التخطيط وصناعة المستقبل


#1


جريدة الرياض اليومية

وجهة نظر

التخطيط وصناعة المستقبل

م- صالح العشيش
المنصب القيادي في أي موقع سواء كان هذا الموقع يقع في القطاع العام أو القطاع الخاص وسواء كان المنصب إدارياً بحتاً أو إدارياً فنياً، فإن المنصب القيادي هو منصب سياسي بالمعنى الشامل وليس بالتعريف الضيق المعروف.
إن من أولى أولويات مثل هذه المناصب العليا حين تسنمها هو التخطيط ووضع أطر للسياسات العامة للمؤسسة والبرامج المحددة بناءً على التخطيط بشقيه الاستراتيجي والتكتيكي.
من هنا لا بد لمن يقع عليه الاختيار لهذا المنصب القيادي أو ذاك أن يكون من ضمن قدراته الشخصية وجود نزعة للتخطيط تتمثل في وجود أهداف محددة يخطط لتحقيقها خلال فترة زمنية معينة، أي الإجابة على السؤال المحوري “أين يريد أن يصل بالمؤسسة أو المنشأة خلال فترة زمنية معلومة؟!”، وهي مدة قد تكون محكومة بسنوات محددة ضمن النظام العام للمؤسسة، وهذا يتطلب وجود قدرة على القراءة الفاحصة والمتعمقة والمستنيرة لطبيعة التحولات التي جرت في الماضي والحراك الجاري في الحاضر والذي بموجبه تتشكل ملامح المستقبل مع استشراف لما هو قادم من اتجاهات وتوجهات على ضوء المعلومات والمعطيات المتوافرة آنيا.
التخطيط يبدأ بوضع وصياغة الأهداف العليا للمؤسسة أو المنشأة والتي يأمل بل يفترض أن يعمل المسؤول القيادي على تحقيقها كي يصل بالمؤسسة من خلال التخطيط للوصول إلى تلك الأهداف وتحقيق ما يصبو إليه وتبوأ المنصب من أجله ضمن مدة زمنية محددة، وهذا يتطلب وضع خطط استراتيجية وتكتيكية لبلوغ هذه الأهداف مع وضع البرامج الزمنية الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف ضمن المدة الزمنية المعينة. إذا التخطيط هو تحليل للاتجاهات المستقبلية على ضوء المعلومات والمعطيات المتوافرة في الوقت الحاضر لأخذ الاستعدادات، وتوفير الإمكانات، واتخاذ القرارات والإجراءات المناسبة التي تؤدي إلى اغتنام الفرص واستثمار الظروف من أجل الحصول على أعلى مردود وأقل تكلفة ممكنة، مع أخذ نزعة الأمور في الماضي لاستقراء طبيعة وحجم هذه الاتجاهات في المستقبل وبالتالي تحقيق الأهداف والوصول إلى الغايات.
للتخطيط كما أشير لذلك في المقال الأول شقان هما الاستراتيجي: وهو وضع الخطط الشاملة لتحقيق الأهداف لكامل المدة الزمنية المتاحة. أما التخطيط التكتيكي (التنظيمي): فهو تخطيط قصير أو متوسط الأجل وينبني على تقسيم التخطيط الاستراتيجي إلى مجموعة خطط مرحلية تتماشى مع الظروف والواقع الُمعاش وُيجرى لها التعديل والتكييف وفق المستجدات لمواصلة المسير، وهذه الخطط في مجموعها تشكل التخطيط الاستراتيجي وآلية تحقيقه.
يقول المثل الغربي: “إذا أخفقت في أن تخطط، فقد خططت للإخفاق”، هذا المثل يبين بعبارة موجزة وأسلوب بليغ أهمية التخطيط في صناعة المستقبل، لأن التخطيط هو النشاط الذي يجب أن يكون المبتدأ ويتقدم كل النشاطات الأخرى وينبغي أن يكون كذلك دائما ، فهو يشكل الأساس الذي سوف يقوم عليه العمل والخارطة التي يسير عليها، والأداة التي يقاس عليها حجم الإنجاز وتوقيته ومدته، ومن دون التخطيط يكون العمل عرضة للارتجال في التنفيذ وانفلات في التوقيت وهذا يفضي إلى تذبذب في السياسات وتضارب في القرارات وتقلّب في الأداء مما يؤدي إلى نتائج مربكة ومفاجآت غير محسوبة تبعد هذه النتائج عن الأهداف وربما تفقدها مما يصُعب معه الاستدراك. تتضح أهمية التخطيط وتزداد الحاجة إليه مع توالي الأيام وتصرّم الأعوام حيث إن معظم الموارد غير متجددة فهي إلى نضوب، والمنافسة الشرسة إلى صعود، والمتغيرات إلى مزيد من الحدة والتعقيد، كل هذا يجعل من التخطيط وسيلة فعّالة للتغلب على تلك المحددات وتجاوز تأثيرها أو في أقل تقدير الحد منها والالتفاف حولها.
فالتخطيط يحدد الُمدخلات بالكم والكيف ويرسم ماهية الُمخرجات، كما أنه يساعد على التنبؤ بما قد يطرأ ووضع الحلول لها قبل وقوعها، ويحقق مبدأ الرقابة والمتابعة، أي أن التخطيط يضبط إيقاعات العمل وفق خطة مرسومة تساعد على مد أجل الموارد بُحسن إعداد توظيفها، واستدامة المنجزات بُحسن إعداد طرق المحافظة عليها.