الفنان التشكيلي أيمن طاهر يحول منزله إلى لوحة فنية


#1

الفنان التشكيلي أيمن طاهر يحول منزله إلى لوحة فنية

رشح لجائزة «أغاخان» المعمارية ويضم فكر 3 أجيال



القاهرة: رانيا سعد الدين

يعكس منزل الفنان التشكيلي المصري أيمن طاهر، كثيرا من شخصية صاحبه، حيث اختار إحدى الضواحي الهادئة بمدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة) لإقامته بعيدا عن ضوضاء وتلوث القاهرة، فعلى مساحة 800 متر يرتفع المنزل المكون من طابقين وسط كتلة من الحدائق الخضراء التي تتخلل أيضا أروقته الداخلية.

بنظرة عميقة للمنزل، نجده محطة للإبداع، تتناسق مفرداته وفق دراسة متزنة، حيث تجذبك ديكوراته ومحتوياته، والبساطة المتناثرة في الأركان، ودقة التفاصيل وليس كثرتها، وتوزيع الأثاث الذي يضفي طابعا من الحميمية. وهذا في حد ذاته يشحن حواس الزائر بتأثيرات جمالية مريحة للنفس، ويعطي انطباعا عن ذوق وشخصية أصحابه على أنهم من هواة القطع القديمة، وأصحاب رؤية في توزيع التفاصيل واستدعاء أرقى عناصر البساطة والعذوبة، إضافة إلى اللمسات الشخصية مثل قطعة خشب قديمة متمثلة في «مدفأة»، أو «زير» فخاري، أو بعض عروق الخشب في الأسقف.

كما يتزين المنزل بلوحات والد صاحب المنزل الفنان الراحل صلاح طاهر، أحد العلامات البارزة في تاريخ الفن التشكيلي في مصر، التي تصطف بجوار لوحات ابنه وحفيده، مما جعل المنزل أشبه بمعرض فني، لكن مضياف وحميمي بفضل خصوصية أفكاره وجمالياته.

يقول صاحب المنزل الفنان أيمن طاهر: «قبل 8 سنوات طلبت من الصديقين رامي الدهان وسهير فريد، وهما من مصممي الديكور المتميزين، تولي مهمة بناء المنزل والإشراف على تصميمه الداخلي. ولأنهما زوجان في الأصل فقد كان التفاهم بينهما واضحا في كل ركن قاما بالإشراف عليه، وبروح الصداقة دار بيننا كثير من الحوارات والنقاشات، فكان لهذا أثر واضح، كانت نتيجته خروج المكان بصورته النهائية كما تمنيت». ويتابع: «كانت أفكاري وقت التنفيذ كثيرة، والسبب أنني من عشاق السفر، فقد زرت كثيرا من الدول العربية والغربية ورأيت كثيرا من المباني والبيوت التي شحنت فكري بكثير من الصور عما سيكون عليه منزلي الجديد ولكن بما يتناسب مع شخصيتي، والجدير بالذكر أن المنزل رشح هذا العام لجائزة (أغاخان) المعمارية». ويضيف: «منزلي لا يمثل طرازا بعينه في الديكور، ولكني أجده يحقق خلطة ناجحة من عدة طرز مختلفة مع الحفاظ على الوحدة واللون والنسب، ونصيحة إلى كل صاحب منزل يريد أن يجد راحته داخله ويشعر بفخامته وأناقته أن يكون المنزل معبرا عن شخصيته، فبرأيي أن الاستعانة بمهندس ديكور، نطلب منه تصميم ديكور يلائم الموضة يعد خطأ كبيرا، فمهندس الديكور الناجح هو الذي يصمم المنزل بما يتطابق مع شخصية أصحابه وأفكارهم».

من اللحظة الأولى التي نبدأ فيها جولتنا في هذا البيت نكشف أنه حميمي يدعوك إلى التواصل مع محتوياته الحافلة بتفاصيل الحياة. فهناك تحف تتناثر في أرجائه وتربض فوق طاولاته، وتعلو جدرانه اللوحات المختارة بعناية، وتزخر أرضه بالوسائد والسجاد، أما الألوان التي اعتمدها في المفروشات والإكسسوارات فهي ذات طابع عصري، تتناغم مع الأخشاب والمرايا المستقرة على الجدران.

ولأن عشق الألوان من طبع صاحب المنزل وتدخل في صلب عمله، فإن الأبيض والبيج بالإضافة إلى الألوان الترابية لعبت أدوار البطولة الأولى في المكان، مع الحفاظ على لون واحد للحوائط والأسقف. بالنسبة للأرضيات، جاءت هي الأخرى بشكل مدروس، توازن بين الألوان والمساحة الواسعة التي أتاحت الفرصة لتشكيل المناخ العام لقاعة الاستقبال المقسمة إلى زوايا متنوعة، حسب الغرض منها، بعضها تغلب عليه لمسات شرقية، تتمثل في «طبالي» النحاس وآنية الفخار المتناثرة في الأرجاء، وبعضها الآخر عملي، مثل الزاوية المخصصة للمائدة، التي جاء تصميمها إيطاليا مع لمسة شرقية تبدو في النجفة الخرز التي تتوسط السقف. هذا الركن، أي غرفة الطعام، ينفتح على الحديقة الاستوائية التي يتوسطها ممر حجري يدعوك لجلسة حميمة ومسترخية بعد تناول وجبة الطعام.

لكن على الرغم من الطراز العصري والشرقي الغالب، فإن الطراز الكلاسيكي لم يغب تماما، ويتجلى في نقاط معينة بالمنزل، لكن تم التخفيف منه بوضع قطع حديثة فيه، ففي طريقك من المدخل إلى صالة الجلوس الأمامية، مثلا، ترى على الجانبين مزهرتين من الزجاج موضوعتين لبث نفحة شبابية في المكان، كما وضع بغرفة الجلوس السفلية باتجاه الحديقة الاستوائية أريكتان مصنوعتان من الرخام والخشب في شكل مصاطب ريفية، أما باب المنزل الرئيسي فقد صنع من حشوات الخشب كي يتماشى مع الجلسة التي تعلوه مباشرة التي صنعت من الخشب، مما أعطى المكان دفئا وفخامة. أما الإضاءة فقد وظفت لتنبعث من «الأباجورات» المتناثرة في الأركان، والثريات التي تتدلى من السقف لتتناغم مع الأشعة الضوئية الطبيعية المنبعثة من بين الستائر التي تمتد بامتداد الحائط بتصميم غاية في البساطة.

ويشرح صاحب المنزل: «في أرجاء منزلي تتناثر مجموعة من التذكارات، قمت بتجميعها من كل مكان في العالم زرته، ولأنني متصل ببيئتي ولا أحب الانفصال عنها، فقد وضعت في أحد الأركان جذع نخلة نحتته أمواج البحر، مثلا، أو صدفة جميلة من قاع البحر أو بعض أوراق الشجر المجفف». علاقة أيمن طاهر بالحدائق والأماكن المفتوحة واضحة في هذا البيت، الذي يضم خمس حدائق، ثلاث داخلية تتوزع بين الممرات والغرف وتتنوع بين حدائق استوائية ومائية وصحراوية، واثنتان خارج المنزل؛ واحدة في واجهة المنزل، وهى البحرية للجلسات الصيفية، وتحتوى على أرجوحة ومقاعد على الطراز الريفي، وأخرى خلف المنزل تلاءم الجلسات الشتوية. وفي الداخل لا يمكن للزائر أن يتجاهل أن صاحب البيت فنان، بكل معنى الكلمة، ليس فقط من ناحية التصميم المميز؛ بل أيضا من ناحية أعماله وأعمال والده وابنه المتناثرة على الحيطان. وفي هذا الصدد يعلق أيمن: «لوحات والدي الفنان صلاح طاهر تتناثر في كل أرجاء المنزل، وهناك حائط في غرفة الاستقبال الرئيسية يحتوي على مجموعة منها ولوحات لي ولابني علاء، فهذا الحائط يضم فكر ثلاثة أجيال متتالية… وجدير بالذكر أن أقول إن والدي هو الفنان التشكيلي العربي الوحيد الذي توجد بعض لوحاته معلقة في البيت الأبيض إلى اليوم».