التواضع العلمي بين التصنُّع والارتياض


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛

:: في رحاب الكتابة الأدبية ::
مقال وعظي؛
أسأل الله تعالى أن ننتفع منه.

أ. السعيد صبحي العيسوي.

التواضع العلمي بين التصنُّع والارتياض

/

/

التواضع العلمي بين التصنُّع والارتياض

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن “التواضع العلمي” من أهم الخصال التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم؛ وهذا المصطلح الكبير يحمل دلالات كبيرة؛ فهو يضم صفات قلبية، وقولية، وفعلية، يجب أن يُوَطنها العبد جميعها؛ ويتمثلها قلباً وقالباً، صورة ومعنى؛ ليحصل الانسجام التام في شخصيته.
.

لكن المقام هنا يهدف إلى تحقيق واقتلاع معقد الاشتباه بين حالتين تُثيران إشكالاً على من أراد سلامة المخبر والطوية؛..

الحالة الأولى: كون التواضع تخلُّقاً وارتياضاً؛ رغبةً في تحريك آلة التواضع والأدب الشرعي ونبذ الفخر والخيلاء….

الحالة الثانية: كون التواضع تصنعاً ومباهاً، فلا يعدو كونه سبيلاً لاجتلاب منائح الفخر والنعوت الحسنة بتصنع الأدب الشرعي، والتزام التواضع، وازدراء النفس في المجامع….

والفارق بين الحالتين: النية؛
فإنَّ التخلُّق بالخلق الحسن سبيل إلى تحلي النفس به وطريقة لتعويدها عليه؛ أما التصنع فهو صنعة بطال يرائي الناس.
.

وهاك تفصيل المقام في الحالين عند الراغب الأصفهاني رحمه الله (المتوفي 502)، يقول:
(التخلُّق والتشُّبه بالأفاضل ضربان:
.

[color=Tealضرب محمود: وذلك ما كان على سبيل الارتياض والتدريب، ويتحرَّاه صاحبه سرَّاً وجهرًا على الوجه الذي ينبغي، وبالمقدار الذي ينبغي، وإياه قصد الشاعر بقوله: ولن تستطيع الخلق حتى تخلقا[/color].

وضرب مذموم:
وذلك ما كان على سبيل المراءاة، ولا يتحراه صاحبه إلا حيث يقصد أن يُذكر به، ويسمى ذلك رياءً وتصنعاً، وتشبُّعاً، ولن ينفك صاحبه من اضطراب يدل على تشبعه كما وجد في كتاب (كليلة): (الطبع المتكلف كلما زدته تثقيفًا ازداد تعقيفًا)،

وعلى ذلك قول الشاعر:
وأسرع مفعول فعلت تغيرًا … تكلف شيء في طباعك ضده
وإياه قصد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رحمه الله - بقوله: "من تخلق للناس بغير ما فيه فضحه الله عز وجل، وحال المتشبع كالجرح يندمل على فساد، فلا بد أن ينبعث ولو كان بعد حين كما قيل:
فإن الجرح ينفر بعد حين … إذا كان البناء على فساد.

وكما أن العضو المفلوج لا يطاوع صاحبه في تحريكه، وإن جاهد، فمتى حركه إلى اليمين تحرك نحو الشمال، وكذا أيضًا الشره والظلوم والمتهور، وإن جاهدوا أنفسهم في إخفائها فإن قواهم تأبى مطاوعتهم، وقد ذم النبي عليه الصلاة والسلام ذلك بقوله: " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور"، تنبيهًا على أنه كاذب بقوله وفعله، فيتضاعف وزره)[1].
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى وآله وصحبه،،

المصدر/ صيد الفوائد.