لا تحزن يا أقصانا


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛

:: في رحاب الكتابة الأدبية ::
مقال
أسأل الله تعالى أن ننتفع منه.

أ. عبدالمجيد محمد مباركي.

لا تحزن يا أقصانا

/

/

لا تحزن يا أقصانا

قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1].
في المسجد الأقصى المبارك صلى رسولُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم بالأنبياء إمامًا، كما صلَّى في ساحته أمير المؤمنين عمرُ بن الخطاب، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وخالد بن الوليد، وعبدالرحمن بن عوف وغيرهم من مئات الصحابة رضي الله عنهم، وفي جنبات الأقصى رفع الصحابيُّ الجليل بلال بنُ رباح الأذانَ بصوته النَّدِي، وفي ظلِّ هذا البيت دُفن العديدُ من الصحابة الكرام، وعلى رأسهم عُبادة بن الصامت أول قاضٍ للإسلام في بيت المقدس، وما من شبر من أرضه إلا وشهد ملحمةً أو بطولة تحكي لنا مجدًا من أمجاد المسلمين.
.

إن الفلسطينيين والعرب والمسلمين لن يسمحوا بتَكرار ما حدث في المسجد الإبراهيمي بالخليل، وسيدافعون عن الأقصى بكل ما يملكون، إنَّه الأقصى أسمى من أن يتأثر بتصرُّفات حاقدة، وتصريحات باطلة، لقد كانت مدينة القدس سببًا في وحدة المسلمين أيام الصليبيين، وهي التي ستوحِّد العرب والمسلمين إن شاء الله[1]. .

قِبلة المسلمين الأُولى، وثاني المساجد التي بُنيت على وجه البسيطة، وثالث الحرمينِ، بُنِيَ بعد الحرم المكي بأربعين عامًا كما في الصحيحين عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وللمسلمين حنينٌ إليه، وشوق للصلاة فيه وعمارته كما كان السلف يعمرونه ويسرجونه بالزيت ليضيء، وكان ذلك جهد المُقِل، وللأقصى محبةٌ في قلوب المسلمين، وتعظيمٌ له كما للحرمين الشريفين، وهو ثالث المساجد التي تُشدُّ إليها الرِّحال كما في سنن ابن ماجه عن أبي سعيد وعبدالله بن عمرو رضي الله عنهم، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجدَ: إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد الأقصَى، وإلى مَسجِدي هذا))..

. .

• وبعد حقبة من الزمن احتله الصليبيُّون في يوم الجمعة 22 شعبان 492هـ، 15يوليو 1099م، وأعقب ذلك مذبحة فظيعة، وأبيحت المدينة للسلب والنَّهب، وفاض الدم، وظلت الجثث مطروحةً في شوارع القدس عدة أيام، وفي هذا الجو الموحش الكئيب، اجتمع الصليبيُّون في كنيسة القيامة لأداء صلاة الشكر، وهكذا تمَّ زرع الكيان الصليبي في الشرق العربي[3]..

• وبقي في الأسر إلى أن قيَّض الله له رجالًا أبطالًا؛ كعماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، والناصر صلاح الدين الأيوبي، وقد جاءت إليه رسالة معاتبة تقول:
يا أيُّها الملِكُ الذي لمَعالمِ الصُّلبان نكَّسْ جاءت إليك ظُلامةٌ تسعى من البيت المقدَّسْ كلُّ المساجد طُهِّرت وأنا على شرفي أُنَجَّسْ
.

• حزَّ ذلك في نفس القائد العظيم والفاتح المظفَّر؛ الناصر صلاح الدين، فما ابتسم بعد ذلك ولا ضحك - كما قيل - ثم انطلق يجمع المسلمين، ويبثُّ فيهم رُوح الحماسة، ويؤاخي بينهم؛ حتى قويت شوكتُهم، وعظُمت مهابتهم، واشتدَّ عُودُهم، فأصبحوا على قلب رجل واحد، حينها خاض الحروبَ والمعارك، فأسقط القيود والحدود، فدانت له القلاعُ والحصون، ففتح الله على يديه في معركة حطين يوم: 24 ربيع الثاني 582 هجرية/ 04 يوليو 1187، وبذلك تمَّ تدميرُ أكبر جيشٍ صليبي أمكن جمعه منذ قيام الكيان الصليبيِّ، وما حدث بعد حطين كان أشبه بنزهة عسكرية؛ إذ سارعت المدن والقلاع الصليبية إلى الاستسلام؛ إما لصلاح الدين شخصيًّا، وإما لقادة جيوشه، وتمَّ أخذُ عكَّا، ويافا، وبيروت، وجبيل، ثم عسقلان، وغزة، وفي أواخر جمادى الآخرة سنة 583هـ/ سبتمبر1187م اتَّجه صلاح الدين صوبَ القدس، وبعد حصارٍ قصير دخل صلاح الدين وقواته المدينة المقدَّسة في: 27 رجب 583هـ/ 02 أكتوبر 1187م بصورة إنسانية، تناقض وحشيةَ الصليبيين حين غزَوها قبل بضع وثمانين سنة، وأقيمت خُطبة الجمعة في المدينة المحرَّرة بعد أن ظلَّت ممنوعةً طويلًا[4]..

فكان خيرًا لهم وأرحم بهم من أنفسهم، وبعد أن مات صلاح الدين جاء الحاقدون إلى قبره ووطئوه بخيولهم، ثم قالوا: ها نحن عدنا يا صلاح الدين - شماتة الأعداء - وكانوا يهابون لُقياه حيًّا، وقد خلا لهم المكان فباضوا وفرخوا، وسقط الأقصى مرةً أخرى أسيرًا في يد الصليبيين.
وقد تمكَّن الصالح نجم الدين أيوب من أخذ بيت المقدس بواسطة الخوارزمية سنة 624هـ/ 1244م، وكانت تلك الاستعادة الأخيرة لبيت المقدس التي ظلَّت بيد المسلمين والعرب حوالي سبعة قرون، قبل أن يدخلها جيشٌ أوروبيٌّ آخر، وقبل أن يحتلَّها الصهاينة[5].

فسلِّمت لليهود كوطن قومي يأتون بهم من كل حدب وصوب، وكان ذلك سنة 1948م، ومنذ ذلك الحين والأقصى يئنُّ، وفلسطين الأبية تُسامُ القتل والتنكيل والزَّج بأهلها في غيابات السجون والمعتقلات، فقُتل الرجال، ورمِّل النساء، وشرِّد الأطفال، ثم أجلوا السكان الأصليين أهل الأرض الطيبة إلى الشتات ومخيمات اللاجئين، بعد أن جيء بهذا الغاصب المعتدي، فعاث في الأرض فسادًا؛ فبدَّل المعالم، وشوَّه السمات، وحفر تحت البيت ليبني هيكله المزعوم، ومعبده المشؤوم، فقوَّض بنيانه، وزعزع أركانه جراء الحفريات للأنفاق أسفل منه، وقد أسند ظهره للقوى الغاشمة، فكانت له ظهيرًا ونصيرًا، فمدَّته - ولا زالت - كذلك ماديًّا ومعنويًّا، ولا يخفى ذلك على أحد، فولاؤهم للصهاينة ظاهرٌ، وسندهم للمرتزقة قويٌّ، وكل ذلك في غفلة المسلمين وتغافلهم، وسباتهم العميق، ورقادهم الذي طال، فرقصت على جثث الأسود كلابٌ، فالخَطْب جلل، والأمر خطر، وقد بلغ مداه، ولا يزال الصهاينة يعيثون في الأرض فسادًا، ما لم يردعهم رادعٌ، ويلجمهم لاجم.

مع ذلك تصدَّى أبطال فلسطين الأشاوس، وفلذات أكبادها المغاوير منذ وطئت أقدام الصهاينة الأرض المباركة رجالًا ونساءً، كهولًا وشيوخًا بما يملكون، بعون إخوانهم من العرب والمسلمين، فلقَّنوا المحتلَّ دروسًا وعبرًا أقضَّت مضاجعهم، وأسهرت ليلهم، فعاشوا الرُّعب والخوف والهلع إلى يوم الناس هذا، برغم جبروتهم وطغيانهم على الأبرياء العُزَّل والضعفاء المساكين، ولا تزال انتفاضة الشباب في القدس والضفة والخليل وكل فلسطين تسومهم سوء العذاب، وتلقِّنهم الدروسَ والعِبَر، بأهلها الذين ارتقوا شهداء كما لقنتهم من قبل غزة العزة، ولا زالت كذلك شامخةً رافعةً رايةَ الجهاد.

قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8].
والله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، والله أكبر، الله أكبر، نَصَر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، ولله الحمـد والمنَّة.

وسيأتي على الغاصب يومٌ من أيام الله الخالدة يُنطِق الله تعالى فيه الشجرَ والحجر؛ كما جاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتُلُهم المسلمون حتى يختبئَ اليهوديُّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهوديٌ خلفي؛ فتعالَ فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود)).

المصدر/ شبكة الألوكة.

اللّهم حرّر المسجد الأقصى من درن اليهود.