ما الفقر أخشى عليكم


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخوتي وأخواتي المهندسين والمهندسات؛
مقال نافع - بحوله تعالى - حيث الشكر والعرفان.

ما الفقر أخشى عليكم

/

<img src="/uploads/default/original/2X/2/2d8650abbde66b81a294f1f9d64b78aec80ed16c.png" width=“360” height="144

/

ما الفقر أخشى عليكم

الفَقرُ والغِنى مِحْنتانِ مِنَ اللهِ تعالى وبَلِيَّتانِ يبلو بهما أخيارَ عِبادِه؛ لِيَظهرَ صبرُ الصَّابِرينَ وشُكْرُ الشَّاكرينَ، وإذا أردنا البيان فلا أفضل من مجلس المصطفى صلى الله عليه وسلم نستمع فيها أروع الكلام، وصدق خير الأنان، ونصح أطهر من مشى على الأرض وسار ومع المجلس الفخم المفخم:
حديث عمرو بن عوف المزني: ((أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعث أبا عُبَيْدَةَ بنَ الجرَّاحِ إلى البحرَينِ يأْتي بجِزْيَتِها، وكان رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صالحَ أهلَ البحرَينِ وأمَّرَ عليهمُ العَلاَءَ بنَ الحضْرَميِّ، فقَدِمَ أبو عُبَيْدَةَ بمالٍ مِن البحرَينِ، فسمعتِ الأنصارُ بِقُدُومِ أبي عُبَيْدَةَ، فوافوا صلاة الفجر معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلما انصرف تَعَرَّضوا لهُ، فتبَسَّمَ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين رآهم، ثم قال: (أظُنُّكم سمِعْتُم أنَّ أبا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بشَيءٍ). قالوا: أجل يا رسولَ اللهِ، قال: (فأبْشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكم، فواللهِ ما الفقرَ أخشَى عليكم، ولكني أخشى أن تُبْسَطَ عليكُمُ الدُّنيا، كما بُسطت على من كان من قبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهْلِكَكُمْ كما أهلكتْهُم)) رواه البخاري ومسلم.
في رواية: “وتُلهيكم كما ألهَتهم”…

/

نقف مع هذا الحديث لنطرح مسائل منها:
محبة المال:
إن هناك أموراً فطرية وغرائز ربانية وضعها الله ابتلاء للبشر، وجعل لكل غريزة مصرفين مصرف مذموم، ومصرف محمود، فالمال وحبه والفرح به أمر جبلِّي ينتج عنه في صورته الطبيعية استعماله في طاعة الله وهذه قناة يكتسب فيها الإنسان عافية في البدن وأجر في العمل، ومن هذا حديث: ((وإنك مهما أنفقتَ من نفقةٍ فإنها صدقةٌ، حتى اللقمةَ التي ترفعها إلى في امرأتِك)) رواه البخاري.

ما الأفضل الفقر أم الغنى؟
هذا سؤال خطير المقام لأنه يحدد ربما مسيرة العمر، ولن يكون الجواب صواباً ما لم ننظر بمنظار الشريعة لأنها تصور لنا الدنيا والآخرة، وتضعهما في الميزان الذي به ينال المرء حظه ونصيبه:
قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ فقرن الطغيان بالغنى، وقال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ مدحهم بأنها لا تلهيهم، لكنهم في شغل مع التجارة.
حديث: ((اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ منَ الكسلِ والهرَمِ والمغرمِ والمأثمِ اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ من عذابِ النَّارِ وفتنةِ النَّارِ وفتنةِ القبرِ وعذابِ القبرِ وشرِّ فتنةِ الغنى وشرِّ فتنةِ الفقرِ…)) البخاري.
ومن هنا وإن كان الفقير أقرب إلى السلامة ومضرة فقره مضرة دنيوية في الغالب، وهو منصرف عن الدنيا والمنافسة فيها فهو ممدوح من هذا الوجوه، فإن الغني له مكانته في نفع الناس وقضاء حوائجهم والصرف على قنوات الخير فنفعه متعدي فهو ممدوح من هذا الوجه.

[color=green]عدم النكارة على من أقبل من أجل المال:

لم ينكر صلى الله عليه وسلم إقبال الناس من أجل المال، خاصة وقد سمى الله تعالى المال خيرا في مواضع كثيرة من القرآن فقال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات:8] وقال: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ [البقرة: 180] وقال تعالى عن سليمان عليه السلام: ﴿ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ﴾.
قال ابن رجب: (وفي ذلك دليل على: أن المال ليس بخير على الإطلاق بل منه خير ومنه شر من يأخذه بحقه ويصرفه في حقه ومن يأخذه من غير حقه ويصرفه في غير حقه فالمال في حق الأول خير وفي حق الثاني شر).
ولكن الإنسان يصبر في حال دون حال كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.
إذن لا يثرب من أحب المال حباً طبعياً وقد نوى في نفسه وعزم ألا يأخذه إلا من حله ولا يصرفه إلا في حله.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.[/color]

يقول خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ، رضي اللَّه عنه، قال: “هَاجَرْنَا مَعَ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَلْتَمِسُ وَجهَ اللَّه تعالى فَوَقَعَ أَجْرُنا عَلى اللَّه، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يأْكُلْ مِنْ أَجرِهِ شَيْئاً. مِنْهُم مُصْعَبُ بن عَمَيْر، رضي اللَّه عنه، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنا بهَا رَأْسَهُ، بَدَتْ رجْلاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ، بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنا رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلى رجْليهِ شَيْئاً مِنَ الإِذْخِرِ. ومِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ. فَهُوَ يَهدبُهَا” [البخاري ومسلم].
هذا النصح الذي عرف به سيد المرسلين وخيرة الخلق أجمعين قال ابن علان الصديقي: “… قال الطيبي: لأن الأب الدنيوي يخشى على ولده الفقر الدنيوي، والأب الديني يخشى على ولده الفقر الديني”)).
لم يبخل صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الناس بنصحه للناس وكان يريد لهم الباقي وذلك بدفع الفاني له ثمناً رحمة بهم وشفقة عليهم ومحبة لهم وحسن صحبة وطيب معشر وخير قدوة وأعظم عبودية في الدعوة إلى الله…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتهى.

/
كتبه: أ. عطية بن عبدالله الباحوث.
المصدر/ شبكة الألوكة.