أدب البحث والمناظرة


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛

:: في رحاب الوعظ والإرشاد.
مقالُ أسأل الله تعالى أن ننتفع منه.

ملحوظةُ:
لو نقرأ المقال؛ ففيه من الخير الكثير،
ولكم نحتاجُ لمثل هذي الإرشادات؛ خاصّ’ في زمنٍ كالذي نعيشُ!

أ. الشيخ طه مُحمّد السّاكت

أدب البحث والمناظرة

/

/

أدب البحث والمناظرة

للمناظرة والجدَلِ آفات لا نُريد أن نعرضَ لها في هذا المقال، ومن أراد تفصيل هذه الآفات فلْيرجع إلى (إحياء علوم الدين)؛ فإنه لم يتركْ في بيانها والكشف عنها قولًا لقائل، وإنما الذي نُريد أن نعرضَه هو الغرض مِن البحث وأصول الآداب التي تُراعي فيه إرشادًا للعامة، وتذكرة للخاصة، والله يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم..

إن الغرض مِن البحث والمناظرة والمراجعة والمحاورة[1] إنما هو الوصول إلى الحق، فمتى استبان الحق وظهَر، فالجدال فيه معاندة ومكابرة، وآفةُ الباحث أن يظنَّ ظهور الحق على يد مناظره هزيمةً له، وحقارةً لشأنه، ولو تأمل قليلًا لأيقن أن الخضوعَ للحق نُبلٌ وفضلٌ، وأنَّ المجادلة فيه سفَه وجهل، ولا يزال الناس على توالي العصور يَذْكُرون بالإعجاب موقفَ عمر رضي الله عنه مِن المرأة التي ردتْ عليه لما نهى عن التغالي في المهور، ولم يكتفِ رضي الله عنه بالرجوع إلى الحق، بل أعلن خطأه وإصابة المرأة على رؤوس الأشهاد؛ إذ قال: أخطأ عمر، وأصابت المرأة! وكان في وسعه أن يُسكتها بقوة بيانه، أو بصولة سلطانه، وإذًا لَمَا سُجِّلت له هذه المنقبة الجليلة والمأثرة النبيلة.
ولقد كان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم يختلفون فيتشاورون، وسرعان ما يرجع أحدهم إلى الحق غير مبالٍ على يد مَن ظَهَر.
.

سأل رجل عليًّا رضي الله عنه فأجابه، فقال: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال: أصبتَ وأخطأتُ، ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 76]، واستدرك ابن مسعود على أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيءٍ وهذا الحبر بين أظهُركم!.

وكتب يحيى بن زيد إلى مالك بن أنس رحمهما الله: بلغني أنك تلبس الدقاق، وتأكل الرقاق، وتجلس على الوطيء، وتجعل على بابك حاجبًا، وقد جلست مجلس العلم، وقد ضُربت إليك المطي، وارتحل إليك الناس، واتخذوك إمامًا، ورضوا بقولك، فاتقِ الله يا مالك، وعليك بالتواضع، كتبت إليك بالنصيحة مني كتابًا ما اطلع عليه غير الله سبحانه وتعالى..

فكتب إليه مالك: سلام الله عليك، أما بعدُ فقد وصل إليَّ كتابك، فوقع مني موقع النصيحة والشفقة والأدب، أمتعك الله بالتقوى، وجزاك بالنصيحة خيرًا، وأسأل الله تعالى التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأما ما ذكرتَ لي أني آكل الرقاق، وألبس الدقاق، وأحتجب وأجلس على الوطيء، فنحن نفعل ذلك، ونستغفر الله تعالى؛ فقد قال الله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾ [الأعراف: 32]، وإني لأعلم أنَّ تَرْكَ ذلك خير مِن الدخول فيه، ولا تدعنا مِن كتابك، فلسنا ندعك من كتابنا، والسلام"..

ولسنا بحاجة إلى التعليق على الكتابين، وما احتويا عليه مِن قوةٍ في الحق، وأدب في الرد، وشكر على قبول النصيحة، مع الاعتراف بالتقصير، على أن التنعُّم بالحلال مِن لذائذ الطعام، وفاخر الثياب، ولين الفراش، لا تعدو الأمر المباح، وليس مالك رحمه الله بالذي يعجز عن مجادلة خصمه بأن هذا مما تمس إليه حاجة العلماء، وربما كان واجبًا في حقِّهم، وكان وسيلةً إلى الإنصات لهم، والأخذ عنهم، إلى غير ذلك من أساليب الجدل والمكابرة، ولكنه مع الإشارة إلى وجهة نظره شَكَر لمناظره، ودعا له، وسأله المزيد مِن نصحه، مع ما فيه مِن شدة وقوة، وإننا نسمع عن الشيوخ السابقين طرفًا مِن رجوعهم إلى الحق على أيدي تلاميذهم، فنكبر ذلك فيهم، وندعو لهم ونترحَّم عليهم، ونرجو أن نجعل منهم قدوة صالحة في هذه الخلَّة النبيلة.

ومِن مزايا الرجوع إلى الحق فضلًا عن الإجلال والإكبار: أن يوجه الباحثين إلى طرق مِن الخير، وأبواب مِن الفضل، غير الذي طرقوه أولًا، ويشجع الحق على المضي في سبيل الحق، واستخراج دفائنه وكنوزه.

ومن العجب العجاب أن أول شرط يتفق عليه المتناظران هو: الوصول إلى الحقيقة، والوقوف عندها، ولكن الهوى يعمي ويصم، فترى كلًّا منهما ينسى ما اشترط، ويحاول بكل ما أوتي من جدل وبيان أن يظفر بخصمه ويظهر عليه، وقد روى الترمذي وابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ [الزخرف: 58]، وإذ بَيَّنَّا أن الغرض مِن المناظرة هو الوصولُ إلى الحق والاستمساك به، كان حقًّا علينا أن نبينَ العلامات التي تدل على ذلك في أحد المتناظرين، أو فيهما معًا، وأهمها:
أولًا: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إلى المناظرة من المجامع والمحافل؛ لأن الخلوة أجمعُ للفكر، وأصفى للذهن، وأدلُّ على الإخلاص، وأقربُ إلى حُسن النية والقصد إلى الحق.
.

ثانيًا: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة يفرح بمن دَلَّه عليها؛ كبيرًا كان أو صغيرًا، عظيمًا كان أو حقيرًا.
ثالثًا: ألا يقاطع صاحبه، وألا يحول بينه وبين الانتقال إلى ما شاء مِن أدلة، وألا يشير إليه بأدنى إشارة مِن الاستخفاف والسُّخرية.
وجملة القول: أن يعامل كل منهما أخاه بما يحب أن يعامل به، هذه جملة من آداب المناظرة والمحاورة، أحببنا أن نُذَكِّر بها القراء والكتاب، لا سيما الباحثين منهم، والقاصدين إلى الحق ابتغاء وجه الحق، وحسبنا قول الله جل ثناؤه: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125].

مجلة الإسلام: السنة التاسعة، العدد 23، 6 جمادى الآخرة، سنة 1359هـ، 12 يوليه 1940م.

المصدر/ شبكة الألوكة.