لماذا نصر على هجر القراءة؟


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛

:: في رحاب الموعظة ::
مقال مختار؛
أسأل الله تعالى أن ننتفع منه.

أ. محمد الواتي.

لماذا نصر على هجر القراءة؟

/

/

لماذا نصر على هجر القراءة؟

يزعجني هذا السؤالُ، ويثير حفيظتي، فأحمل قلمًا وورقة محاوِلًا الإجابةَ عنه، فأَعجِز عن اقتحام جدرانه وفتح أبوابِه، ثم أرمي القلمَ وأمزِّق الورقةَ، وأُمسك عن التفكير فيه، فأُوهم نفسي بأنني نسيتُه وتركته في يمِّ الإهمال، فيعاودني الزيارةَ مرة أخرى، فلما أتهيَّأ للكتابة فيه، أجدني تائهًا في بحر واسعٍ عميق لا بداية له ولا انتهاء، فأفعل بالقلم والورقة ما فعلتُ بهما في المرة السابقة؛ فأدفع عني مشقَّة التفكير فيه، وتعبَ الكتابة فيه..

والإنسان ميَّالٌ إلى الراحة والدَّعَة إلا فيما يحبُّ ويهوى؛ فالطِّفل الصغيرُ يرى الكبار يمشون فيحاول تقليدَهم، فيسقط ويبكي، ويعاود الكرَّة حتى يستوثق له الأمر، ويحقِّق مراده، وكذلك أنا، فإنني أسير بخطوات مرتجفة ثقيلة نحو “الكتابة”، فما زلت أسقط وأقوم، وأعاود الكرَّة آملًا أن أصل إلى هدفي، فعاودني ذلك الموضوعُ الزيارةَ بعد أن نامت الحياة وعمَّ السكون، فحملتُ القلم ووطَّنت نفسي على أن أكتب فيه، فلما فسحت للقلم في الكتابة، بعُدت عليَّ الشُّقةُ، وحال بيني وبينها ضجيج الأفكار المتصارعة في ذهني! فقلت: السكون أحسن من الهذر الذي لا يُرجع منه إلى نفع، فوضعت القلم، وحملت الملاءة، وسِرت إلى مرقدي أجُرُّ أذيال الخيبة والفشل..

[color=green]وها هو يزورني مرة أخرى، بعد أن مضت أيام، أضربت عنه، وحاولت ألا أعيرَه أيَّ اهتمام؛ لكنه أصرَّ على إزعاجي، فأخذت القلم بيدٍ مضطربة، وشرعت أكتب:

الكتاب هو ذلك الغريب بيننا، الذي نصرُّ على هِجرانه وإهماله ومعاداته، وكأنه سبب هذه النكَبات التي نرزح تحت رحمتها منذ قرون طويلة!

استمرَأْنا حياةَ الجهل؛ ففشا فينا التخلُّف، وعمَّ أقطارَنا الظَّلامُ، فتُهنا في صحاري التشرذم القاحلة، وتقهقرنا عن ركب الحضارة، وصرنا أذلَّ أمَّة بعد أن كنَّا خيرها![/color].

[color=brown]لماذا نصرُّ على هجر القراءة؟

هذا هو السؤال الذي أعجزني جوابُه، ولم أستطع إلى فكِّ لغزه سبيلًا، غزا فكري واكتنفه بعد أن جرت لي حادثةٌ مع أحد الأصدقاء، والقصة تبدأ حينما بصر بي ذلك الصديقُ أحمل كتابًا أقرأ فيه، فقال لي بثقة كادت تعصف يقيني الثابتَ بأهمية الكتاب: دعك من تلك الكتب إلى أن تفرغَ لها في العطلة الصيفية، وأنفق جلَّ أوقاتك في المراجعة والمذاكرة![/color].

[color=navy]فقلت له: وهل أنت تجعل كلَّ أوقاتك في ذلك؟

فقال لي بافتخار: لا! ثم أردف: إنني لا أشقُّ على نفسي، ولا أتعبها… أقضي طرفًا من يومي في التنزُّه والترفُّه!

فسكَتَ، وسكتُّ، ثم غادر المكان الذي كان يجمعنا ببعض الأصدقاء، فعدت إلى دفن وجهي في الكتاب، غير عابئ بكلامه ذاك.[/color].

ولو استمر الحوار بيني وبينه، لقلت له: إنك يا أيها المسكين تظن أن القراءة والمطالعة مشقَّة وتعبٌ للنفس، وما دريت ولا دار لك بخَلَد أنَّ القراءة بالنسبة لي هي متعة ولذَّة، أستقي منها رحيقَ الكتب النافعة، وأشَمُّ نسمات الوعي النَّدية، فهي خير لي من جوب الأزقَّة بلا هدف. .

بل إنَّ كلامَك هذا مرتَبِك، لا يمتُّ للواقع بسبب، فأنت في الأول تنصحني بفراق الكتب والتفرغ للدروس والمواد، ثمَّ بعد أن سألتك عن الساعات التي تخصِّصها للمذاكرة، تهربت عن الجواب؛ لأنَّك أدركت قصدي، وفهمت مغزى كلامي، وهو أنني بذلك السؤال كنت أهدف إلى القول لك: إنه لا يمكنك أن تذاكر دروسَك في كلِّ الأوقات، فلا بد من قسط للرَّاحة تجعل بعضًا منه للمطالعة، لكنك كشفت أمرك، وأبَنْت عن حقيقة نفسك الكارهةِ للقراءة حينما قلت: إنني لا أُتعب نفسي؛ فالقراءة بالنسبة لك تعب ومشقَّة! .

وإنني لأسمعُ مثل هذا الكلام من أفواه الكثير من الأصدقاء، وأضعفُهم جرأة أولئك الذين إن رأوني أحمل كتابًا نظروا إليَّ نظرَ المغشيِّ عليه من الموت! .

فإلى متى نصرُّ على هِجران القراءة؟ .

لننظر إلى الأمم المتقدِّمة علينا كيف يعتنون بالكتاب أيما اعتناء؛ لأنهم أدرَكوا دورَه الخطير في رُقي الفرد والجماعة، ونحن المنحدرين في دَرَكَات التخلُّف ما زلنا نأبى إلا مقاطعتَه وهجرانه! .

فكيف نلحق بهم؟!

أمَا آن لنا أنْ نربط الصلة بالكتاب النافع من جديد؟
أما آن لك أنت أيَّها المحبُّ للقراءة أن تهُبَّ للدعوة إلى الكتاب، وتبدأ بالأقرب فالأقرب؟
يا معشر المقاطعين للقراءة، “إنَّ العدوَّ بعرعرة الجبل، ونحن بحضيضه”.
.

المصدر/ شبكة الألوكة.

اللهم إنا نعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل.