إن الحلال بين وإن الحرام بين


(محمد الجنوبي) #1

بسم الله الرحمن الرحيم

عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب] رواه البخاري ومسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة؛ قال أبو داود السجستاني: الإسلام يدور على أربعة أحاديث، وذكر منها هذا الحديث، وقد أجمع العلماء على عظيم موقعه وكثير فوائده. قوله: (إن الحلال بيِّن وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات) يعني أن الأشياء ثلاثة أقسام: فما نص الله على تحليله فهو الحلال كقوله تعالى {أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} وكقوله {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ونحو ذلك، وما نص الله على تحريمه فهو الحرام البين، مثل قوله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم؛ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} وكتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وكل ما جعل الله فيه حدا أو عقوبة أو وعيداً فهو حرام، وأما المشتبهات فهي كل ما تتنازعه الأدلة من الكتاب والسنة وتتجاذبه المعاني، فالإمساك عنه ورع. ومن هذه المشتبهات مثلا ما ورد في حديث عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله، إني أرسل كلبي وأسمي عليه، فأجد معه على الصيد كلباً آخر، قال لا تأكل إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره فأفتاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالشبهة أيضاً خوفاً من أن يكون الكلب الذى قتله غير مسمى عليه، فكأنه أُهِلَّ لغير الله به. وقوله (صلى الله عليه وسلم) (لا يعلمهن كثير من الناس) أي لا يعلم حكمهن من التحليل والتحريم، وإلا فالذي يعلم الشبهة يعلمها من حيث إنها مشكلة لترددها بين أمور محتملة، فإذا علم بأي أصل يلتحق زال كونها شبهة، وكانت إما من الحلال أو من الحرام، وفيه دليل على أن الشبهة لها حكم خاص بها يدل عليه دليل شرعي يمكن أن يصل إليه بعض الناس. وقوله: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) مما يشتبه، وأما قوله: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) فذلك يكون بوجهين: أحدهما: أن من لم يتق الله وتجرأ على الشبهات أفضت به إلى المحرمات، ويحمله التساهل في أمرها على الجرأة على الحرام، كما قال بعضهم: الصغيرة تجر الكبيرة، والكبيرة تجر الكفر، وكما روي: المعاصي بريد الكفر. الوجه الثاني: أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه، لفقدان نور العلم ونور الورع، فيقع في الحرام وهو لا يشعر به؛ وقد يأثم بذلك إذا تسبب منه إلى تقصير. وقوله (صلى الله عليه وسلم: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله…) الحديث، (المضغة) القطعة من اللحم، وهي قدر ما يمضغه الماضغ، يعني بذلك صغر جرمها وعظيم قدرها، وقد خص الله تعالى جنس الحيوان بهذا العضو، وأودع فيه تنظيم المصالح المقصودة، فتجد البهائم على اختلاف أنواعها تدرك به مصالحها وتميز به مضارها من منافعها، وقد خص الله نوع الإنسان من سائر الحيوان بالعقل وأضافه إلى القلب فقال تعالى {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} وقد جعل الله الجوارح مسخرة له ومطيعة، فما استقر فيه ظهر عليها وعملت على معناه: إن خيراً فخير وإن شرا فشر. نسأل الله العظيم أن يصلح فساد قلوبنا، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
نداء الايمان