه بيده، وحلب شاته، وخدم أهله ونفسه، وحمل معهم اللبنة في بناء المسجد، - كان يحمل اللبن في بناء المسجد- ورفع على بطنه الحجر من الجوع تارة، وشبع تارة، وأضاف وأضيف - أي كان ضيفاً وكان مضيفاً - واحتجم في وسط رأسه، وعلى ظهر قدمه، واحتجم في الأخدعين، والكاهل، وما بين الكتفين، وتداوى، وكوى ولم يكتوَ، ورقى ولم يسترقِ، وحمى المريض مما يؤذيه، أي إنسان طبيعي يعيش مع الناس، يشاركهم في كل شيء، فالإنسان مكانته تأتي لا من ترفعه من بعض الأعمال، بل تأتي مكانته من قربه من الله عز وجل؛ شيء لفت نظري أن الدول الغربية وجدوا أن صناعتهم متخلفة عن اليابان- صناعة السيارات - فأرسلوا وفداً إلى اليابان للبحث عن سبب تفوقهم في الصناعة؛ ففوجئوا أن السبب اجتماعي، وليس تكنولوجياً، وجدوا أن المدير هناك يأكل مع العمال، لا يوجد حواجز بين المدير والعمال، فهذا الاختلاط اختلاط القمم مع القواعد يعمل ألفة، يعمل اندفاعاً وحماساً، والآن في بعض المعامل عندنا لا يوجد حواجز بين المدير والعامل، يأكلون معاً فالعامل يشعر أن هذا المعمل معمله، فيتقن عمله؛ إتقان العمل يروج البضاعة، فقواعد ديننا عظيمة جداً، فهم يتواضعون لأسباب مادية محضة، لأسباب تجارية محضة؛ أما نحن فنتواضع ونطبق السنة لأسباب تعبدية أرقى بكثير، دنيا وآخرة، إذا كان هناك فضائل ففضائل مخدوشة بحب المال، أما فضائل المؤمنين ففضائل مجردة من محبة المال؛ ليس الهم أن أربح؛ بل الهم أن أتقرب لله عز وجل، لذلك المؤمن إذا كان كاملاً فله الدنيا والآخرة، أما الكافر إذا كان ذكياً، وقلد المؤمن بأخلاقه؛ فمن أجل أن يكسب ثقة الناس، وأن يربح، وأن يحقق مصالحه، هذا شيء وهذا شيء آخر.

النبي عليه الصلاة و السلام أحسن الناس معاملة :

وكان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس معاملة، وكان إذا استسلف سلفاً قضى خيراً منه، وكان إذا استسلف لرجل سلفاً قضاه إياه ودعا له، ويقول عادة:

((بارك اللهُ في أهلك ومالكَ، إنما جزاء السَّلَفِ الحمدُ والأداءُ ))

[أخرجه النسائي عن عبد الله بن أبي ربيعة]
كثير من الأشخاص يقسم بالله ألا يدين واحداً من أثر معاملة سيئة، فكان إذا استسلف سلفاً قضاه إياه ودعا له، وقال:

((بارك اللهُ في أهلك ومالكَ، إنما جزاء السَّلَفِ الحمدُ والأداءُ ))

[أخرجه النسائي عن عبد الله بن أبي ربيعة]

((استسلف من رجل أربعين صاعاً، فاحتاج الأنصاري - احتاج هذه المواد - فأتاه، فقال عليه الصلاة والسلام: ما جاءنا من شيء بعد. فقال الرجل وأراد أن يتكلم فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقل إلا خيراً فأنا خير من تسلف- أي اطمئن؛ لا تقل إلا خيراً، أنا خير من استسلف- أعطاه أربعين فضلاً وأربعين سلفة فأعطاه ثمانين ))

[رواه البزار عن عبد الله بن عباس]
واقترض بعيراً؛ فجاء صاحبه يتقاضاه – هناك نقطة مهمة جداً؛ سأوضحها لكم- كيف سمح الله لإنسان أن يقاضي النبي ويغلظ له بالقول؟! لأن الله عز وجل لولا أن هؤلاء الذين تسلفوا منه وأغلظوا له بالقول، لو لم يفعلوا ما ظهر كمال النبي، فالله عز وجل أراد أن يظهر كمال النبي، فهناك أشخاص سفهاء، وأشخاص عندهم غلظة ومطالبتهم قاسية، كل أنواع البشر عاملهم النبي عليه الصلاة والسلام، لو أن الله عز وجل جعل حول النبي أصحاباً محبين فقط، واحترام ما بعده احترام، وأدب ما بعده أدب، وهو قابلهم بكمال، لما ظهرت الفضائل الأخرى، لكن هناك فضائل لا تظهر بالكمال، يوجد فضائل لا تظهر إلا بالقسوة؛ إنسان طالبك بقسوة، إنسان أغلظ القول؛ الإنسان مادام محترماً احتراماً عالياً تلقاه لطيفاً، أما إذا تجاوز حده معه فيقطعه قطعاً، هكذا شأن الأقوياء؛ مادام هناك تأليه؛ مسرور، تؤلهه مسرور، تجاوزت حدك معه بكلمة يقطعك قطعاً.

حلم النبي صلى الله عليه و سلم :

أما النبي سيد الخلق وحبيب الحق هناك أشخاص تجاوزوا الحد معه، فما زاده هذا إلا حلما:ً

((اقترض بعيراً، فجاء صاحبه يتقاضاه، فأغلظ للنبي عليه الصلاة والسلام، فهمّ به أصحابه فقال: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً))
َ

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]

هذا مبدأ؛ مظلوم، عنده مشكلة، فله مقال؛ دعوه ليتكلم ليعبر عن حاجته، الإنسان إذا كان مظلوماً، وتكلم يرتاح، لا تمنعه من الكلام، لو منعته ينفجر، وهذا أساساً مبدأ بالمعالجة النفسية يسمونه البوح؛ أحياناً يأتي المريض يتكلم مع الطبيب، يرتاح؛ الطبيب ما فعل شيئاً، فقط أصغى له، أحياناً الواحد مع أولاده، مع أهله؛ يتكلمون؛ استمع، الكلام وحده علاج، إن لم تسمح لها بالكلام إطلاقاً ستنفجر، فهناك طريقة بالمعالجة النفسية؛ أن الطبيب النفسي يسمح للمريض أن يعبر عن مشكلته ليعرف أبعادها كلها، فكأن هذا التوتر انتشر، وهذا الضغط فرغه، والإنسان عندما يعبر عن مشكلته يرتاح، فقال :

((دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
أنا مرة، هناك صديق يعمل في الجامعة أستاذاً، فتفقدناه في الجامعة شهراً و لم نجده، وعندما جاء قلت له:أين أنت؟ قال لي: عندنا مؤتمر لرفع مستوى الإدارة. قلت له: هذا المؤتمر ما توصياته النهائية؟ قال لي: عجيب؛ أقصر توصية رأيتها في حياتي ألا يكون هناك حاجز بين الرئيس ومرؤوسيه - دائرة، مستشفى، مدرسة، معمل له، مدير عام و عمال لا يكون هناك حاجز بينهما- قلت له : عجيب؛ هذا قول سيدنا عمر، سيدنا عمر، أوصى أحد الولاة، قال له: “لا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم”.
إذا كان هناك حاجز فالإدارة سيئة جداً لأن الصغار يظلمون، والمظلوم لا يستطيع أن يصل للأعلى- لا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم - أما إذا أقل إنسان يستطيع أن يصل إلى مدير المعمل، فالذي له وظيفة عالية بالمعمل؛ الإنسان المظلوم له حق أن يقابل مدير المعمل، يشتكي عليه، يحسب، يعد للألف قبل أن يظلم هذا الموظف البسيط، أما إذا الطريق لمدير معمله غير سالك فيأخذ حريته:

((واشترى مرة شيئاً وليس عنده ثمنه، فأربح فيه فباعه، وتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب.))

[أَخرجه أبو داود عن عبد الله بن عباس]

هديه صلى الله عليه و سلم في وفاء الدين :
تقاضاه غريم له ديناً فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب، فقال:

((مه ياعمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر -أي أنت ما أصبت؛ مرني بحسن الأداء، ومره بالصبر-))

[رواه الطبراني عن عبد الله بن سلام]

((وباعه يهودي بيعاً إلى أجل؛ فجاء قبل الأجل يتقاضاه ثمنه، فقال لم يحل الأجل، فقال اليهودي إنكم لمطل يا بني عبد المطلب، فهم به أصحابه فنهاهم، فلم يزده ذلك إلا حلماً، فقال اليهودي: كل شيء منه قد عرفته من علامات النبوة؛ وبقيت واحدة وهي أنها لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، فأردت أن أعرفها، فأسلم اليهودي))

[صحيح عن عبد الله بن سلام]

أي اليهودي ليس له حق؛ استسلف النبي منه شيئاً لشهر، جاءه قبل شهر، قال له: الأجل لم يحن بعد، قال له: إنكم مطل يا بني عبد المطلب - أغلظ - فنهى أصحابه أن يفعلوا شيئاً، فقال اليهودي: كل شيء منه قد عرفته من علامات النبوة؛ وبقيت واحدة وهي أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، أردت أن أعرفها فأسلم.
ثلاث قصص؛ ثلاثة أشخاص تهجموا عليه، وتطاولوا عليه، وأغلظوا له في القول، فما زاده هذا إلا حلماً ووداعة وسلاماً.

مشية الرسول الكريم مشية أولي العزم والهمة والشجاعة :
وكان إذا مشى تكفأ تكفؤاً، وكان أسرع الناس مشية، وأحسنها، وأسكنها، قال أبو هريرة:

((ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله كأنما الأرض تطوى له، وإنا لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
كان رياضياً، مشيه فيه عزم وقوة وسرعة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا مشى تكفّأ تكَفُّؤا ، كأنما يَنحَطّ من صَبَب ))

[أخرجه رَزينَ عن علي ]
الإنسان إذا كان نازلاً من جبل يتكفأ تكفؤاً أي كل حركة من حركاته تعني القوة، وكان إذا مشى تقلع - قلت و التقلع: الارتفاع من الأرض بجملته، أي ليس شحطاً يشحط رجله - تقلع تقلعاً، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات، وأروحها للأعضاء، وأبعدها من مشية الهوج، والمهانة، والتماوت، وأبعدها من مشية الهوج، والمهانة والتماوت؛ تلقى إنساناً ماشياً كأنه ميت، أي مشيه مزر، وهناك مشية ذليل، و مشية هوج، مشيته لا مشية هوج، ولا ذل، و لا مهانة، ولا تماوت، فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيته، ويمشي قطعة واحدة، كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة؛ وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب، مشية الجمل الأهوج، وهي مشية مذمومة أيضاً، وهي دالة على خفة عقل صاحبها؛ ولاسيما إذا كان يكثر الالتفات، حال مشيه يميناً وشمالاً؛ وإما أن يمشي هوناً، وهي مشية عباد الرحمن:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً

[ سورة الفرقان:63]
كما وصفهم الله في كتابه، قال غير واحد من السلف: هوناً بسكينة ووقار من غير تكبر ولا تماوت، وهي مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبحان الله! الأدب ينعكس على المشي، ينعكس على الجلوس؛ تلقى جلسة فيها كبر، جلسة فيها قلة أدب، جلس على كنبة، على طرفها يجلس و يضطجع على آخر المسند صار مائلاً؛ يضع رجلاً فوق رجل؛ منظر وقح؛ جلسة فيها وقاحة، هناك جلسة فيها أدب؛ فالإنسان مشيه وجلوسه يعبر عن إيمانه - فإنه مع هذه المشية كأنه ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، حتى كأن الماشي معه يجهد نفسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم غير مكترث - غير مكترث ليس القصد أنه متكبر؛ لكن على تقدمه بالسن عليه الصلاة والسلام كان نشيطاً في مشيه وهذا يدل على أمرين: أن مشيته لم تكن مشية تماوت ولا مهانة، بل مشيته أعدل المشيات.

أنواع المشي :

والمشيات عشرة أنواع، هذه ثلاثة منها: مشية تماوت، ومشية هوج، ومشية هون؛ التي كان يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام لا مشية هوج ومهانة وتماوت. الرابعة: السعي، والخامسة: الرّمل، وهو أسرع المشي مع تقارب الخطا، الرمل ويسمى الخبب. وفي الصحيح من حديث ابن عمر:

((أن النبي صلى الله عليه وسلم خب في طوافه ثلاثاً، ومشى أربعاً))

[أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر]
الخبب أي هرولة خفيفة.
السادس: النّسلان، وهو العدو الخفيف، الذي لا يزعج الماشي، وفي بعض المسانيد:

((أن المشاة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشي في حجة الوداع؛ فقال: استعينوا بالنسلان))

[ الحاكم عن ابن عباس]
والسابع: الخَوْزَلَى، وهي مشية التمايل، وهي مشية يقال فيها: إن فيها تكسراً وتخنثاً – أي مشية نسائية، هناك رجل يمشي هذه المشية، يتمايل ويتكسر في أعضائه - والثامن: القهقرى؛ وهي المشية إلى الوراء، والتاسع: الجَمَزَى وهي مشية يثب فيها الماشي وثباً، والعاشر: مشية التبختر وهي مشية أولي العجب والتكبر، وهي التي خسف الله سبحانه بصاحبها لما نظر في عطفيه، فأعجبته نفسه، وأعدل هذه المشيات الهون والتكفؤ، أي فيها قوة وفيها وقار؛ التكفؤ فيها قوة، والهون فيها وقار، إذاً عندنا مشية الهوج، مشية المهانة، مشية التماوت، السعي، الرمل، النسلان، الخَوْزَلَى، القهقرى، الجمزى، التبختر؛ عشرة أنواع للمشي أعدلها؛ الهون والتكفؤ، التكفؤ فيها قوة، والهون فيها وقار، وهذه مشية النبي عليه الصلاة والسلام. أما مشيه مع أصحابه:

((فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: دعوا ظهري للملائكة))

[رواه أحمد عن جابر بن عبد الله]

ولهذا جاء في الحديث:

((وكان يسوق أصحابه، وكان يمشي خلفهم، وكان يماشي أصحابه، فرادى وجماعة،ومشى في بعض غزواته مرة، فدميت أصبعه، فقال:هَلْ أَنتِ إلا إصْبَعٌ دَميتِ وفي سبيل اللَّه ما لقيتِ))

[رواه الترمذي عن جندب بن سفيان البجلي]

(( وكان في السفر يسوق أصحابه أمامه، هو يسير خلفهم؛ يزجي الضعيف و يردفه، ويدعو لهم))

[ذكره أبو داود عن جابر بن عبد الله]
الماشي في الخلف يجب أن يخدم أصحابه؛ الضعيف أعانه، إن وجد حاجة أخذها؛ هذا من أخلاقه صلى الله عليه وسلم؛ هو كان في خدمتهم، يمشي خلفهم في خدمتهم.

والحمد لله رب العالمين
[/center]
[/font][/color][/size]