مقالات في السيرة النبوية(13)


(boualem_gh) #1

رحمة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالضعفة والمساكين



[FONT=Simplified Arabic][SIZE=3][COLOR=#000080]

[/color][/size][/font]لقد امتدت رحمته -صلى الله عليه وسلم- إلى الضعفاء والمساكين من نحو الصبيان، والخدم، واليتامى، والفقراء؛ فكان يجالسهم، ويلاطفهم، ويحنو عليهم، ويحسن إليهم، ويرفع من شأنهم، ويُحذِّرُ من ظلمهم؛ فكانوا يأوون إلى ظله الشريف، ويحتمون بِطِرافه السامي الذُّرا.
وأخباره -عليه الصلاة والسلام- في هذا الباب كثيرة متنوعة، وإليك طرفاً من ذلك فيما يلي:
1- رَفْعه من شأن الضعفاء وحثُّه على التخفيف عليهم: فعن حارثة بن وهب -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: “ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مُتَضعِّف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار كُلُّ عُتل جواظ مستكبر”.[1]
وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أنه قال: "مر رجل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لرجل عنده جالس: “ما رأيك في هذا؟” فقال رجل من أشراف الناس: هذا -والله- حريٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشَفَّع، قال: فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم مر رجل، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما رأيك في هذا”.
فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يُسْمَع لقوله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “هذا خير من ملء الأرض مثل هذا”.[2]
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: “احتجت الجنة والنار، فقالت النار: فِيَّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم؛ فقضى الله بينهما، إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها”.[3]
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء”.[4]
2- تفقده لأحوال الضعفاء، وسؤاله عنهم، ووفاؤه لهم: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد، أو شاباً، ففقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: “أفلا كنتم آذنتموني”.
قال: فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره، فقال: “دلوني على قبره” فدلوه فصلى عليها، ثم قال: “إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله -عز وجل- ينورها لهم بصلاتي عليهم”.[5]
فانظر كيف بلغت رحمته، ووفاؤه لهذه الجارية المحتقرة، أو هذا الشاب المحتقر؟
3- رأفتُه باليتيم، وبيانُه جزاءَ كافلِه: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة” وأشار مالك بالسبابة والوسطى"[6] ونحوه عن سهل عند البخاري[7].
4- حثه على القيام بشأن الأرملة والمسكين: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “الساعي على الأرملة، والمسكين كالمجاهد في سبيل الله”.
وأحسبه قال: “كالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر”.[8]
5- ذَمُّهُ الدعوةَ للطعام الذي منع منه الفقراء: فعن أبي هريرة أنه كان يقول: “بئس الطعام طعام الوليمة؛ يُدعى إليه الأغنياء، ويترك الفقراء”.[9]
6- رأفتُه بالبنات، وبيانُهُ فضلَ إعالتهن، والإحسان إليهن: فعن أنس ابن مالك-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وضم أصابعه”.[10]
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها، فَقَسَمَتْها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- فحدثته، فقال: “من ابتُليَ من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له ستراً من النار”.[11]
7- تحذيره من تضييع حقوق الضعفاء: فعن أبي شريح الخزاعي-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم، والمرأة”.[12]
8- رحمته بالمرضى إذا زارهم: فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: "اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعوده مع عبدالرحمن ابن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن مسعود -رضي الله عنهم- فبكى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما رأى القوم بكاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكوا، فقال: “ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم”.[13]
9- رحمته بالصغار، وبكاؤه عليهم: فعن أبي قتادة الحارث بن ربعي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها؛ فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه”.[14]
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قبَّل النبي -صلى الله عليه وسلم- الحسنَ بن علي -رضي الله عنهما- وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: “إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحداً” فنظر إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: “من لا يرحم لا يُرحم”.[15]
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: أتُقبِّلون صبيانكم؟ فقال: “نعم” قالوا: لكنا والله ما نُقبِّل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أَوَ أملك أن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة”.[16]
وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: "أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-رفع إليه ابن ابنته وهو في الموت، ففاضت عينا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله، قال: “هذه رحمة جعلها الله -تعالى- في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء”.[17]
وعن أنس-رضي الله عنه-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل على ابنه إبراهيم -رضي الله عنه- وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله، فقال: “يا ابن عوف، إنها رحمة” ثم أتبعها بأخرى، فقال: “إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون”.[18]
10- حثُّه على إكرام الخدم، والحشم: فعن المعرور بن سويد قال: "رأيت أبا ذر الغفاري -رضي الله عنه- وعليه حلةٌ، وعلى غلامه مثلُها، فسألته عن ذلك، فذكر أنه سابَّ رجلاً على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعيَّره بأمه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنك امرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم، وخولكم[19] جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم”.[20]
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين؛ فإنه ولي علاجه”.[21]
11- نهيه عن أذية الخدم: فعن سويد بن مقرن -رضي الله عنه- قال: “رأيتني سابع سبعة من بني مقرن مالنا خادم إلا واحدة لطمها أصغرنا، فأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أن نعتقها”.[22]
وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: “كفارته أن يعتقه”.[23]
كل ذلك أثر من آثار رحمته التي أودعها الله في نفسه الشريفة المباركة.

د. محمد بن إبراهيم الحمد



[1] أخرجه البخاري (4918) ومسلم (2853).

[2] أخرجه البخاري (5091).

[3] أخرجه مسلم (2846).

[4] أخرجه البخاري (703) ومسلم (467).

[5] أخرجه البخاري (1337) ومسلم (956).

[6] أخرجه مسلم (2983).

[7] البخاري (5304).

[8] أخرجه البخاري (5353) ومسلم (2982).

[9] أخرجه البخاري (5177) ومسلم (1432).

[10] أخرجه مسلم (2631).

[11] أخرجه البخاري (1418) ومسلم (2629 و 2630).

[12] أخرجه أحمد 2/439، والنسائي (9149) وابن ماجه (3678) والحاكم 1/63 و4/128، وقال: “صحيح الإسناد على شرط مسلم” ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الصحيحة (1015).

[13] أخرجه البخاري (1304) ومسلم (924).

[14] أخرجه البخاري (707).

[15] أخرجه البخاري (5997) ومسلم (2319).

[16] أخرجه البخاري (5998) ومسلم (2317).

[17] أخرجه البخاري (1282) ومسلم (923).

[18] أخرجه البخاري (1303) ومسلم (1315).

[19] الخوَل: الخدم، والحشم.

[20] أخرجه البخاري (2545) ومسلم (1661).

[21] أخرجه البخاري (2557) ومسلم (1663).

[22] أخرجه مسلم (1658).

[23] أخرجه مسلم (1659).


(المهندس) #2

جزاك الله خيرا اخي وان شاء الله المزيد من التقدم والابداع


(boualem_gh) #3

بارك الله فيك وشكرا على الدعم الذي تقدمه وان شاء الله نكون عند حسن الظن