لا تقرأ كتابًا بعد اليوم!


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛

:: مقالٌ قيّم ::
ومادة نافعة؛ أسأل الله تعالى أن ننتفع منها.

لا تقرأ كتابًا بعد اليوم!

أ. أحمد بن عبد المحسن العساف.

/

/

لا تقرأ كتابًا بعد اليوم

فعل القراءة يحوي مع الجمال طريقاً نحو الكمال، ويعزز الحرية الشخصية مع المسؤولية التامة عما يختاره القارئ، وفي كيفية التعامل معه، فضلاً عن فهم النص، وموافقته أو معارضته، إلى غير ذلك من التواصل مع معارف وحضارات، وأزمنة سالفة أو قادمة.

وربما لا يطرأ على بال الإنسان القارئ أن هذا الفعل النفيس يمكن أن يتجاوز حدود التقسيم الثنائي: قرأتُ أو لم أقرأ، وقد لا يتصور الكاتب أن الاستغراق في القراءة تعيق عملية الكتابة، وتحول أحياناً بين الإنسان وبين المضي في إجابة دواعي الكتابة، ولذا فقد تكون النصيحة الثانية للكاتب بعد اقرأ: توقف عن القراءة من فورك!

وما أكثر الكتب على رفوف المكتبات الشخصية والعامة، وفي كل مكان من بيوت المثقفين مما يحنق الزوجات والأبناء، هذا غير ما يطبع يومياً من كتب متنوعة في كل فن، فهل يقدر المرء على قراءة أغلب هذه الكتب بله كلها؟ وكيف يمكنه تجاوز ذلك بما ينفعه ولا يشينه

هذه الأسئلة وغيرها، يطرحها بجرأة، ويجيب عنها بإبداع، الأكاديمي وعالم النفس الفرنسي بيير بايار، في كتاب مثير صارخ العنوان: كيف تتحدث عن كتاب لم تقرأه؟ صدرت طبعته العربية الأولى عن دار كلمات عام (2016م)، وترجمها غسان لطفي، ويتكون من مقدمة للمترجم وأخرى للمؤلف، ثم ثلاثة أقسام، فخاتمة، ويقع في (260) صفحة من القطع المتوسط.

[color=green] هذا كتاب فريد في بابه، ويستحق عناء قراءته، هكذا افتتح المترجم مقدمته، واعترف بأن عنوان الكتاب جعله يقطِّب مغضباً من أول وهلة، ولم تمنعه الصدمة من قراءة الكتاب، لعراقة الدار الفرنسية الناشرة له، ولمكانة المؤلف في عالم الأدب.

ويختصر المترجم غاية المؤلف إلى نزع “القداسة” عن القراءة، وعن الكاتب، والنص، والنقد، مع تخفيف حدة الشعور بالذنب تجاه كتب لم يستطع الواحد قراءتها، واعتبار النسيان جزءاً من القراءة وليس آفة لها. ولأجل تعزيز هذه المفاهيم سعى المؤلف إلى تجاوز الثنائية في تقسيم القراءة إلى فعل وعدم فعل، وأعاد النظر في مفهوم القراءة واللاقراءة. [/color]

وقال المؤلف في البداية إنه تعرض إلى مواقف مزعجة، حين يطلب منه التحدث عن كتب لم يقرأها، أو يكتب رأيه عما ينشر من مقالات وكتب، وبعد معاناة وممارسة، تكونت لديه خبرة في فعل اللاقراءة، ورغب في أن يتشارك مع القراء في هذه الخبرة العميقة، وهذه المشاركة تستلزم شجاعة لأنها تخوض في مجال غير مطروق، وتتضمن صراحة يراها البعض محرجة.

ويحاط فعل اللاقراءة بإكراهات عديدة، أشدها ثلاثة:
الأول: واجب القراءة كي لا نفقد تقدير الآخرين.
الثاني: ضرورة القراءة الكاملة، وازدراء ما دون ذلك من اختصار.
الثالث: الكلام على الكتب بعد قراءتها، والمؤلف يراهن على إمكانية خوض نقاش محتدم عن كتاب دون قراءته؛ وهذه ليست تسويقاً للادعاء الفج كما سيظهر لاحقاً.
ونجم عن هذه الإكراهات نفاق عام بشأن القراءة، فقلما يعترف إنسان بأنه لم يقرأ كتاباً مشهوراً، أو معروضاً للنقاش في ساحة عامة أو خاصة، وهذا النفاق ليس بين العامة بل يقتحم أوساط أهل الاختصاص، وعلة هذا الكذب على النفس وعلى الآخرين هي تجاوز الشعور بالذنب من عدم القراءة، وللتنفيس عن هذا الشعور ألَّف بايارد كتابه هذا.

[color=brown]وفي الختام كرر بايارد مفاهيمه المنثورة في الكتاب، داعياً المرء إلى أن يستمع لذاته، ويحرر نفسه من القيود الثقافية الوهمية، ويتجاوز عقدة الشعور بالذنب لأنه لم يقرأ، ليصبح صانعاً للكلمة المبدعة، النابعة من نفسه، السالمة من أسر غيره، ومن التيه الدائم في أفكار الآخرين، لترتفع لدى الإنسان الجرأة على الكتابة.

وهذه الأبعاد تفتح لنا عالماً جديداً في النظر للكتاب وعملية القراءة، وهي محفزة تجاه هذا الفعل الراقي وليس حاجزة عنه، بيد أنها تعلمنا القراءة بذكاء، على ألا نقع في مصيدة التشبع بما لم نعط، أو سمج الدعاوى، والأهم من ذلك إدراك علاقات الكتب، وأنواع المكتبات، بيد أن الفكرة الأسمى هي إطلاق العنان للإبداع الفردي بالكتابة، وإخراج مكنون النفس المفيد.[/color]

المصدر/ صيد الفوائد.

اللهم علّمنا ما ينفعنا.