الإرجــــــــــــــــــاف


(محب الخير) #1

بسم الله الرحمن الرحيم

[B]إن الحمدّ لله نحمدُه ونشكرُه ، ونتوبُ إليه ونستغفرُه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا
والصلاةُ والسلامُ على خيرِ الورى ، سيدِنا مُحمــــدٍ النبيِّ المُجتبــــى ، وعلى آلــِـــه الطيبين الطاهرين
ورضيّ اللهُ عن أصحــــــابِــــــه الأبــرارِ الصالحين ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين ، وبعـــــــد :

فإن الإرجـــــــــافَ ، موضــــوعٌ قد شُغـِـــلَ عنه المُحَـــــدِثـُــــــــــونَ ، فاشتغــــــلَ به المُحْدِثــــون
وإذا أردنـــا التعــــــرضَ لهـــــذا الموضـــــوع الخطيـــر ، فليس غيرَ كتابِ اللهِ عز وجل لنا من سبيل
قال ربُنا سبحانه { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا } ، فمَنْ هم المرجفـــــــــــون ، وما هو الإرجـــــــــافُ ؟

إذا تتبعنا المعنى اللُغويّ لمادة ( أرجفَّ ) ، فنبتدئُ ذلك من كتابِ ربِنا تبارك وتعالى
قال سبحانه { يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا } وقال سبحانه { [/b]يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ[B] }
قالَ بنُ كثيرٍ ـ رحمهُ اللهُ ـ في الأولى : أي تُـــزلـــزل ، والثانيةُ هي وصفٌ ليومِ القيـــامة
فالرجفانُ هو : الاضطرابُ الشديد ، والرّجافُ هو البحرُ : سُميّ به لكثرة اضطرابه ، كما حكاه القرطبيُّ ـ رحمهُ اللهُ ـ وقيل: تحريكُ القلوبِ ، يُقالُ: رجفتْ الأرضُ أي تحركت وتزلزلت ، ترجفُ رجفا ، وأرجفوا في الشيءِ : أي خاضوا فيه . والمُرجفونُ هُم : الذين يبتغـــــــونَ الفتنـــــةَ ويتلمسُونها بــــــأي سبيـــــــل
وقد كان قومٌ على عهدِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ـ قد خاضوا في لُججٍٍ من هذه الفتن
فمنهم قومٌ كانوا يخبرون المؤمنين بما يسوءهم من عدوهم، فيقولون ـ إذا خرجتْ سرايا رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ـ إنهم قد قـُـتلوا أو هُزموا، وإن العدو قد أتاكم.

ونجدُ مثالَ ذلك النوع من الإرجـــــــــافِ ، في آيات آخرى من القرآن الكريم كما في الآية الكريمة من قوله تبارك وتعالى { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } ، قالَ بنُ كثيرٍ ـ رحمهُ اللهُ ـ وَزُلْزِلُوا " خُوِّفُوا مِنْ الْأَعْدَاء زِلْزَالًا شَدِيدًا وَامْتُحِنُوا اِمْتِحَانًا عَظِيمًا .
فهذا التخويفُ من الأعداءِ للمسلمين وامتحانهم في يقينهم وثباتهم على الحق هو من الإرجـــــــــافِ .

ومثالٌ آخـــرَ في قوله عز وجلَّ { إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَار وَبَلَغَتْ الْقُلُوب الْحَنَاجِر وَتَظُنُّونَ بِاَللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله إِلَّا غُرُورًا } ففي هذه الحالةِ من الشدةِ والبأسِ التي يعيشها المسلمون نجدُ الصنفينَِ ( المنافين والذين في قلوبهم مرضٌ ) يثيرون الشكَ والريبةَ في نفوس المسلمين إضعافاً وتخويفاً بمثلِ قولِهُم الباطلِ ( ما وعدنا الله ورسولُه إلا غرورا ) ويكونُ فعلُهم هذا هو أيضاً من الإرجـــــــــافِ .
فالأولُ وسيلتُه التخويفُ من الأعداءِ لتثبيط العزيمة ، والثاني وسيلتُه بثُ الشك والريبةِ في نفوسِ المسلمينَ لإضعافهم أمام أعدائهم

وكذلك قيــــلَ : هم قومٌ كانوا يقولون: أصحابُ الصفة قومٌ عُزاب، فهم الذين يتعرضون للنساءِ ، وأن المرجفينَ قومٌ يتبعون النساءَ للريبة ، وهنا نعرفُ وجهاً أخر من وجوه الإرجـــــــــافِ القائمِ على إثارة الفتنةِ .
وفي هذا الوجه يقوم الإرجـــــــــافُعلى إثارة الشهواتِ لتكثرَ الفواحشُ والمعاصي في المسلمين.

ومن استقراءِ أقوالِ أهلِ التفسيرِ لهذهِ الآيةِ الكريمةِ { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا } نعرفُ أن الآيةَ الكريمةَ شملت فئاتٍ ثلاثةَ هي

1 ) المُنًــــــــافِـقـُـــــــــون : وهم الذين يبطنونً الكفرَ ويظهرونً الإيمانَ

2 ) الذين في قلوبهم مرضٌ : وهم الذين تنطوي قلوبهم على حب الشهوات ويواقعون الفواحشَ والمعاصي

3 ) المُـــــرْجِـفـُـــــــــــــون : وهم الذين يتلمســــون الفتنــــة ويبتغونها

وقد أجمعت التفاسيرُ على أن : الفئاتِ الثلاثةَ التي توعدها اللهُ عز وجل في هذه الآية ، هم على شيءٍ واحدٍ .
وعلى هذا فالمرجفونَ فيهمُ النفاقُ ، وفي قلوبهم مرضٌ ، والمنافقونَ في قلوبهم مرضٌ ويرجفونَ بالمسلمين
وقد اجتعمت الأصنافُ الثلاثة على شيء واحـــــــد هو الفتنـــــــــــة
فأما الذين في قلوبهم مرضٌ : ففتنتُهم في ضعفِ إيمانهم ، وإتباعهم شهواتِهم في الفواحـــــــش والمعاصـــــي
وأما المنافقون : فكارهون رافضون للإيمان ، حاقدون عليه وعلى المؤمنين ، فلا يتوانون عن أي فتنة تؤدي إلى تحقيق غايتهم في تضعيف الإيمان وهدم الدين .
وأما المرجفونَ : فقد جمعوا بين الفئتين ، فأخذوا من الأولى ضعف الإيمان والتورع عن المعاصي ، وأخذوا من الثانية إشاعة الفتن لتضعيف الإيمان ومحاربة الدين .

وقد عَرَّفَ القرطُبيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ الإرجـــــــــافَ بأنه : إشـــــاعــــــةُ الكــــذبِ والبــاطـــــلِ للاغتمـــــــــام به .
ومن هذا التعريف نركزُ على هدف الإرجـــــــــافِ وهو أن يغتمَّ المسلمون ويصيبَهم الحزنُ واليأسُ فتثبط عزيمتُهم ، وتضُعفَ قوتُهم .

ونجدُ التعريفَ الأشملَ لكلٍ من الغاية والوسيلة في الإرجـــــــــافِ هو تعريفُ حَبــرِ الأُمــةِ ـ رضيَّ اللهُ عنه ـ والذي حكاه القرطُبيُّ ـ رحمهُ اللهُ ـ في تفسيره فذكرَ: قَالَ اِبْنُ عَبَّاس : الإرجـــــــــافُ اِلْتِمَـــــــاسُ الْفِتْنَــــــــــــة

ويظهرُ من هذا التعريفِ على سهولته وبساطته : خطـــــورةُ الإرجـــــــــافِ
فالفتنة كما وصفَها ربُنا تبارك وتعالى هي أشــــــدُ من القتــــل
ويكونُ الإرجـــــــــافُ هو وسيلــة هذه الفتنـــــــةِ وآداتُهــــا

ومما تقـــــــــدمً يتضـــــــحُ لنــــا أن للإرجـــــــــافِ طــــرفيـــــــــن

الأول هـــــــو : المُرْجِفُونً ، ووصفُ هؤلاء هو النفاقُ ومرضُ القلب

والثاني هــــو : المُستهدَفـُـــــــــــــون بـــــــــه من المــــؤمنيـــــــن

والغايــــةُ منه : هي إضعـــــــافُ الدِيـــــــن وتقويــــــضُ الإيمـــــان

والوسيلةُ فيه : هي الفتنــــــــــــــــــــــةُ بأشـــــــكالهــــــــــــــــــــا

ويتمُ ذلكَ بإشاعةِ الخوفِ والفزعِ من الأعداءِ ، وتثبيطِ الهمةِ والعزيمةِ في نفوسِ المسلمين ، وتحريكِ الشهواتِ وترويجِِ الفواحشِ والمعاصي ، وبثِ الشكِ والريبةِ فيما بينهم بعضِهم البعضِ أو في آحادِهم فيما يتصلُ بدينه واعتقادِه ، ويكونُ ذلكَ بتناقلِ ونشرِ الشائعاتِ والأخبارِ سواءٍ الكاذبةِ أو الصادقةِ التي من شأنها إضعافُ اليقين في النفوس .
فما من شكٍ أن قوةَ المسلمين تكمنُ في قوةِ اليقينِ فيهم أنفسِهم .
وإن زعزعةً هذا اليقين في نفوسِ المسلمين وخلخلةَ الثقةِ بداخلهم وتثبيطَ العزائمِ ، وقتلَ روحِ الإقبالِ والتوكلِ على الله ومن ثَمّ إحداثُ اليأسِ والحزنِ والقعودِ عن العملِ ، بالإرهاب النفسي ، أو بتشويه الثوابت ، أو بث الشك والريبة ، أو تحريك الشهوات ، يضمنُ لهؤلاء المرجفين تزكيةَ المرض في قلوبهم ، ويحققُ مآربَهم في إضعافِ الدين الذي يبطنون بغضَه وكُرهَهُ .

ونتذكرُ الآن نماذجَ من الإرجـــــــــافِ على عهدِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم

فأما النموذجُ الأولُ ، فكان في أيام الإسلامِ الأولى ، حين أبطـــأ الوحــــيُ عن رســــولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
هنالك فرحت قريشٌ والمشركونَ بذلك فرحاً شديداً وقد تناقلوا القولَ ( قلاهُ ربُه ) بينهم مُعيرينَ وشامتين في الإسلامِ والمسلمينَ ، كمحاولـــــةٍ لتثبيطِ المؤمنين وفضِــــهم من حـــــولِ رســــولِ اللهِ صلـــى اللهُ عليه وسلم .

وأما الثاني : ففي غزوة أُحـــدٍ لما أُشِيعَ أن رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ قد قُتِلَ ، فقعدَ بعضُ المؤمنين عن القتالِ ، ونعلمُ خبرَ الصحابيِّ الجليلِ أنس بن النضر ـ رضوانُ اللهِ عليه ـ لمّا مر بهؤلاءِ النفرِ الذين بلغَ منهمُ اليأسُ والقنوطُ منتهاه بتلك الإشاعةِ عن موتِ رسولِ الله صلى الله ُ عليه وسلم ، حتى إنهم قعدوا واثاقلوا إلى الأرضِ زُهداً في الجهادِ ، فقال لهم قولته المأثورة : ما تصنعون بالحياة بعده ‏؟‏!
قومـــــوا فموتـــــــوا على ما مات عليه رســــــولُ اللهِ صلـــى اللهُ عليه وسلم.
ثم قال‏:‏ اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المشركين.

وأما الثالثُ فكان في حديثِ الإفكِ ، ولا يحتاجُ بيانُ الإرجـــــــــافِ في هذا الحديث كثيرَ قولٍ ، فيكفي أن نذكرَ أن الذي تولى هذا الإفكَ هو رأسُ المنافقين بنُ سَلول ، وأن الحديثَ كان في فتنةِ النساءِ ، وقامَ على الأخبارِ والشائعاتِ ، وأنه أصابَ المسلمينَ بغمٍ وحُزنٍ شديدين ، وأن في ذلك فتنةً ينغمسُ بها مَنْ قلَّ علمُهُ وورعُه وزادَ مرضُه وحقدُه.

وإذا انتقلنا إلى بعضِ مظاهرِ الإرجـــــــــافِ في حياتنا المعاصرة ، سيما في هذا المجتمع الذي نعيشُ فيه مجتمع الإنترنت ، فيجبُ علينا أولاً أن نتذكر أمرينَ مُهمين .

الأولُ هو : خصـــائـــــــــــصُ هــــــذا المجتمــــــع

فهو يتجاوزُ حدودَ النشرِ العادية والمقيدة في جريدةٍ محدودةٍ بمكانٍ معينٍ لأناسٍ مُحددين ، أو محطةٍ إذاعيةٍ أو تلفازيةٍ ، إن لم تكن مقيدةُ بمكانٍ فالخبرُ فيها مقيدٌ بزمنِ عرضٍ محدودٍ ، أو مقيدةٍ بتحديد هويةِ الناشرِ ومن ثمَّ المسؤلية ، وأخيراً فهذه الوسائلُ محدودةٌ بقدرةِ أشخاصٍ مُعينين مُحددين على استخدامها دون أناسٍ كثيرين في حين أن الإنترنت تتيح هذه القدرة لكل شخص وأي فرد في أي مكان.

تتجاوزُ الإنترنت كلَ هذه القيودَ ، وتمتازُ فوق ذلك بأنها أرشيفٌ دائمٌ يمكنُ مراجعته في أي وقتٍ ، وأنها أسهلُ وأسرعُ وسيلةٍ لنشر الأخبارِ والشائعاتِ دون تحديدِ مسؤلية ، لجميعِ الهيئات وآحادِ الأفرادِ .

الأمرُ الثاني : هو وسيلة إحداث الفتن
بتناقلِ الأخبارِ والشائعاتِ التي من شأنِها في العمومِ أن تفتنَ المسلمينَ في أنفسِهم بالشهواتِ والشبهاتِ ، أو فيما بينهم بعضهم البعض ، أو تفتنهم عن عدوهم .
إذا تذكرنا هذين الأمرينِ جيداً ، أدركنا من فورنا أن مجتمـــعََ الإنترنت هو المجتمعُ الأخصبُ للإرجـــــــــافِ.

ومن نمــــــــاذجِ الإرجـــــــــافِ في هــــذا المجتمــــعِ :

الأولُ : نشـــرُ أخبــــــارِ المنتكسينَ والمتساقطينِ من العاملينَ في حقلِ الدعوةِ إلى اللهِ داخلَ هذا المجتمع

وهو النموذجُ الأشهرُ ، وهذا المجتمع هو الوسيلة التي أتاحت للآحادِ منفذاً يمارسونَ فيه الدعوةَ إلى اللهِ
ولا غــــــرو أن نجدَ فـــــــي هذا الكـــــــمِ الغفيـــــــرِ مَــــنْ يسقطــــــونَ في المعاصـــــــي والشبهاتِ .
فإذا ما سقطَ أحدُ الدُعاةِ في هذا المجتمع ، ترى أعداءَ الإسلامِ يُهللونَ ويُذيعونَ في كلِ ملاءٍ وحدبٍ أنباءَ
هذا السقوطِ ، وينفخون فيه من أحقادِهم وأضغــانِ قلوبِهم على الإسلامِ والمسلمين .
ولكن كيــــدَ أؤلئكَ ضعيف ، فهم من حــــزبِ الشيطانِ ، وكيـــدُ الشيطان ضـــــعيف.
وعندما تكونُ الهجمــة من عــدوٍ صريح ، فذاك سبب في رؤية الحـق أيضا صريح .
وإذا رأينا الحــــق واضحـــًا في هذا الذي انتكس ، لم يضـــــرنا فعــــلُ الحاقديــــن .
وإن الـــدين لا يقــــوم بهمة أحدهــــم ولن يضيــــعَ بسقــــوط بعضِهم أو جميعِهـم .
فإن سقطوا جميعاً فهو الاستبدالُ { وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } { وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .

أما بعضُ الناسِ من المسلمين الذين يتصدون لهذه الأمور وهم على غير ورع أو علمٍ ، فإنهم يـُـــــــرجفـــــــون
فإن أحدَهم إذا سمع عن سقوطِ واحدٍ من العاملين في مجالِ الدعوةِ إلى الله في مجتمع الإنترنت ، فإنه يقعُ أولَ ما يقعُ في حيرةٍ ومتاهةٍ من أمره . فمن ناحيةٍ : يؤثرُ السكوت وعدم فضح هذا الذي سقط إيثاراُ للسترِ وخوفاً من عقوبة أن يتتبــــع عـــــورة أخيه ، ومن ناحية : تؤرقه أفكارُه : كيف يتركُ هذا الشخصَ مستغلاً فصاحته وبعضَ ما أوتي من بيانٍ أو علمٍ مخادعاً كلَ الناسِ عن حقيقته الخبيثة التي لا تتورع عن انتهاك حُرماتِ الله في الخلوات
وتستبد به هذه الحيرة ، فيتخبط في تصرفاته ، فتارة يشير على أخر ، فيحكي له ما تنامى إليه ، والأخرُ يحكي لثالثٍ رغم أن الأولَ قد استحلفه وهو بدوره سيستحلفُ الثالثَ الذي بدوره لن يقبلَ إلا أن يُقسمّ له الرابعُ قبل أن يشيرَ عليه . ثم بعد فترة يقررون اتخاذَ خطوةٍ عمليةٍ فتكون خبطات الخبل .
فيُحذرون من مجهولٍ يدعون أنهم يمسكون عن ذكر اسمه أو وصفهِ أو فعلِه بحُجةِ أن أخلاقَهم تمنعُهم من الخوضِ في هذه الأمور ، لكنهم لا يسكتونَ عن البلبلةِ والتشكيكِ في شخصٍ مجهولٍ كلُ صفتِه أنه مُحدثٌ شهيرٌ أو محاورٌ خبيرٌ أو كاتبٌ كبير، يقولُ قالَ اللهُ وقالَ الرسولُ ، مستغلين تفهُمَ الناسِ لحُجَتِهم التي تمنعُهم عن الإفصاح ، فلا يكون ذلك تحذير ، بل يصبح تشكيكاً وبثَ ريبةٍ وتخصيبَ تربةِ الظنونِ وتشويهاً وتجريح
إنهم بذلك قد زجوا الجميعَ دونهم من الناسِ في يَمٍّ من الظنونِ وغياهبَ من الشكوكِ ، فيكونُ الباقون جميعا كالأعمى المُنخدعِ عن حقائقِ من أحبَهم في الله ، يفقدون ثقتهم ربما بكلِ المشتغلينَ بالدعـــــوةِ إلى الله في هــــــذا المجتمـــــــع ، وقد يُصابون هم أنفسُهم بانتكاسةٍ وتملاءُ نفوسَهم كآبةٌ كلُجةٍ مظلمةٍ عن الالتزام والملتزمين ، مع سهولةِ فكــــرةِ التعميمِ حينما يعجــــــــــزونَ عن تحــــــديدِ المتساقطينَ تحــــــديداً قاطعـــاً .
فالمُرجِفونَ لم يمنحوهم هذا الطوقَ ليروا به حقائقَ الأمورِ ، كما لم يتركُـــــوهم بصفـــاءِ فطـــرتهم يهنــــأون .
ولأن السقوطَ هنا متصلٌ بمعصيةٍ ، فالمعصيةُ لها شهوةٌ أوقعت صاحبَها الذي كان داعياً ، ثمّ هي كذلك تنخـــرُ في تــــورعِ الجميــــــع عن الخــــــوضِ في هـــــــذه الفتــــنِ ، فيسقـــطُ تـــورُعُـــهم أمامهـــا أو يصمُـــــــد .
ولو تدبرَ المُرجفون قليلاً فاستشاروا أهلَ العلمِ ، أو حتى تثبتوا تثبيتاً حقيقياً لا يدعُ مجالاً لشكٍ في سقوطِ المتساقطين ، ثم واجهوهم ونصحوا لهم ، فإما رأوا أماراتِ توبتِهم أو رأوا عنادَهم وإصرارَهم على المعصية ، لاستبانَ لهم التصرفُ الرشيدُ .

الثاني : إيقاعُ الفتنةِ في نفوسِ المسلمينَ بتهويلِ وتغييرِ حقائقَ أهلِ العلمِ والفضلِ من العلماءِ

وهو النموذج الأشهرُ والأخطرُ
ولن يجد مبتغي فتنةٍ أفضلَ من هذا المجتمع ليفعلَ فَعلته الشنعاء ، ككثير من المواقعِ المشهورةِ في هذا الحقلِ
وكثيرٍ مِمَنْ ينسبونَ أنفسَهم إلى طلبِ العلمِ .
ومع إمكاناتِ هذا العصرِ من منتجات الحاسوبِ فإن صناعـــــة الدليــــــــل أصبحت أسهـــــلَ من البحـــثِ عنه .
فبدلاً من البحثِ عن صورةِ عالمٍ أو حديثٍ بصوته ، فأسهلُ من ذلك وضعُ الصورة في إطارٍ معينٍ ومكانٍ معينٍ أو تكوينُ حديثٍ صوتي لم يقله أو إخــــراجُ قــــولــــِـه عن مضمونه أو استــــــــراقُ نصٍ محددٍ من مكانٍ معينٍ .
ثم ينشرُ ذلك محاولاً تخطيءَ هذا العالمِ أو ذاكَ ، أو يحاولُ تحسينَ صورةَ شيخه ، فيهاجمُ مخالفي شيخِه من العلماءِ ، فيوقعُ فتنةً في أوساطٍ كثيرة ، ويشغلُ الناسَ بخبالاتٍ كان منشؤها تعصبٌ منه مع أو ضد أحدٍ من الشيوخِ ، أو لحاجةٍ تنطــوي عليها نفسُه .

الثالث : نقلُ وإشاعةُ الأخبارِ عن أعداءِ المسلمينَ

سواء كاذبة كانت أو صادقة بهدفِ إيقاعِ الخوفِ في نفوسِ المسلمين وإصابةِ قلوبِهم بسهامِ الهَمِ والحُزن وضربِ عزيمتهم بمطارقِ اليأسِ .

وقد يظنُ البعض أن الأخبارَ الصادقةَ عن أعداءِ المسلمينَ تُستثنى ، ولكن ذلك ليسَ صحيحٌ إذا كان الهدفُ من النقلِ والنشرِ في هذه الحالةِ هو التهليلُ لأعداءِ الإسلامِ مع إيقاعِ الحَنقِ والكرَاهةِ لحالِ المسلمين بما يؤدي إلى تثبيطِ عزيمتهم أو الترويجِ لعدوهم . كما حدثَ في حربِ لبنانَ الأخيرةِ من تضليلِ العوامِ وخداعِهم عن حقيقةِ أعداءِ الإسلامِ من الروافض .
ففرقٌ بين التحذيرِ لاستنهاضِ الهِمَمِ من باب ( وأعـــــدوا لهم ) وبين الترويـــــجِ للعــــــدو وتخويفِ المسلمين

الرابعُ : نشرُ الأخبارِ غيرُ الصحيحةِ بإدعاءِ التحققِ من صحتها

فكثيراً ما نرى البعضَ ينشرُ أخباراً تسوءُ المؤمنين الصادقين ، وتصيبهم بحزنٍ وألمٍ مما يأخذُ من تفكيرهم وطاقاتِهم ، كأن يعلن أحدهم موضوعاً عن تحولِ مُسلمٍ عن دينِه هنا أو هناك مجهولِ الهويةِ ولا سبيلَ للقارئ بالتثبتِ ، ثم يزعمُ الناشرُ أنه ما نشرَ ذلك إلا ليتأكدَ .

هذه هي بعضُ مظاهرِ الإرجـــــــــافِ في هذا المجتمعِ ، مجتمع الإنترنت.

وحُكمُ الإرجـــــــــافِ هو التحـــــــريمُ ، قال القرطُبيَُ ـ رحمهُ اللهُ ـ الإرجـــــــــافُ حَـــــــــــــرَامٌ , لِأَنَّ فِيهِ إِذَايَة . فَـــدَلَّتْ الْآيَــــــة عَلَـــــى تَحْرِيــــــــــــم الْإِيـــــــــــــــذَاءِ بـــــــــــالإرجـــــــــــافِ .

على أنه يجدرُ بنا أن نذكرَ عظيمَ فضلِ اللهِ علينا ، لمّا شـــــرعَ لنا من الدين ما يعصمُنا من هـــلاكِ هذه الفتـــــن
قال سبحانه وتعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } { وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ }

وعن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ بن العاص ـ رضيَّ اللهُ عنهما ـ قال : بينما نحنُ حولَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ، إذ ذكرَالفتنةَ، فقالَ : إذا رأيتُم الناسَ قد مرجتْ عهودُهُم ، وخفتْ أماناتُهم وكانوا هكذا وشَبّكَ بينَ أصابِعه ، قالَ : فقمتُ إليه فقلتُ : كيف أفعلُ عندَ ذلك ! جعلني الله فدِاك ؟ قال : الـــزمْ بيتَك ، واملكْ عليكَ لسَانك ، وخــــذْ بما تعرفُ ودعْ ما تُنكــــرُ ،وعليكَ بأمــــرِ خاصةِ نفسِك ، ودعْ عنكَ أمـــرَ العامةِ .

اللهُــــم توفنا إليك مؤمنين ، غيــــرَ ضالين ولا مُضلين ، والحمــــدُ للهِ ربِ العالمين[/b]


(ابوعبدالله احمد) #2

[CENTER][SIZE=5][FONT=Lucida Sans Unicode][B][COLOR=#0000ff](الثالث : نقلُ وإشاعةُ الأخبارِ عن أعداءِ المسلمينَ

[/color]سواء كاذبة كانت أو صادقة بهدفِ إيقاعِ الخوفِ في نفوسِ المسلمين وإصابةِ قلوبِهم بسهامِ الهَمِ والحُزن وضربِ عزيمتهم بمطارقِ اليأسِ .[/b][/font][/size]

وقد يظنُ البعض أن الأخبارَ الصادقةَ عن أعداءِ المسلمينَ تُستثنى ، ولكن ذلك ليسَ صحيحٌ إذا كان الهدفُ من النقلِ والنشرِ في هذه الحالةِ هو التهليلُ لأعداءِ الإسلامِ مع إيقاعِ الحَنقِ والكرَاهةِ لحالِ المسلمين بما يؤدي إلى تثبيطِ عزيمتهم أو الترويجِ لعدوهم . كما حدثَ في حربِ لبنانَ الأخيرةِ من تضليلِ العوامِ وخداعِهم عن حقيقةِ أعداءِ الإسلامِ من الروافض .
ففرقٌ بين التحذيرِ لاستنهاضِ الهِمَمِ من باب ( وأعـــــدوا لهم ) وبين الترويـــــجِ للعــــــدو وتخويفِ المسلمين)

جزاك الله خيرا …وقريبا سنبين أحوال الروافض وبعض من أحوال هذه الفرق الضالة المضلة كالخوارج والباطنية وغيرها…بأذن الله
[/center]


(محب الخير) #3

وجزاك الله خيرا أبا عبد الله

أنتظر بيانك لهذه الفرق وخاصة الروافض ، فضح الله ضلالهم أجمعين ، وهدانا وإياك إلى سواء الصراط المستقيم