شذرات في فقد الولد


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛

:: شذرات في فقد الولد ::

:diamonds: :diamonds: :diamonds:

ولدي أحمد:

قدومُك جعلني شاكرا.
ومرضُك جعلني ذاكرا.
ورحيلُك جعلني صابرا.
فما أكبرَ فضلك علي!


قرأتُ قولَ الله تعالى مُتفضلًا على مكيٍّ غني: ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا ﴾
فبكيتُ “أحمد” إذ باتَ مشهودًا ولم يعد شاهدًا.


أشدُّ الحنينِ إلى غائبٍ ترَكَ من حنانهِ صورةً لا تغيب.

:diamonds::diamonds::diamonds::diamonds:

قد يبتليك ربُّك ليجعلَ في قلبِك خشوعًا، وفي نفسِك خضوعًا، وفي عينيك دموعًا…


طائر جريح:

في (25) من رمضان سنة (1433هـ) دخل بيتنا طائرٌ جميلٌ، أنسنا به، وسررنا بدخوله، وسعدنا بوجوده.
كان يمتعُنا بصوته، ويسلينا برفرفة جناحه، ويدخلُ البهجةَ علينا بنظراته.

وذات يوم هبَّتْ ريح عاصفة فنالتْ منه، وشعرنا كأنَّ جناحه قد كُسِرَ، وأنَّ ألمًا سكنَ نفسه، فلم يعد ذلك الطائر البهيج…
وحملناه إلى كل مَنْ رجونا عنده دواء يقضي على الداء، فما وجدَ عندهم ما يشفي العلة، ويصرفُ الألم، ويعيدُ للجناحِ الكسيرِ القوة على التحليق والطيران…
وكانت نظراتُ ذلك الطائر الجميل تحملُ الكثير من معاني الامتنان، والحزن والدموع…
وكنا نشاطرُه المعاني ذاتها.


وأخيرًا تقرَّرَ أنْ تحملَ ذلك الطائرَ طائرةٌ تقطعُ الآفاقَ إلى حيث مظنة الترياق…
وكانت الرحلة بجناحي الأمل والرجاء، مصحوبين بالبسمة والبكاء…
وهناك وبعد خمسة عشر أسبوعًا تزاحمتْ فيها الآمالُ والآلامُ نهضَ الطائرُ من بيننا، وحطَّ على غصنِ شجرة، وبدأ ينظر إلينا مُودِّعًا… وفهمنا مِنْ نظراته الحانية أنه يقول:
أشكركم وأستأذنكم.


لقد شاء اللهُ أنْ يلحقني بجواره وهو خيرٌ لي…
لا تنسوني وأنا لن أنساكم… وسأنتظرُكم على بابِ جنةٍ هي خيرٌ من كل ما في الدنيا مِنْ كنوزٍ ورموزٍ…
وذهب مُحلقًا في السماء…
كان ذلك ليلة الجمعة (12) من رجب سنة (1436هـ).


قال ابن نباتة: محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الجذامي الفارقي المصري، أبو بكر، جمال الدين (المتوفى سنة 768هـ) وقد مات له طفل:
يا راحلًا مِنْ بعد ما أقبلتْ
مخائلٌ للخيرِ مرجوَّه
لم تكتملْ “حولًا” وأورثتَني
ضعفًا فلا حولَ ولا قوَّه[1]


وقال الشهاب المنصوري (ت: 887هـ) يرثي ولدَه:
قضى ولدي ولم يمْسَسْهُ سوءٌ
وفازَ من الكريمِ بما لديهِ
فيا فرَحي بما أفضى إليهِ
من الحُسنى ويا حُزني عليهِ[2]


بنت الأستاذ الشيخ عبدالكريم الدبان رحمه الله.

حدَّثني الأخ السيد صهيب بن الشيخ جمال بن الشيخ عبدالكريم الدَّبان التكريتي قال:
كان لجدي بنتٌ ذات سبع سنين، وكانتْ وردةَ المنزل، جميلةً مبتسمةً دائمًا، وقد أصابها يومًا وهنٌ شديدٌ، وسخونةُ جسدٍ، فحملوها إلى المعالجين، وبعد أيامٍ تدهورتْ صحتُها كثيرًا، وقرَّر المعالجون إجراء عملية جراحية، وعندما بلغَ جدِّي الأمرُ وأنَّ وضعها أصبح خطيرًا تكدَّر وجهُه، وأصبحَ الهمُّ والألمُ مُحيطًا به،
وخاف أولادُه عليه من شدة الحزن.


حدَّثني والدي الشيخ جمال قال: وما دخلتْ صغيرتنا الجميلة غرفة العمليات إلا قليلًا ولحقتْ بجوار ربها، وقد استجمعتُ قواي لأخبر الوالد، وكنتُ أخشى عليه مِنْ شدة وقع الخبر، ودخلتُ عليه فوجدتُه متوجهًا إلى القبلة، الهمُّ أثقلَ كاهلَه، والحزنُ والتعبُ باديان عليه، فأخبرته أن ابنته الغالية على قلبه تُوفيتْ، وإذا بالهم يزول، والحزن يغادره، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكأنما لم يؤلمه الخبر، بل حصل العكس، وصرتُ في حيرة مع نفسي.

وبعد مضي أسابيع قلتُ له: لقد كنتُ خشيتُ أنْ أخبرَك بوفاة شقيقتي فيصيبك مكروهٌ؛ لما رأيتُ من اهتمامِك وحُزنك، ولما أعرفُ من حنانك، لكن كأنما لم يؤثر الخبرُ فيك! فتبسَّم وقال: كانتْ عندي فخشيتُ التقصيرَ، وأنْ أُسألَ عنها، فلما انتقلتْ إلى جوارِ الكريم لم أعدْ أخشى عليها شيئًا، وهي تُعينني في آخرتي.


توأم:

كتبَ إليَّ الأخ الدكتور أنس مهدي العران السامرائي:
في عام (1997م) رزقني الله بتوأم: براء وبهاء، وبعد شهرين ونصفٍ تُوفي بهاء، -أسأل الله أنْ يسقيني وأمَّه بيدهِ يوم العطش الأكبر-.
والآن كلما رأيتُ براء –وقد أصبح شابًا والحمدُ لله- أتذكرُ أخاه بهاء الذي كان يشبهه تمامًا.
والحمد لله على نعمهِ التي لا يسعنا شكرُها مهما شكرنا.

[1] ذكرهما السيوطي في الجزء السابع من “تذكرته”: “الفلك المشحون”.
[2] ذكرهما السيوطي في الجزء السابع من “تذكرته”: “الفلك المشحون”.

اللهمّ احفَظ لنا أهلينا.

كتبه/ د. عبدالحكيم الأنيس.
المصدر: شبكة الألوكة.