آثار المنيا عبر العصور


(دكتور محمود) #1

[CENTER][FONT=‘Arabic Transparent’][B]آثار المنيا عبر العصور

[/b][/font]

تأليف

الدكتور محمود أحمد درويش

أستاذ الآثار الإسلامية المساعد

كلية الآداب ـ جامعة المنيا

مركز البحوث والدراسات الأثرية

جامعة المنيا

الطبعة الثانية

1426هـ/2005م[/center]

مقدمة
تنفرد محافظة المنيا بموقعها المتميز بين محافظات مصر، حيث تقع عاصمتها مدينة المنيا على الضفة الغربية للنيل وعلى مسافة (245) كيلو مترا جنوبي القاهرة، ويحدها من الشمال محافظة بنى سويف ومن الجنوب محافظة أسيوط ومن الشرق الهضبة الشرقية ومن الغرب الصحراء الغربية.
يرى بعض المؤرخين أن الأصل التاريخي لكلمة المنيا يرجع إلى كلمة موني، وقد ذكر أميلينو اسمها القبطي (Temoni)، ووردت باسم (Tomoone)، وهى مذكورة بين طحا المدينة والبهنسا، وقال أن كلمة (Moone) لفظ قبطي معناه المنزل أو المحل، كما ورد في نقوش مقابر بني حسن أنها كلمة فرعونية ترجع إلى عصر الأسرة الرابعة حيث كانت المنيا إحدى ضياع الملك سنفرو، فأقطعها لابنة خوفو الذي أسماها منعت خوفو أي مرضعة الملك خوفو.
وقد ذكر جوتييه ناحية اسمها القبطي (Timoune)، وخلفه ماسبرو في ذلك باعتبار أن كلمة المنيا هي اسم عربي، وذكرها الإدريسي باسم منية ابن الخصيب، وفى معجم البلدان “مدينة ابن الخصيب مدينة كبيرة على شاطئ قرب النيل في الصعيد الأدنى بمصر”، وفى الخطط المقريزية باسم منية الخصيب، وفى قوانين ابن مماتي وتحفة الإرشاد والتحفة باسم منية بنى خصيب من أعمال الأشمونين، ووردت في دفاتر الروزنامة القديمة باسم بنى خصيب المعروفة بالمنية، وفى تاريخ عام (1230هـ/1815م) باسم المنيا الحائط.
كانت منطقة المنيا في العصر الفرعوني تشمل عدة أقاليم أولها من الجنوب الإقليم الخامس وعاصمته خونو وهي التي سماها اليونانيون باسم هرموبوليس SIZE=3[/size] والإقليم الثاني الإقليم السادس عشر وعرفت عاصمته في عهد اليونانيين باسم هيراكونبوليس SIZE=3[/size] وهو ذلك المكان الذي يقع في تلك المنطقة المعروفة ببني حسن، أما الإقليم الثالث فهو الإقليم السابع عشر وعرفت عاصمته في عهد اليونانيين باسم كينوبوليس SIZE=3[/size] وهو الإقليم المعروف باسم القيس في العصر الإسلامي، أما الإقليم الرابع فهو الإقليم التاسع عشر وعاصمته بيمازيت SIZE=3[/size] والتي صارت تعرف في عهد اليونانيين باسم أوكسيرينخوس SIZE=3[/size] والتي عرفت باسم البهنسا في العصر الإسلامي.
وكانت البهنسا تضم أطلالا لمنشآت مصرية قديمة منها معبد ست والإلهين ثاروث ورثنونت، وقد اهتم الملك رمسيس الثالث بمعبد الإله ست، وتعتبر العصور الفرعونية من الفترات الغامضة في تاريخ البهنسا وذلك لندرة ما بها من آثار، وقد ظل الاعتقاد سائدا بأنها خالية من الآثار الفرعونية حتى تم الكشف عن مقبرة الكاهن حت التي تعود إلى الأسرة السادسة والعشرين (663ـ525 ق م).
ولعل هذا الكشف يعتبر أول أثر يعود إلى العصور الفرعونية، ويؤكد طرازه والمعلومات التاريخية التي أمدنا بها مدي ما تمتعت به من مكانه، حيث أن المقبرة المكتشفة تنتمي إلى طراز المقابر الكبيرة التي كانت تخص النبلاء وكبار رجال الدولة خلال الأسرتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين، وزاد من أهمية هذا الكشف الأثري اكتشاف عدد من المقابر من نفس الطراز ونفس فترة الإنشاء في الواحات البحرية.
وقد ظهرت بمنطقة الأشمونين نظرية دينية حاولت أن تفسر الكون عرفت في النصوص المصرية القديمة باسم شمونو أو خمنو أي الثمانية نسبة إلى إحدى نظريات خلق الكون في مصر القديمة والتي تعني أن ثامون الأشمونيين الذي يتكون من أربعة ذكور على هيئة ضفادع وأربع إناث على هيئة ثعابين هم الذين خلقوا الكون وأنهم بدأوا رحلتهم من الأشمونين.
وبمنطقة بني حسن مقابر حكام الإقليم السادس عشر (إقليم الوعل) من أقاليم الوجه القبلي، واشتهرت بأنها منحوتة في الصخر، وقد أبدع المصورون في إخراج نماذج رائعة للتصوير المصري بتغطية الجدران بطبقة من الجص والرسم بالألوان المتعددة بأسلوب الفرسكو لمناظر كثيرة تمثل مختلف مظاهر الحياة اليومية، إلى جانب مناظر تقديم القرابين والهجوم على الحصون والمصارعة والمبارزة بالعصي.
ويرجع تاريخ هذه المقابر إلى نحو ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وتقع أبوابها المتجهة نحو الغرب في مستوى واحد تقريبا وهي تشبه المقابر الواقعة بمنطقة سقارة والمعروفة باسم المصاطب، حيث أنها تشتمل على رواق كبير وبئر محفورة بوسطه أو في ناحية منه وتتصل بحجرة أو مغارة اللحد، أما سقفها فهو مقبي قليلا، والسقف والعمد قطعة واحدة من الجبل، وهناك بعض الأعمدة التي تتكون من ستة عشر قناة ذات أحزمة وتنتهي بتيجان متنوعة على شكل باقات زهور اللوتس والأشكال الناقوسية أو المستديرة.
كان الملك أمنحتب الرابع (1370 ـ 1349ق.م) أحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة حيث تولى الملك شريكا لأبيه الملك أمنحتب الثالث وأقام مع أبيه في طيبة، ومنذ أن علا شأنه بدأ يفكر في الدعوة إلى عبادة الشمس واختار أحد مظاهرها وهو آتون إلها له وأقام معبدا على مقربة من معبد الكرنك، وتدل جميع الشواهد على أن أمنحتب الرابع لم يبادئ كهنة أمون بالعداء بل كان كل ما فعله هو دعوته إلى عبادة آتون، وتبعه بعض رجال البلاد وكثير من عامة الناس، وقد كان آتون اسما معروفا منذ الدولة القديمة حيث ورد في نصوص الأهرام، ووقف أمنحتب الرابع في وجه كهنة آمون وغير اسمه إلى اسم جديد يؤكد صلته بمعبوده فاختار اسم أخ ـ إن ـ آتون (إخناتون) وتعني المفيد لأتون.
ولقد كان عدم رضا الملك أمنحتب الثالث وزوجته الملكة تي من أهم الأسباب التي دعته في السنة الرابعة من حكمه إلى ترك طيبة حيث اختار مكانا بين طيبة ومنف ليكون عاصمة جديدة للبلاد سماها أخت آتون آي مشرق آتون التي تسمى حاليا تل العمارنة وهى تقع على الضفة الشرقية لنهر النيل، ووضع لوحات حدودها في سفح الهضبتين الشرقية والغربية، واستمر العمل في إنشاء المدينة عامين، انتقل بعدهما إخناتون ومعه عائلته ورجال قصره ومن تبعه من خاصته إلى تلك العاصمة الجديدة واستقر هناك وأقسم يمينا سجلها على اللوحات التي أقامها بأنه لن يغادر حدودها طالما كان حيا.
كان إخناتون أول من نادى بالوحدانية وكانت نصوص الأشعار والأناشيد التي أبدعها في عبادة الإلهة الواحد آتون تشبه نص المزمور (104) من مزامير النبي داود المذكورة في التوراة من حيث التشابه والتطابق بين الكلمات والجمل والمعاني وترتيب الأبيات، مما يؤكد أن إخناتون بالفعل هو أول الموحدين بالله علنا، وأول من دعا إلى عبادة إله واحد لا شريك له خالق كل شيء، وهكذا أمر إخناتون بمنع عبادة أي إله من الآلهة الأخرى التي كانت تعبد في مصر، وقضى بذلك على سلطة الكهنة ورجال الدين الذين كانوا يدعون أنهم حلقة الوصل بين الإنسان والإله.
بعد وفاة أمنحتب الثالث في طيبة اتجهت تي إلى آخت آتون، وقد كانت هذه الزيارة بداية الشقاق بين إخناتون وزوجته نفرتيتي إذ كادت تنجح في تحويل ابنها عن الدين الجديد، وقد وصلت الجفوة بين إخناتون ونفرتيتي أن كلا منهما عاش بعيدا عن الآخر فبقى إخناتون في القصر الملكي مع ابنته الكبرى مريت أتون وأمر بأن تزال أسماء نفرتيتي من جدران القصر وأن توضع أسماء ابنتها في مكانها، وعاشت نفرتيتي في بيت جميل في ضاحية بجنوب المدينة اسمه حات آتون أي قصر أتون.
كان لإخناتون أخوة صغار من أبيه أو أبناء أخوته أهمهم سمنخ كا رع الذي زوجه من ابنته مريت أتون وأشركه معه في الملك، أما الآخر فكان اسمه توت عنخ أتون، وقد كان تزويج سمنخ كا رع من مريت أتون وإعلانه شريكا في الملك ضد رغبة نفرتيتي في الوقت الذي علا فيه شأن الملكة تي وقائد الجيش حور محب. وفى العام التاسع عشر من حكم إخناتون تلاحقت أحداث غامضة فمات سمنخ كا رع واختفى اسم زوجته ووجدت مومياؤه في قبر الملكة تي وتلاه إخناتون في أقل من عامين في العام الحادي والعشرون من حكمة حيث دفن في القبر الذي أعده لنفسه في أحد الوديان خلف مدينه تل العمارنة، وتولى بعده توت عنغ آتون الذي تزوج من الابنة الثالثة لإخناتون.
وقد شهدت المنيا تطورا في العلاقات الخارجية بين الدول المجاورة في العالم القديم، فقد عثر في قرية الحاج قنديل الواقعة إلى الجنوب من تل بني عمران (عام 1887) على ثلاثمائة لوح من الطين المحروق عرفت فيما بعد برسائل تل العمارنة مكتوبة باللغة الأكدية وبالخط المسماري تضم رسائل ود من حكام البلدان المجاورة ودول الشرق الأدنى في بابل وآشور وسوريا وفلسطينوخيتا في الأناضول بآسيا الصغرى موجهة إلى أمنحتب الثالث وإخناتون وولي عهده سمنخ كا رع، وتعد من أهم المصادر في معرفة أحوال مصر السياسية في تلك الفترة.
كما أنها أوضحت الصلة بين مصر وهذه البلاد وأساليب المراسلات الدولية حيث تطلب بعضها من فرعون مصر أن يتدارك ما حل بالإمبراطورية المصرية من تدهور، مع ظهور مملكة خيتا التي أرادت أن تستولي على مملكه ميتاني في شمال العراق والتي كانت تربطها بمصر صلات الود والنسب وأخذت تستغيث بملك مصر الذي لم يهتم حتى بمقابلة رسل تلك المدن الذين جاءوا إليه بأنفسهم ليعرضوا عليه قضيتهم ويشرحوا له حقيقة ما آل إليه أمرهم.
اشتهرت البهنسا (أوكسيرنخوس) في العصر اليوناني الروماني بسبب غناها في النصوص اليونانية والبرديات اليونانية والتي تلقي الضوء على الكثير من جوانب الحياة في هذه الفترة، وتتضمن موضوعات أدبية واقتصادية وإدارية واجتماعية وقانونية. على أن الاكتشافات التي جعلت من أوكسيرنخوس مدينة شهيرة كانت على الأخص تتمثل في هاتين المجموعتين اللتين عرفتا باسم أقوال يسوع المسيح والأوراق المماثلة لها مثل الأجزاء الخاصة ببضعة أناجيل مفقودة. ومن بين هذه النصوص مخطوط أفلاطون المعروف باسم “مقالة أفلاطون، الهلينيكا” وهي نسخة من كتاب تاريخي لمؤلف غير معروف، وكذا مخطوطات من أشعار باخيليدس، وكتابات يندار وقطع متناثرة لسافو وألكمان وكاليماخس وكثير من النفائس الأخرى.
بلغت مساحة المدينة في العصر الهللينستي (2000×800 مترا)، وكانت مخططة على الطراز الهيبودامي المستمد من المدن المصرية، حيث تتقاطع الشوارع وتنقسم إلى أحياء وتتوسطها السوق، وهناك شارع رئيسي يسمى شارع كليوباترا السابعة، وكان يحيط بالمدينة سور به أربعة أبواب يعرف أحدها باسم باب الكابيتول، وتذكر بردية ترجع للقرن الثالث الميلادي وجود تترا بيلون مما يعنى وجود باب في كل جهة من الجهات الأربع.
كما حفلت المدينة بالمنشآت الإغريقية مثل الجمانيزيوم والمسرح والحمامات ومن أشهرها حمامات تراجان وهادريان وأنطونيوس بيوس، وأقيم أكثر من أربعين معبدا منها معابد مشتركة كمعبد زيوس وهيرا ومعبد سيرابيس وزيوس. ووجدت معابد لآلهة مصرية وإغريقية منها معبد زيوس وآمون ومعبد هيرا وإيزيس، وكان معبد السرابيوم الكبير يتصل بمعبد الإلهة إيزيس، وقد تميزت المعابد البطلمية بأنها مصرية التخطيط واستمرت الكتابات الهيروغليفية والفنون المصرية إلى جانب كثرة استخدام الأعمدة المركبة.
ومن آثار أوكسيرنخوس معبد لم يتبق منه سوى بوابة ضخمة وبعض العناصر المعمارية الأخرى، وعثر على عدد من العملات التي تحمل أسماء بعض الأباطرة الرومان .
وكانت منازل أوكسيرنخوس تتكون من طابقين أو ثلاثة طوابق وتضم أجنحة منفصلة وحجرات استقبال للرجال وأخرى للنساء، وتتقدم المنازل سقائف محمولة على صفوف من الأعمدة، وضمت بعض المنازل حوانيت تطل على الشوارع الرئيسية.
وعندما ظهرت المسيحية كان للمسيحيين في أوكسيرنخوس فضل كبير في القضاء على الديانة الوثنية، وانتشرت الكنائس بدلا من المعابد الوثنية وتحول عدد من المعابد إلى كنائس، حتى وصل عددها إلى أربعين كنيسة.
تقع طهنا الجبل على الضفة الشرقية للنيل على مسافة خمسة كيلومترات شرقي المنيا، ويقع في جنوبها عدد من المقابر الصخرية من أطلال مدينة من الدولة القديمة، ومقابر من الدولة الحديثة والعصرين البطلمي والروماني، ويعد معبد الإمبراطور الروماني نيرون من أهم الآثار الباقية من العصر اليوناني الروماني ويقع شمالي المدينة.
وعرفت الأشمونين في النصوص اليونانية في العصر اليوناني الروماني باسم هرموبوليس أي مدينة الإله هرمس الذي ربط الإغريق بينه وبين الإله المصري جحوتي وهو رمز الحكمة ويمثل الطائر أيبس، وفي العصر اليوناني الروماني دفن موتى الأشمونين في تونة الجبل التي تقع في الغرب ويطلق عليها هرموبوليس الغرب .
وقد عثر على أجزاء من مدخل المدينة الذي كانت أرضيته مغطاة بالحجر الجيري وعلى جانبي المدخل توجد قنوات الصرف المغطى والمكشوف، على حمامات رومانية مشيدة بالطوب الأحمر وأطلال بعض المنشآت السكنية المشيدة بالطوب اللبن ترجع لنفس العصر، إلى جانب عدد من الأعمدة الجرانيتية التي كانت تمثل أجزاء من بعض صالات السوق، إلى جانب عدد هائل من الكتل الحجرية والعناصر المعمارية الزخرفية.
وتقع منطقة الشيخ عباده (أنتينوبوليس) في العصر اليوناني الروماني علي مسافة سبعة كيلومترات في شمال شرق ملوي وقد أنشأها الإمبراطور هادريان تخليدا لذكري صديقه أنتينويس الذي غرق في النيل عام (130م)، لذلك وردت في النصوص اليونانية باسم أنتينوبوليس، وكانت تضم معبدا لإيزيس بناه رمسيس الثاني وآخر لسرابيس من العصر اليوناني لكن ضاعت معالمهما حاليا. وتعتبر أنتينوبوليس المدينة الإغريقية الوحيدة في مصر طيلة العصر الروماني، ونظرا لميول الإمبراطور هادريان للحضارة اليونانية فقد أضفى على هذه المدينة طابعا يونانيا من الناحية الشكلية والاجتماعية وجعلها النموذج الأمثل للحواضر الإغريقية بمصر.
وقد قسمت المدينة تبعا للتخطيط الهيبودامي إلى مربعات تتعامد وتتقاطع على الشارعين الرئيسيين الطولي والعرضي، وكان الشارع الرئيسي يمتد من الشمال إلى الجنوب وعلى كل من جانبيه سقيفة محمولة على أعمدة، وحملت أحياء المدينة الحروف اليونانية الأولى وقسمت إلى وحدات سكنية.
امتدت أنتينوبوليس في العصر البيزنطي حيث تكونت مدينة جديدة بجوار المدينة الرومانية، وكان يحيط بالمدينة الرومانية أسوار من الطوب فيما يحيط بالمدينة البيزنطية أسوار من اللبن، وكانت الأسوار في ثلاث جهات فيما عدا الجهة الشرقية المطلة على النيل وبها المدخل المتمثل في بوابة ضخمة سميت بالبوابة الغربية، وكانت توجد بوابتان في الشرق والشمال. وكانت البوابة الغربية تمثل المدخل الرئيسي للمدينة وتقع بالقرب من الميناء، وقد أقيمت بالطوب وتم تدعيمها بالأعمدة الجرانيتية على الطرازين الكورنثي والأيوني، وكان يقع على جانبي هذه البوابة تمثالان لابن آوى مما يذكرنا بالتماثيل التي كانت توضع على جوانب البوابات العراقية لحيوانات خرافية ذات أجنحة ورءوس آدمية.
كانت أنتينوبوليس مقسمة بشوارع طولية وعرضية، وكان الشارع الممتد من الشمال إلى الجنوب يمثل الشارع الرئيسي ويؤدي إلى المسرح الروماني، ويمتد الشارع الآخر من الشرق إلى الغرب، ويتوسط المدينة مبنى الأجورا (السوق الرومانية) عند التقاء الشارعين الرئيسيين حيث المباني الحكومية والإدارية، وكان قوس النصر يقع عند بداية الشارع العرضي ناحية الغرب ويتكون من ثلاثة عقود أوسطها مرتفع، وكان يلي القوس ساحة محاطة بسقيفة من أكثر من أربعين عمودا.
أما مسرح المدينة فكان عبارة عن مدرجات نصف دائرية بينها ممرات إلى جانب خشبة المسرح وحجرات الملابس، وكان الهيبودروم المخصص لسباق العربات التي تجرها الخيول يقع خارج أسوار المدينة، وتخطيطه بيضاوي ينتهي بشكل نصف دائري، وكانت له مقاعد من الخشب وتحدده سقيفة على صف من الأعمدة، وقد أقام هادريان طريقا يربط بين مدينة أنتينوبوليس وميناء برنيكي على البحر الأحمر يبدأ من الهيبودروم، وذلك لتنشيط الحركة التجارية بين المدينة وسواحل البحر الأحمر.
تقع تونة الجبل في غربي الأشمونين وعلى مسافة ثمانية عشر كيلو مترا إلى الشمال الغربي من ملوي، وقد عرفت في النصوص المصرية القديمة باسم تاحني أي البركة أو البحيرة، إشارة إلى بحيرة صناعية كانت تتكون في وقت الفيضان، ثم أصبحت الكلمة في اليونانية تاونس وفي العربية تونة، ثم أضيفت إليها كلمة الجبل على اعتبار أن الموقع صحراوي جبلي.
وتونة الجبل هي الجبانة المتأخرة لمدينة الأشمونين عاصمة الإقليم الخامس عشر من أقاليم مصر العليا، وهي جبانة ضخمة تمتد لحوالي لثلاثة كيلو مترات، وأهم ما كان يدفن في هذه الجبانة هو طائر الأيبس وقرد البابون وهو قرد وافد من الجنوب موطنة الأصلي الحبشة واتخذ رمزا للإله جحوتي، لذلك كانت جبانة تونة الجبل إحدى الجبانات المقدسة في المعتقدات المصرية القديمة، وتجمع منطقة تونة الجبل بين الفن المصري القديم والفن اليوناني، وكانت تعرف عند الإغريق باسم هرموبوليس.
وإذا كانت جذور تونة الجبل التاريخية ترجع إلى العصر الفرعوني إلا أن أهم ما تضمه المنطقة من أثار ترجع للعصرين اليوناني والروماني، فقد كان الاسم اليوناني لهذه الجبانة هو تاونيس وزادت مساحتها في هذا العصر، وتدل آثار هذه المنطقة علي محاولات المزج بين الفنين المصري والإغريقي خاصة في العصر الروماني لندرة المبتكرات الفنية في هذه الفترة، ويتضح هذا في المزج في المباني التي ترجع إلى العصر الروماني.
كانت منطقة المنيا من المناطق التي تسربت إليها المسيحية فبعد أن نزلت العائلة المقدسة بالبهنسا وجبل الطير شرقي سمالوط والأشمونين، كان لذلك أثر عظيم حيث عمد الأهالي إلى القضاء على الوثنية وسارعوا إلى الدين الجديد فقد أسقطوا جميع الأوثان بمنطقة الأشمونين عندما دخلها السيد المسيح، ولجأوا إلى بناء البيع والكنائس وأقاموا أول بيعة بالأشمونين، واحتلت المنيا مكانة مرموقة عندما ارتبطت أسقفية أنصنا بالقدس (أورشليم) بعلاقات دينية في القرنين الثاني والثالث.
وكان لمنطقة المنيا حظ وافر من الاضطهاد الذي تعرض له المسيحيون فقد قتل الأسقف أريون أسقف إنصنا، كما لقي الأنبا تيموثاوس أسقف إنصنا في عهد دقلديانوس أشد أنواع العذاب، إلا أنه في عام 325م عندما تم الاعتراف بالمسيحية في عهد قسطنطين الأول شهد مجمع نيقية حضور مجموعة من الأساقفة المصريين من بينهم الأنبا طيباروس أسقف إنصنا. كما كانت منطقة المنيا من بين المناطق التي هرع إليها المصريون للخلاص من الحكم البيزنطي حيث انتشرت بها مراكز الرهبنة وبصفة خاصة بمنطقة الشيخ عبادة بإنصنا التي كانت من أهم مراكز الرهبنة في ذلك العصر وانتشرت بها الأديرة.
عندما فتح عمرو بن العاص مصر وبعد أن أسقط حصن بابليون وفتح مدينة الإسكندرية بدأ في الزحف نحو الصعيد حيث رحب أهله بالفتح العربي للخلاص من الحكم البيزنطي، ولما كانت مدينة البهنسا من أعظم المراكز المسيحية وبها الكثير من الأديرة والكنائس، وكانت ذات أسوار حصينة وتمثل القاعدة العسكرية الكبرى في صعيد مصر فقد استعد لها المسلمون استعدادا خاصا حيث أنهم إذا ما ملكوا البهنسا امتلكوا الصعيد كله.
وقد كان لدخول العرب إليها نتائج بالغة الأهمية إذ اطمئن العرب إلى تأمين مواصلاتهم شمالا وجنوبا، وقد مهد هذا الفتح لضم منطقة المنيا إلى حوزة العرب حيث واصلوا فتح المدن والقرى دون مقاومة، وبدأوا في إقامة الرباطات والدور التي استقر بها عدد كبير من الفاتحين.
وبعد أن تم فتح البهنسا اتجهوا إلى الأشمونين ثم إنصنا التي كانت مدينة حصينة قوية بها حصن يبلغ ارتفاعه ثلاثين ذراعا (16 مترا)، وكان للقبط دور في مساعدة المسلمين عند فتح إنصنا فقد انضم البطاركة إلى الجيش الإسلامي وواصلوا السير معهم، كما عامل المسلمون أهل إنصنا معاملة حسنة تنفيذا لوصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) فإليها تنتمي زوجته مارية القبطية.
وكانت منطقة المنيا في العصر الإسلامي تشمل كورتين كبيرتين هما البهنسا والأشمونين وهناك ثلاث كور صغيرة المساحة تجاور البهنسا والأشمونين هي القيس وطحا وإنصنا، وفي عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي انضمت القيس إلى البهنسا وأدمجت طحا وإنصنا في الأشمونين، وقد كانت المنيا من توابع الأشمونين وعرفت باسم منية بني الخصيب في العصر العباسي حينما أقام بها الخصيب بن عبد الحميد صاحب خراج مصر زمن الخليفة هارون الرشيد وأقطعت له.
أظهرت البرديات العربية أن أهالي البهنسا والأشمونين في العصر الإسلامي قد أقبلوا على زراعة الكتان، وكان لازدهار زراعته أثر كبير في ظهور مصانع المنسوجات الكتانية. كما اشتهرت البهنسا بزراعة القطن في فجر الإسلام حيث كانت من المراكز الرئيسية لصناعة المنسوجات القطنية. وكانت مصانع النسيج تخضع لإشراف الدولة وهناك مصانع حكومية تسمى الطراز وتشمل نوعين الأول طراز الخاصة وتصنع به ملابس الخليفة أو الأمير والأقمشة التي كان يخلعها على كبار رجال الدولة، والثاني طراز العامة ويتبع بيت المال ويعمل لحساب بلاط الحكومة وأفراد الشعب. واشتهرت البهنسا بالمنسوجات الصوفية كما بلغت طحا والقيس والأشمونين درجة من الرقي في صناعة المنسوجات.
وانتشرت بالبهنسا والأشمونين الغابات التي استخدمت أخشابها في صناعة سفن الأسطول. كما ازدهرت الصناعات الخشبية وراجت صناعة الأنوال الخشبية خاصة في العصر الفاطمي. وازدهرت بمنطقة الشيخ عبادة صناعة التحف الزجاجية التي يحتفظ متحف الفن الإسلامي بعدد منها.
يذكر المقريزي مدينة البهنسا بقوله “هذه المدينة في جهة الغرب من النيل بها الستور البهنسية وينسج المطرز والمقاطع السلطانية والمضارب الكبار والثياب المحبرة، وكان يعمل بها من الستور ما يبلغ طول الستر الواحد ثلاثين ذراعا وقيمة الزوج مائتا مثقال من الذهب، وإذا صبغ بها شئ من الستور والأكسية والثياب من الصوف أو القطن فلابد أن يكون فيها اسم المتخذ له مكتوبا وعلي ذلك مضوا جيلا بعد جيل”.
شهدت البهنسا ازدهارا كبيرا في العصر الإسلامي وبصفة خاصة في عصر دولة المماليك، وقد أيدت الشواهد الأثرية تقدم البهنسا في صناعة الفخار، حيث كانت أحد المراكز الصناعية الهامة لإنتاج الفخار في العصور الإسلامية المبكرة وحتى نهاية العصر المملوكي، وليس أدل علي ذلك من كمية الأواني الفخارية وكسر الفخار التي عثر عليها أثناء الحفائر خاصة في مناطق يعتقد أنها كانت مصانع لإنتاج الفخار والخزف.
فقد تم العثور على ثلاثة أفران طلى الجدار الداخلي لأحدها بطبقة سميكة من طلاء التزجيج الملون بنفس الألوان التي تكسو معظم القطع التي عثر عليها في تلك المنطقة، وعثر بأحد الأفران على الأدوات المستخدمة فيه للفخر مثل ركائز الأرفف، كما عثر بالقرب من الأفران على بئر وحوض للطين، وهذه الأفران استعملت لإنتاج فخار مطلي وغير مطلي، ومجموعة كبيرة من المسارج من العصور الإسلامية المبكرة حتى القرن التاسع الميلادي، وعلى قوارير من الفخار المطلي بطريقة البقع والمسمى بالفخار الفيومي.
كما عثر على أعداد كبيرة من القطع الزجاجية والفخارية المزججة والغير مزججة من العصرين الفاطمي والمملوكي، وعثر على مشط من الخشب المحفور يرجع إلى العصر الفاطمي عليه نقش لغزالتين متقابلتين، وصنجة زجاجية عليها اسم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله وولى عهده وعلى عدد كبير من المسكوكات البرونزية.
وقد أفرد علماء الآثار طرازا خاصا في صناعة النسيج يحمل اسم طراز البهنسا، ويوجد علي نسقه قطعتان بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة وينقسم إلى ثلاثة طرز :
ـ الطراز الأول وتنحصر زخارفه المنسوجة من الحرير المتعدد الألوان في شريط أفقي ضيق يعلوه شريط من الكتابة، أما العناصر الزخرفية فهندسية بحتة تتكون من الدوائر وأنصاف الدوائر التي كان الأقباط يستعملونها بمهارة على الطابع العربي، ومن ثم أصبحت الأساس الأول لموضوعاتهم الزخرفية، ويصاحب شريط الزخرفة عادة شريط آخر كتابي، وتشير بعض الكتابات الموجودة أنها صنعت في طراز خاص بمدينة البهنسا، وذكر على بعضها اسم مكان الطراز مثل “مصر”.
ـ الطراز الثاني تمتاز زخارفه بأنها جميعا من الصوف وبلون واحد غالبا وهو الكحلي وفي أحوال نادرة نجد اللون الأخضر الباهت أو الأحمر أو البني مع اللون الكحلي، وهذه الزخارف ليست محصورة في أشرطة بل تملأ الفراغ كله تقريبا، أما العناصر الزخرفية فهي إما عناصر نباتية محورة تشبه زخارف الطرازين الثاني والثالث من زخارف سامراء التي انتشرت في مصر بعد أن جاء إليها أحمد بن طولون، أو رسوم طيور وحيوانات مرسومة بأسلوب ساساني يشبه تلك الرسوم التي علي الأواني المعدنية الإيرانية التي يطلق عليها “ما بعد الساساني”، وهذه القطع تكاد تخلو تماما من الكتابات، ونجد اسم مدينة البهنسا منسوجا علي بعضها كما قامت زخارفها مقام الكتابات المؤرخة.
علي أن طراز سامراء بشكله الواضح لم يستمر طويلا علي النسيج المصري إذ اختفي بمجرد سقوط الدولة الطولونية في عام 292هـ (905م)، ومن المرجح أن تكون هذه القطع من العصر الطولوني ومن صناعة مدينة البهنسا، حيث أنها من النسيج السميك الذي يعرف بالكليم وهو من إنتاج الصعيد، كما أن المادة المستعملة في الزخرفة هي الصوف الذي اشتهرت به مدن الصعيد، ولم نجد اسما لمركز صناعي علي بعض هذه القطع غير مدينة البهنسا، ويذكر أنه عندما دب خلاف بين ابن طولون والموفق أخي الخليفة المعتمد حذف ابن طولون اسم الموفق من الطراز وأنشأ مصانع طراز خاصة به في منطقة الفيوم.
ـ الطراز الثالث وتنحصر زخارفه في أشرطة أفقية قوام زخارفها رسوم طيور وحيوانات بأحجام صغيرة ومحورة عن الطبيعة ومحصورة في جامات سداسية الشكل، وقد رسمت هذه الزخارف بالأسلوب الساساني، فنجد مثلا العصابة الطائرة في عنق الطائر، ويشبه رسم الطائر تلك الرسوم التي علي المعادن والتي تعرف بما بعد الساساني، وتمتاز قطع هذه المجموعة بأنها منسوجة كلها من الصوف وأرضية النسيج باللون الكحلي، أما الشريط الزخرفي فمتعدد الألوان ونجد فوقه عادة كلمة البهنسا، ومن المرجح أن تكون قطع هذه المجموعة معاصرة للمجموعة الثانية أي أنها ترجع إلى العصر الطولوني.
في أواخر العصر العثماني أصاب البهنسا اضمحلال شديد، وليس أدل علي ذلك من انتقال عاصمة حكم الولاية من البهنسا إلى بلدة الفشن.
تذخر البهنسا بالعديد من الآثار الإسلامية، إلا أن أهمها عل الإطلاق هي قباب البهنسا نظرا لأنها تخص عددا كبيرا من كبار الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، وبالإضافة إلى ذلك يوجد مسجد الحسن بن صالح، كما تضم مئذنة تعود إلى العصر المملوكي وهي مئذنة أبي سمرة.
ولما كان التراث المعماري بالمنيا ذاخرا بعدد كبير من العمائر الأثرية التي تعود إلى جميع العصور التاريخية، وأن مظاهر تواصل هذا التراث تؤكد دور المنيا في ترسيخ أسس العمارة والفنون عبر العصور، ولأن هذا التراث يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام حيث آثار عصور ما قبل التاريخ وبقايا الصناعات الظرانية من العصر الحجري القديم والحديث إلى حضارة الدولة القديمة والدولة الوسطى والدولة الحديثة والحضارة اليونانية الرومانية والحضارة القبطية والحضارة الإسلامية في جميع عصورها، وقد كان لهذا التواصل الحضاري أثر كبر في ترسيخ ملامح التخطيط المعماري والطرز المعمارية عبر العصور.
لذلك فقد راودتني فكرة إعداد هذا الكتاب للتعريف بآثار المنيا، وقد كان أول الدوافع إلى هذه الفكرة هو التنوع الفريد في الآثار بهذه المحافظة وفي العصور المختلفة، أما الدافع الآخر فقد تمثل في عدم توافر المادة العلمية الأكاديمية أو الثقافية المنشورة عن آثار المنيا.
وقد تناولت في هذا الكتاب آثار المنيا في جميع العصور وآثرت أن أتناول هذه الآثار بكل مركز على حده ومن الشمال إلى الجنوب بمراكز العدوة ومغاغة وبني مزار ومطاي وسمالوط والمنيا وأبو قرقاص وملوي ودير مواس.
وتضمن الكتاب عددا كبيرا من الأشكال التوضيحية واللوحات لآثار المنيا عبر العصور بهدف إثراء المادة العلمية ولكي يتم إظهار مدى تطور وازدهار التخطيط والعناصر المعمارية والفنية لهذه الآثار.