ختان الاناث


(the lover) #1

ختان البنات بين الفقه والطب[CENTER]

ختان البنات بين الفقه والطب

كتبه/د. حاتم الحاج[/center]


بسم الله و الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ عن ربه فأتم البلاغ، وبين لنا شرائع ديننا في شتى مناحي الحياة، حتى غبطنا على بيانه أهل الكتاب،
فاللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع ملته إلى يوم الدين آمين.
وبعد، ففي هذا البحث مراجعة لمسألة ختان البنات ومحاولة لمعرفة حكمها ومقصود الشارع منها، وكذلك ماهيتها وحدها. ولا شك أن هذه المسألة من تلك المسائل التي يكثر حولها الجدل، ويحاول أن يدلف أعداء الإسلام أو الجاهلون به منها إلى تشويه صورته. وكذلك فإن الممارسة الخاطئة لبعض المسلمين قد تكون من وقود هذه النار التي يضرمونها. لذا وجب على المسلمين أن يتصدوا لبيان حقيقة هذه الممارسة في الإسلام. و ذلك أولاً لتصحيح مسار الملتزمين بالإسلام و السنة إن كان ثمة انحراف، و لإزالة اللبس الذي قد يقع فيه بعض صالحي المسلمين نتيجة الحملات الإعلامية المشككة، ثم لدحض الافتراءات التي يلصقها أعداء الإسلام و السنة بهما.
تعريف الختان[1]:
يراد به موضع الخَتْن في الرجل والمرأة. وهو في حق الرجل: قطع جلدة القُلْفَة - جلدة فوق الحَشْفة -، وختنه أي قطع الجلد الزائدة على الحشفة. وفي حق المرأة: قطع جلدة عالية مشرفة على الفرج.[2]
تاريخ الختان -البنات خاصة-: هو عادة قديمة مارسها البشر من قبل الإسلام وبعده، ولعلها من بقايا سنن الأنبياء التي فرط بعض الناس فيها وأفرط آخرون. جاء في الموسوعة البريطانية[3] أن شعوب أستراليا القديمة وبعض شعوب أفريقيا وأمريكا الجنوبية، بالإضافة إلى المسلمين قد مارسوا تلك العادة، والتي عرفتها الموسوعة بأنها قطع البظر أو شيء منه[4]، ومن أسوأ ممارساتها الختان الفرعوني. وسنبين أن هذا كله ليس الختان الذي حض عليه الإسلام.
حكم الختان:
اختلف الفقهاء في حكم الختان، فقد اتفقوا على مشروعيته للجنسين، ثم اختلفوا فيما فوق ذلك، فذهب البعض -كالشافعية في المشهور- لوجوبه على الجنسين، و البعض إلى وجوبه على الرجال دون النساء، و البعض إلى استحبابه في حقهما، و أقل ما قيل فيه للنساء أنه مكرمة، و للرجال أنه سنة.
و في الختان أحاديث كثيرة، بعضها لا يخلو من مقال، و هذا عرض لها مع أقوال بعض أهل العلم فيها:
عن أبي هريرة مرفوعاً: (خمس من الفطرة الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب.)[5]
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم)[6] و قد قال الله: )ثُمَّ أوحَيْنَا إليك أن اتبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً[7](
وورد في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم- لرجل أسلم: (ألقِ عنك شعر الكُفْر واخْتَتِنْ)[8]
وجاء في الختان أيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا التقى الخِتانان وجَبَ الغُسْلُ)[9]، و فيه دليل على أن النساء كن يختتن، وعليه فإن ما جاء في أي من الأحاديث عن الختان من غير تفصيل يشمل الرجل و المرأة جميعاً.
وعن سعيد بن جبير -رحمه الله- قال: "سئل بن عباس، مثل من أنت حين قبض النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال أنا يومئذ مختون، قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك"[10]
وجاء في حديث أم عطية -رضي الله عنها-، وكانت تختن البنات، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اخفِضي ولا تُنْهِكي[11] فإنه أنضر للوجه وأحظَى عند الزوج)[12]. و في بعض روايات الحديث لفظ أشمي بدل اخفضي.[13] وهذا أصرح الأحاديث الدالة على مشروعية، بل واستحباب الختان للنساء.
وعن ابن عباس مرفوعاً: (الختان سنة للرجال مكرمة للنساء) رواه البيهقي -رحمه الله- وضعف المرفوع[14]
روى ابن المنذر -رحمه الله- عن أبي برزة قال: (سألنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن رجل أقلف يحج بيت الله، قال : لا، حتى يختتن.)[15] و ضعفه ابن المنذر -رحمه الله- و غيره.
ولاشك أن من الأحاديث ما هو في الصحيح، وإن كان غير صريح في الأمر بالختان للنساء أو الحض عليه، ومنها ما وقع الخلاف بين أهل العلم فيه، وهذا القسم أصرح في إثبات مشروعية الختان للنساء. إلا أن أحاديث سنن الفطرة التي ذكرت الختان -وهي في الصحيح- لا معنى لحملها على الرجال دون النساء، و قد ثبت أن الختان يشمل الرجال والنساء كما هو واضح من حديث مس الختان الختان.
و هذا عرض بأقوال الفقهاء في حكم الختان:
الأحناف: قال الزيلعي -رحمه الله-: “والأصل أن الختان سنة كما جاء في الخبر, وهو من شعائر الإسلام وخصائصه حتى لو اجتمع أهل مصر أو قرية على تركه يحاربهم الإمام فلا يترك إلا لضرورة… وختان المرأة ليس بسنة , وإنما هو مكرمة للرجال لأنه ألذ في الجماع , وقيل سنة.”[16]
المالكية: جاء في شرح مختصر خليل للخرشي -رحمه الله- (المتن): “وحكمه [أي الختان] السنية في الذكور، وهو قطع الجلدة الساترة والاستحباب[17] في النساء ويسمى الخفاض.”[18]
الشافعية: جاء في أسنى المطالب: "والختان واجب[19] (وإنما يجب بالبلوغ)، والعقل واحتمال الختان لقوله -تعالى- (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) وكان من ملته الختان ففي الصحيحين (أنه اختتن وعمره ثمانون سنة) وفي صحيح ابن حبان , والحاكم (مائة وعشرون سنة وقيل سبعون سنة) ولأنه -صلى الله عليه وسلم - أمر بالختان رجلا أسلم رواه أبو داود. قالوا: ولأنه قطع عضو لا يخلف فلا يكون إلا واجبا كقطع اليد والرجل، ولأنه جرح يخاف منه، فلو لم يجب لم يجز بخلاف ختان الصبي، والمجنون ومن لا يحتمله[20]، لأن الأولين ليسا من أهل الوجوب، والثالث يتضرر به."[21] و قال النووي- رحمه الله - في المجموع: " الختان واجب على الرجال والنساء عندنا وبه قال كثيرون من السلف، كذا حكاه الخطابي، وممن أوجبه أحمد وقال مالك وأبو حنيفة : سنة في حق الجميع وحكاه الرافعي وجها لنا، وحكى وجها ثالثا أنه يجب على الرجل وسنة في المرأة، وهذان الوجهان شاذان، والمذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي رحمه الله وقطع به الجمهور أنه واجب على الرجال والنساء."[22]
الحنابلة: جاء في الفروع لابن مفلح -رحمه الله -: "ويجب الختان وعنه [ أي أحمد] على غير امرأة، وعنه يستحب، قال شيخنا: يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة."[23] و قال ابن قدامة - رحمه الله -: " فأما الختان فواجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن. هذا قول كثير من أهل العلم . قال أحمد : الرجل أشد، وذلك أن الرجل إذا لم يختتن، فتلك الجلدة مدلاة على الكمرة، ولا ينقى ما ثم، والمرأة أهون ."[24]
و في الموسوعة الفقهية تلخيص لآراء أهل العلم في الختان حيث جاء فيها:
" حكم الختان: اختلف الفقهاء في حكم الختان على أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية والمالكية وهو وجه شاذ عند الشافعية، ورواية عن أحمد: إلى أن الختان سنة في حق الرجال وليس بواجب. وهو من الفطرة ومن شعائر الإسلام، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإمام، كما لو تركوا الأذان. وهو مندوب في حق المرأة عند المالكية.
وعند الحنفية والحنابلة في رواية يعتبر ختانها مكرمة وليس بسنة، وفي قول عند الحنفية: إنه سنة في حقهن كذلك وفي ثالث: إنه مستحب…
القول الثاني: ذهب الشافعية والحنابلة، وهو مقتضى قول سحنون من المالكية: إلى أن الختان واجب على الرجال والنساء… القول الثالث: هذا القول نص عليه ابن قدامة في المغني، وهو أن الختان واجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء وليس بواجب عليهن."[25]
الترجيح
و الذي يظهر في حق الرجال أن الراجح هو وجوب الختان، وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي أسلم: (ألق عنك شعر الكُفْرِ واخْتَتِن)[26] أمر يقتضي الوجوب، ولم يوجد صارف.
وأما في حق المرأة فلعل الراجح هو استحبابه، أما المشروعية فمتفق عليها، و قد أقره -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في حديث أم عطية وكانت تختن البنات فقال لها -صلى الله عليه وسلم-: (اخفِضي ولا تُنْهِكي فإنه أنضر للوجه وأحظَى عند الزوج)[27]. وفي مثل قوله –صلى الله عليه وسلم-: (إذا الْتَقَى الخِتَانان فقد وَجَبَ الغُسْل)[28]. بيان كون ختان النساء معروفاً شائعاً على عهده -صلى الله عليه وسلم- ولم ينكره. ولم يصح عنه -صلى الله عليه وسلم- في ختان النساء -خاصة- شيء آخر. ولعل القول بأنه مستحب يترجح لدخول المرأة في الندب إلى خصال الفطرة و منها الختان كما جاء في الصحيح؛ و كما ذكرنا، فإنه لا دليل على قصر ذلك على الرجل، و قد كان لفظ الختان مشتركاً بين الرجال و النساء على عهده -صلى الله عليه وسلم-. و كذلك يترجح ترجيح جانب الفعل على الترك لكون الختان فيه ما فيه من الألم وكشف العورة، فلو لم تكن فيه فائدة راجحة لما أقره رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، و لكن ليس هناك ما يستدل به على الوجوب، فإن كون الختان فيه من الألم و كشف العورة ما فيه مع إقرار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له ليس دليلاً على الوجوب، و إنما يصلح دليلاً على تقديم جانب الفعل على الترك -كما قدمت-، و أمره -صلى الله عليه وسلم- لأم عطية بالخفض ليس أمراً للنساء بطلبه، كما هو متقرر في الأصول، وكذلك فإنه لم ينقلها من الترك إلى الفعل، بل من المبالغة في الفعل إلى الاعتدال فيه. و كذلك فإن أمره للرجل الذي أسلم لا يدخل النساء فيه، و ذلك لأنه و إن كان الأصل أن (النساء شقائق الرجال و تدخل المرأة في خطاب الرجل و العكس، إلا أن هذا عندما لا يكون هناك سبب للتفريق، وهنا يختلف الأمر بين الرجل والمرأة، ومن ذلك أن قلفة الرجل قد يجتمع في آخرها بول يؤثر في طهارته وليس الأمر كذلك عند المرأة، لذا ناسب أن يكون التأكيد أكثر على ختان الذكور وهو ملاحظ في الآثار و أقوال أهل العلم و كذلك عمل الأمة.
لقد اختصرت في عرض الأقوال و الترجيح بينها لاتفاقهم على مشروعية الختان، و لأن القضية الرئيسية في البحث هي حد الختان.
ماهية الختان و حده
تقدم الكلام عن حكم الختان، فماذا عن ماهية الختان و حده؟ و نحن هنا نناقش حد ختان البنات فإنه الذي يحصل فيه الخلاف، و يشنع على الإسلام بسببه.
مقدمة طبية
وحتى يتيسر فهم المقصود من الكلام عن حد الختان، فلا بد لنا أن نقدم ببعض الفوائد عن الأعضاء التناسلية و تكوينها و وظائفها[29].
أما التكوين[30]، فإن هذه الأعضاء أصلها واحد في الأجنة لا فرق بين ذكر و أنثى حتى نهاية الأسبوع السابع[31]، و جاءت الحقيقة العلمية موافقة لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشأن حيث قال: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص.)[32]
ثم تبدأ هذه الأعضاء في التمايز في اتجاه الذكر أو الأنثى بناءً على الجنس الصبغي[33] (الكروموسومي) و الهرموني.
و أصل الأعضاء برعم صغير فوق شق. و يتحول البرعم إلى قضيب في حال الرجل أو بظر[34] في حال المرأة و الشق يبقى في حال البنت، ويتكون على جانبيه الشفران الكبيران[35]، أو يلتصق جانباه ليكون كيس الصفن[36] في حال الولد. ثم تهبط الخصيتان إلى الكيس بينما يبقى المبيضان داخل الحوض.
و من الناحية التشريحية، فإن القضيب يقابل البظر، و هو الذي قد يشير إليه علماؤنا بالنواة، و ذلك لأن شكله كالنواة أو كنصف كرة. و البظر ليس جلدة فقط، بل يتكون من نفس الأنسجة التي يتكون منها القضيب. و القلفة التي على حشفة القضيب[37]، و التي تزال في ختان الذكور تقابلها قلفة[38] كذلك على البظر، يشير إليها علماؤنا بالجلدة المستعلية أو الجلدة التي كعرف الديك.
و من الناحية الوظيفية، فإن الذكر و البظر كلاهما أعضاء انتصاب من أنسجة متكهفة[39] و هي أعضاء اللذة عند الجماع. و كذلك فإن القلفة التي على حشفة الذكر، و تلك التي على البظر يتقابلان وظيفياً فلا تكاد تعرف لهما فائدة و إنما تتراكم تحتهما إفرازات اللخن[40] الضارة.[41]
لعله قد اتضح من هذه المقدمة: