من اسرار القران


(عنود) #1

من أسرار القرآن

‏د‏.‏ زغلـول النجـار‏
‏255‏ـ ب وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل‏*‏
‏ الحجر‏:85

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم سورة الحجر وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها تسع وتسعون‏(99)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الاشارة فيها الي اصحاب الحجر‏,‏ وهم قبيلة ثمود‏,‏ قوم نبي الله صالح‏-‏ علي نبينا وعليه من الله السلام‏-‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏,‏ هذا وقد سبق لنا استعراض سورة الحجر وما جاء بها من ركائز العقيدة والإشارات العلمية‏,‏ ونخص هذا المقال بومضة الإعجاز العلمي في الآية الخامسة والثمانين من هذه السورة المباركة والتي اتخذناها عنوانا للمقال‏.‏
من الدلالات العلمية للآية الكريمة
أولا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق‏…:‏
جاءت لفظة السماء في ثلاثمائة وعشرة مواضع من القرآن الكريم‏,‏ منها مائة وعشرون بالافراد‏(‏ السماء‏)…‏ ومائة وتسعون بالجمع‏(‏ السماوات‏).‏ كذلك جاءت الاشارة الي‏(‏ السماوات والأرض وما بينما‏)‏ في عشرين موضعا من تلك المواضع‏,‏ وجاء ذكر السحاب المسخر بين السماء والارض في موضع واحد‏(‏ الآية‏164‏ من سورة البقرة‏)‏ والتي تشير الي ان نطاق المناخ المحتوي علي السحب هو الفاصل بين الأرض والسماء وهو نطاق لا يتعدي سمكه‏16‏ كيلو مترا فوق خط الاستواء ويحوي اغلب مادة الغلاف الغازي للارض‏75%‏ بالكتلة وبناء علي ذلك فإن السماء في القرآن الكريم تشمل كل ما يحيط بالارض بدءا من نهاية نطاق المناخ الي نهاية الكون التي لا يعلمها الا الله تعالي‏,‏ وتشير ايات القرآن الكريم الي ان الله ـ سبحانه وتعالي ـ خلق سماء واحدة وأرضا واحدة‏,‏ ثم مايز كلا منهما إلي سبعة نطق متطابقة حول مركز واحد يغلف الخارج منها الداخل فيها بمعني أن يكون جميع ما في السماء الدنيا داخلا في باقي السماوات ولذلك قال عز من قائل‏:‏ الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله علي كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما‏(‏ الطلاق‏:12)‏
وقال‏-‏ تعالي‏:‏ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا
‏(‏ نوح‏:16,15).‏
وقال ـ سبحانه‏:‏ الذي خلق سبع سماوات طباقا ما تري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير‏,‏ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير
‏(‏الملك‏:3-5).‏
وجاء ذكر السماوات السبع في سبع آيات قرآنية كريمة‏,‏ ويشير هذا الكتاب العزيز إلي أن النجوم والكواكب هي من مميزات السماء الدنيا فقط وذلك بقول الحق تبارك وتعالي‏:‏
إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب‏(‏ الصافات‏:6)‏ وقوله ـ تعالي‏:‏ وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم‏(‏ فصلت‏:12).‏
وقوله‏-‏ سبحانه‏:‏ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح‏…(‏ الملك‏:5).‏
ويقدر علماء الفلك قطر الجزء المدرك من الكون بأكثر من خمسة وعشرين بليونا من السنين الضوئية‏(25‏ بليون‏*9,5‏ مليون مليون كم‏)‏ وهذا الجزء من السماء الدنيا دائم الاتساع إلي نهاية لا يعلمها الا الله تعالي‏,‏ وبسرعات لا يمكن للإنسان اللحاق بها وذلك لأن سرعة بعض المجرات عنا وعن بعضها البعض تقترب من ثلاثة أرباع سرعة الضوء المقدرة بحوالي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية‏.‏
وهذا الجزء المدرك من السماء الدنيا مبني بإحكام بالغ‏,‏ ودقة فائقة‏,‏ وعلي وتيرة واحدة‏,‏ تبدأ بتجمعات حول نجم من النجوم من مثل مجموعتنا الشمسية التي تضم عددا من الكواكب والكويكبات والأقمار والمذنبات التي يدور كل منها في مدار محدد له حول الشمس وتنطوي ملايين الملايين من هذه المجموعات في وحدات أكبر هي المجرات وتكون عشرات من المجرات المتقاربة ما يعرف باسم المجموعات المحلية وتلتقي المجموعات المحلية فيما يعرف باسم الحشود المجرية وتلتقي هذه في الحشود المجرية العظمي الي ما هو اكبر من ذلك حتي نهاية السماء الدنيا‏.‏
والحشد المحلي الأعظم الذي تنتسب اليه مجرتنا يضم مائة من الحشود المجرية علي هيئة قرص يبلغ قطره مائة مليون من السنين الضوئية‏,‏ وسمكه عشر ذلك‏,‏ وهي نفس النسبة بين طول قطر مجرتنا وسمكها وقد اكتشف مؤخرا حشد مجري عظيم آخر يبلغ طوله بليون ونصف البليون من السنين الضوئية‏,‏ وسمكه مائتي مليون سنة ضوئية‏.‏ وتدرس السماء الدنيا حاليا في شرائح تقدر أبعادها بحوالي‏(150‏ مليون‏100‏ مليون‏15‏ مليون سنة ضوئية‏),‏ ووصل طول إحدي هذه الشرائح الي‏(250‏ مليون سنة ضوئية‏).‏
ومجرتنا‏(‏ درب اللبانة‏)‏ عبارة عن قرص مفرطح يقدر قطره بمائة ألف سنة ضوئية‏,‏ وسمكه بعشر ذلك‏,‏ ويضم ما بين مائة بليون إلي تريليون نجم في مراحل مختلفة من العمر‏.‏ ومن المنطقي أن يكون لعدد من هذه النجوم توابع كما لشمسنا عدد من التوابع‏.‏ وتدور مجرتنا دورة كاملة حول مركزها في مدة تقدر بحوالي‏225‏ مليون سنة من سنيننا‏,‏ وهذا هو يومها‏.‏
وهذه الوحدات من اللبنات الأولية للمادة الي نهاية الجزء المدرك من الكون مرتبطة بعدد من القوي التي تعرف منها القوتان النوويتان الشديدة والضعيفة‏,‏ والقوة الكهرومغناطيسية‏,‏ وقوة الجاذبية‏,‏ والتي يري العديد من العلماء أنها صور متعددة لقوة واحدة يحاول العلماء الوصول اليها فيما يسمي باسم نظريات التوحيد الكبري أو الجاذبية العظمي وفي هذا السبيل تم اقتراح نظرية الخيوط العظمي التي تفترض ان اللبنات الاساسية للمادة تكون من خيوط طولية غاية في دقة السمك‏,‏ تلتف حول ذواتها‏,‏ فتبدو كما لو كانت نقاطا متناهية في الصغر‏.‏
أما الأرض فهي كوكب صخري‏,‏ شبه كروي‏,‏ يبلغ متوسط قطره‏(12,742‏ كم‏)‏ وكتلته حوالي‏(‏ ستة آلاف مليون مليون مليون طن‏),‏ ويتكون من سبعة نطق متطابقة حول مركز واحد هي علي النحو التالي‏:‏
‏1‏ـ قشرة الأرض‏(‏ الأرض الأولي‏).‏
‏2‏ـ ما دون القشرة‏(‏ الأرض الثانية‏).‏
‏3‏ـ نطاق الضعف الأرضي‏(‏ الأرض الثالثة‏).‏
‏4‏ـ الوشاح الأعلي‏(‏ الأرض الرابعة‏).‏
‏5‏ـ الوشاح الأسفل‏(‏ الأرض الخامسة‏).‏
‏6‏ـ اللب السائل‏(‏ الأرض السادسة‏).‏
‏7‏ـ اللب الصلب‏(‏ الأرض السابعة‏).‏
والأرض كوكب فريد في كثير من صفاته التي هيأها له الخالق سبحانه وتعالي ليجعله صالحا للحياة التي نعهدها عليه‏,‏ ومن ذلك أبعاده من ناحية الحجم‏,‏ ومتوسط الكثافة‏,‏ والكتلة‏,‏ والتركيب الداخلي‏,‏ والبنيات الخارجية‏,‏ ونطق الهواء‏,‏ والماء‏,‏ والحياة‏,‏ والصخور المحيطة به‏,‏ والعمليات الداخلية البانية والهادمة فيه‏,‏ والعمليات الخارجية المشكلة لسطحه‏,‏ ودورات الماء‏,‏ والهواء‏,‏ والصخور‏,‏ والحياة المستمرة من حوله‏,‏ كل ذلك وغيره من صفات الأرض التي نحيا عليها‏,‏ نموت وندفن في ترابها يتم حسب قوانين ثابتة منضبطة لا تتوقف‏,‏ ولا تتعطل‏,‏ ولا تتخلف إلي أن يشاء الله‏.‏
والبينية الفاصلة بين السماوات والارض تشير الي حقيقتين هامتين توصلت المعارف المكتسبة الي واحدة منهما‏,‏ ولن تستطيع أبدا إثبات الثانية‏.‏ والحقيقة الاولي هي ان الغلاف الغازي في نطاق الرجع‏(‏ نطاق المناخ والسحب‏)‏ ليس من الارض بالكامل ولا من السماء بالكامل‏,‏ ولكنه خليط من مادتي الارض والسماء‏,‏ تكون باندفاع كميات هائلة من غازات وأبخرة البراكين الارضية‏,‏ واختلاط هذه الغازات والابخرة بالمادة بين الكواكب فتكون هذا النطاق البيني‏,‏ وهي حقيقة لم يدكها العلماء الا في القرن العشرين أما الحقيقة الثانية فهي مركزية الارض من الكون‏,‏ وهي مما لا يستطيع الانسان اثباته لضخامة الكون وضآلة حجم الارض‏.‏ من هنا كانت الاشارة القرآنية الكريمة الي البينية الفاصلة بين السماء والارض في عشرين آية قرآنية كريمة بما فيها الآية التي نحن بصددها‏-‏ تأكيدا علي هذه المركزية التي لا يمكن للبينية ان تتحقق بدونها ولذلك قال تعالي‏:‏ وما خلقنا السـماوات والأرض وما بينهـما إلا بالحق‏…‏
ثانيا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ وإن الساعة لآتية‏…‏
تطلق الشمس من مختلف صور الطاقة ما يقدر بحوالي‏(‏ خمسمائة ألف مليون مليون مليون حصان‏)‏ في كل ثانية من ثواني عمرها‏,‏ وهذه الطاقة تقدر بما يعادل‏(4,6‏ مليون‏)‏ طنا من المادة‏,‏ ومعني هذا أن شمسنا ليست خالدة‏,‏ ولكنها في طريقها الي الفناء الحتمي باحترقها التدريجي مع الزمن واذا فنيت انتهي كل شئ علي الأرض وانتهت المجموعة الشمسية كلها وإن كنا نحن معشر المسلمين نؤمن بأن الساعة امر الهي بـ‏(‏ كن فيكون‏),‏ ولن تنتظر فناء الشمس باحتراقها بالكامل‏,‏ ولكن تأتي بغتة دون انتظار لحركة السنن الراهنة التي ابقاها الله ـ تعالي ـ شاهدة علي حتمية فناء الكون‏.‏
ولما كانت الشمس تفقد من كتلتها باستمرار‏,‏ فلابد أن تفقد الارض من كتلتها باستمرار كذلك قدرا موازيا ومتناسبا مع ما تفقده الشمس‏,‏ من اجل بقاء المسافة بينهما ثابتة‏,‏ وهي محكومة بكتلتي هذين الجرمين‏,‏ ويتحدد بواسطتها قدر الطاقة التي تصل من الشمس الي الارض‏,‏ فإن زادت احترق كل شئ‏,‏ وإن قلت تجمد كل شئ وعلي ذلك فقد قدر الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ أن تفقد الارض من كتلتها باستمرار عن طريق نشاطها البركاني قدرا متناسبا من الغازات والأبخرة والأتربة الدقيقة إلي فسحة السماء متفلتة من عقال جاذبية الأرض حتي تبقي الارض علي بعد ثابت من الشمس‏.‏
كذلك فقد ثبت بالقياس أن القمر يبتعد عن الارض بمعدل‏(3-4‏ سم‏)‏ في كل سنة مما يجزم بحتمية ابتلاع الشمس له‏,‏ وبداية تهدم مجموعتنا الشمسية‏,‏ إن لم يكن تهدم الكون كله‏.‏ والشمس لن تبتلع القمر بهذه السنة التي أبقاها الله ـ تعالي ـ شاهدا من الشواهد الحسية علي حتمية فناء الكون‏,‏ لأن الآخرة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا تماما‏,‏ وأنها لا تأتي الا بغتة بالأمر الالهي‏(‏ كن فيكون‏)‏ ولذلك قال ـ تعالي ـ‏(‏ وإن الساعة لآتية‏…)‏ وكل المعارف المكتسبة تؤكد علي حتمية تهدم النظام الكوني القائم‏,‏ وحتمية فنائه وذلك من أحق حقائق الوجود ولذلك قال تعالي وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية‏…‏
ثالثا‏:‏ في قوله ـ تعالي‏: (…‏ فاصفح الصفح الجميل‏):‏
يأمر ربنا تبارك وتعالي خاتم انبيائه ورسله صلي الله عليه وسلم أن يصفح الصفح الجميل عن الكفار والمشركين الذين كذبوا بعثته الشريفة في القديم والحديث‏,‏ وانكروا نبوته الخاتمة في زمانه ومن بعده‏,‏ وتطاولوا علي شخصه الكريم وهو إمام الانبياء وسيد المرسلين‏,‏ بل سيد ولد آدم أجمعين‏,‏ واتهموه ـ شرفه الله ـ بالشعر‏,‏ وبالسحر‏,‏ وبالكهانة‏,‏ والشعوذة‏,‏ وبالجنون‏,‏ وهم الذين وصفوه من قبل بالصادق الأمين‏,‏ وكذلك حال الناس عبر التاريخ ما أتاهم من رسول إلا استهزأوا به‏,‏ وسخروا منه‏,‏ وكذبوا دعوته علي الرغم من علمهم بما أصاب مكذبي أنبياء الله ورسله من الأمم السابقة من هلاك ودمار‏,‏ وحتي في زمن الفتن الذي نعيشه لم يسلم خاتم الانبياء والمرسلين وسيد الخلق اجمعين ـ صلي الله عليه وسلم ـ من غمز الشياطين‏,‏ وقد شرفه الله تعالي تشريفا لم ينله أحد من الناس‏,‏ من قبل ولا من بعد‏,‏ ووعده بالانتقام العاجل من كل مسئ إلي شخصه الكريم ولذلك وجه الخطاب إليه في ختام سورة الحجر بقوله ـ عز من قائل‏:‏ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين‏.‏ إنا كفيناك المستهزئين‏‏ الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون‏‏ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون‏‏ فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين‏‏ واعبد ربك حتي يأتيك اليقين‏*(‏ الحجر‏94-99)‏
وهذا تهديد شديد من الله ـ تعالي ـ ووعيد أكيد لكل من جعل مع الله معبودا آخر‏,‏ ولكل من آذي رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بكلمة نابية‏,‏ أو إشارة ساقطة‏,‏ أو رسم مهين‏.‏
والخطاب القرآني الي رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ خطاب إلي كل مؤمن برسالته الي يوم الدين‏,‏ والمتأمل للآيات في ختام سورة الحجر يري أنها كما ناسبت مقام الحال من قبل ألف وأربعمائة سنة فهي تنطبق علي احوال الناس في هذه الايام‏,‏ وكأن القرآن الكريم يتنزل علينا اليوم من جديد ليواجه احداثا وقعت بعد نزوله بأكثر من اربعة عشر قرنا ليثبت لكل ذي بصيرة انه كلام رب العالمين الذي لا تنتهي عجائبه‏,‏ ولا يخلق علي كثرة الرد‏.‏ فالحمد لله علي نعمة الاسلام‏,‏ والحمد له علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام‏-‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

منقوووول…

عن صحيفة الاهرام المصرية
28/1/2008

(I-ensan) #2

مشكورة اختي الكريمة وربنا يوفقك لما فيه الخير