أسطورة النقود تنفجر ولغز التمويل ينحل!

منقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــول
أسطورةالنقود تنفجر ولغز التمويل ينحل!! ـ محمد يوسف عدس : بتاريخ 6 - 1 - 2008
قد تسوق الصدفةللإنسان أحياناً – ومن حيث لا يحتسب – فرصة تيسرعليه بعض الصعوبات المعرفية، وهذه القصة واحدة منهذه الصدف السعيدة التي أفادتني في فهم حقائقاقتصادية كانت مستغلقة علىّ، ومكنتني من الربط بيننثارها فانتظمت في عقد واحد واكتسبت إضاءةجديدة.
مؤلف هذه القصة رجل اقتصاد كندي اسمه "لويس إيفين" أراد أن يبسط الأمور لغير المختصين منأمثالي حتى يتسنى لهم استيعاب القضية دون أن يصطدموابالمصطلحات المعجمية أو الخلافات النظرية .. ولاتكتسب هذه القصة المثيرة قيمتها الحقيقة من شهرةمؤلفها بقدر ما تكتسبها من المضمون الذي تنطوي عليهوالمغزى الإنساني الذي تلمح إليه.
أما بالنسبة ليفقد كانت باباً جديداً إلى عالم من المعارف والأفكاروالأشخاص تبينت فيه أن عدداً لا بأس به من المفكرينالغربيين يبشرون بنظام اقتصادي جديد متحرر منالفائدة، لأنهم يعتقدون أن النظام الاقتصاديالتقليدي السائد قد تسبب في خراب المجتمعات على مرّالعصور.
وأنه كان دائماً وراء الكوارث الاقتصاديةوالجشع الرأسمالي والحروب المدمرة ونهب ثرواتالشعوب، وأحد أسباب الفقر والجوع التي تعصف بشعوبالعالم الثالث.
والقصة بعد هذا حكاية بسيطة صاغهاخيال المؤلف على غرار قصة “حي بن يقظان” العربيةوقصة “روبنسون كروزو” الإنجليزية، ولها مذاق جذاب منمغامرات السندباد البحري الذي ألقت به المقادير علىشواطئ جزر عجيبة خلال رحلاته المثيرة.

جزيرةالخلاصسفينة تحطمت في المحيط الهائج فغرقركابها فيما عدا خمسة منهم تعلقوا ببعض حطام عائمألقى بهم على شاطئ جزيرة مهجورة … حيث ظلت عيونهملساعات طويلة معلقة بالأفق البعيد عسى أن تقترب منهمسفينة إنقاذ تعود بهم إلى حياة الحضارة والأهل بعدأن تقطعت بهم الأسباب، ولكن مازال الأمل يتسرب مننفوسهم حتى تبين لهم أنهم ماكثون في هذه الجزيرة إلىما شاء الله … فشرعوا يتجولون في الجزيرة يستكشفونأرضها ويتعرفون على ما فيها … فقد أصبحت وطنهمالجديد.
كانوا خمسة رجال كنديين: فرانك وهو نجارضخم البدن مفعم بالحيوية، وبول فلاح إعتاد على الصبروالحياة الشاقة، وجيم مربى ناجح للحيوان، وهارىمتخصص في الزراعة، وتوم خبير في المناجموالتعدين.
الاستطلاعات الأولية رفعت روحهمالمعنوية فلم تكن الجزيرة صخرة جرداء ولكن بهاحيوانات قابلة للاستئناس والاستخدام، قال جيم أناكفيل بذلك، ووجد بول مساحات كبيرة من الأرض صالحةللزراعة، واكتشف هارى في الغابة أشجار فاكهة مختلفةتحتاج إلى شئ من العناية، أما فرانك فقد وجد أن أكثرأشجار الغابة مصدر لأخشاب جيدة تصلح لبناء المنازل،ثم جاء توم بخبر سعيد فقد تبين له أن التركيبةالصخرية للجزيرة تدل على وجود معادن كثيرةفيها.
مضت الأيام سراعاً وبدأت الجزيرة تزدهربفضل العمل الدؤوب للرجال الخمسة .. لم تكن ثروةالجزيرة من الذهب أو أوراق البنكنوت ولكن من أشياءذات قيمة حقيقة، ثروة من الطعام والملابس والمساكنوغير ذلك من أشياء يحتاجها الإنسان لمواصلةحياته.
كل واحد منهم اشتغل في صنعته فأنتج فيهاإنتاجاً وفيراً، وما زاد عن حاجته كان يتبادل به علىأشياء فائضة من إنتاج الآخرين.
لم تكن الحياةكاملة كما ينبغي أو كما اعتادوا عليها في الماضي .. ولكنهم كانوا يعللون أنفسهم بأنها فترة ستنقضي ثميعودون إلى وطنهم وأسرهم، وحمدوا الله أنهم لميعانوا ذلك الكساد الاقتصادي الذي خبروه بعض الوقتفي كندا، فهم يتذكرون الأمعاء الفارغة جنباً إلى جنببجوار المحلات الحافلة بالطعام والبضائع .. علىالأقل .. في هذه الجزيرة – لا يرون الأشياء التيحرموا منها تتعفن أمام أعينهم، ولا يقلقون منالضرائب ولا يعيشون في خوف من حملات الشرطة علىبيوتهم قبل الفجر.
اعتاد الرجال أن يجلسوا معاًكل يوم للحديث في شئونهم ومشكلاتهم، ومن هذهالمشكلات أن نظام المقايضة بالسلع له عيوب فالسلع لمتكن كلها حاضرة طوال الوقت .. فالخشب الذي استخدمهالفلاح خلال الشتاء ليطهي طعامه ويستدفئ به لم يكنيستطيع مقايضته بالبطاطس إلا بعد ستة أشهر .. وقدتتوفر لأحدهم كمية كبيرة من إنتاجه ويريد أنيستبدلها بسلع أخرى من إنتاج عدة أشخاص وفي أوقاتمختلفة .. كل هذا عقّد نظام المقايضة وألقى بعبءثقيل على الذاكرة .. وانتهوا إلى أنه لو كان هناكنظام للنقود لاستطاع الواحد أن يبيع ويشتري بالنقودالأشياء التي يريدها في الوقت الذي يحتاجها فيه .. ولكن للأسف ولا واحد منهم كان خبيراً بإنشاء مثل هذاالنظام .. إنهم يعرفون كيف ينتجون ثروة حقيقية منالسلع والخدمات، ولكن كيف تنتج النقود التي هي رموزلهذه الثروة فشئ خارج عن نطاق خبراتهم.
في مساءيوم من الأيام وكان الرجال يجلسون على شاطئ البحريتحدثون عن نفس المشكلة .. ربما للمرة المائة رأواقارباً صغيراً يقترب من الشاطئ وبه رجل واحد .. علموا فيما بعد أنه الوحيد الذي نجا حياً من ركابسفينة محطمة واسمه أوليفر. كانوا مبتهجين أن يجدوارفيقاً جديداً فأتحفوه بأفضل ما عندهم .. ثم أخذوهفي جولة حول الجزيرة وقالوا له: رغم أننا انقطعنا عنالعالم ولكننا لا نشكو كثيراً فالأرض والغابة بهماخير كثير والحمد لله ولكننا نفتقد شيئاً واحداً هوالنقود .. فقال أوليفر: حسناً .. يمكنكم أن تشكرواالعناية الإلهية فأنا من رجال البنوك وفي أقصر وقتأنشئ لكم نظاماً نقدياً يحل مشكلاتكم، وبذلك يتوفرلكم كل شئ مما يتوفر للناس في الحياة الحضارية هتفوامسرورين! رجل بنكي .. رجل بنكي! كأن ملاكاً قد نزلإلينا من السماء!

إلــه الحضارة

- ياسيد أوليفر – باعتبارك رجل البنك عندنا فسيكون عملكالوحيد هو العناية بنقودنا فقط .. لا حاجة بك للعملاليدوي هنا.
قال: سوف أعمل على رفاهية هذهالجزيرة بكل طاقتي.
فقالوا: سنبني لك بيتاً يليقبمقامك المحترم، وحتى يتم هذا نرحب بك ضيفاً فيبيوتنا.
قال: شكراً لكرمكم .. ولكن قبل كل شئعلينا أن نفرغ حمولة القارب فهناك مطبعة وورق وأحباروحروف، ويوجد برميل صغير أرجو أن تتناولوه بأكبر قدرمن العناية. أفرغ الرجال القارب.. إلا أن البرميلالصغير أثار كثيراً من فضولهم .. فقال أوليفر: "إنهذا البرميل به كنز يفوق الأحلام .. إنه مملوءبالذهب"!.
شهق الرجال الخمسة في نفس واحد وهتفوا: إله الحضارة قد نزل عندنا في جزيرة الخلاص! الإلهالأصفر .. الذي يختفي دائماً فلا تدركه الأبصار ولكنلديه قوة رهيبة .. بوجوده وغيابه وتقلّب أسعارهتتقرر مصائر البلاد المتحضرة!..
- "ذهب" يا سيدأوليفر .. لابد أنك رجل بنكي عظيم..!!
يا لمهابتكيا صاحب العظمة – أيها المبجل أوليفر .. يا أعظمكهنة الإله الذهبي! تقبل ثناءنا وتقديرنا وقسمنا لكبالولاء والإخلاص!
- نعم أيها الرفاق إنه ذهبيكفي لقارة كبيرة لا لجزيرة فحسب .. ولكن الذهب يارفاق ليس للتداول .. فالذهب لابد من إخفائه .. إنهروح النقود الجيدة .. والروح دائماً غير مرئية .. وسوف أشرح لكم الأمر عندما تتسلمون أول دفعة منالنقود.
وقبل أن ينصرفوا إلى حال سبيلهم سألهمأوليفر: “كم من النقود تحتاجون لتصريف تجارتكم”؟ .. نظر بعضهم إلى بعض وتشاوروا فيما بينهم حتى استقرالرأي على مائتي دولار لكل واحد منهم .. ذهبوا إلىفرشهم ولكن عز النوم عليهم فقد امتلأ خيالهم بصورةالذهب فظلوا مستيقظين حتى مطلع النهار.
أماأوليفر فلم يضيع لحظة من وقته رغم ما أصابه من إجهاد .. ذاب في تيار حماسه لمستقبل هبط عليه كمدير للبنكووزير لاقتصاد الجزيرة .. ومع تنفس الصبح كان قدانتهى من إعداد حفرة دفن فيها البرميل وأهال عليهالتراب وغرس فوقه شجيرة صغيرة فأصبح مكانه غير معروفمن أحد سواه. ثم بدأ يشغل أدواته في طباعة أوراقنقدية مجمل قيمتها ألف دولار .. وقال لنفسه "لقدأصبح الشريد مدير بنك!" كم هي مسألة سهلة أن تصنعالنقود .. إن زبائني السذج يظنون أن هذه النقودتستمد قيمتها من الذهب .. ويجهلون هذه الحقيقة: وهيأن قيمة النقود تكمن في المنتجات التي ستشتريها .. يعنى في قوتها الشرائية .. فبدون المنتجات تصبح هذهالأوراق عديمة القيمة .. ولجهلهم جعلونيسيدهم!..

من يملك النقودفلما حل مساءاليوم التالي هرول الخمسة إلى أوليفر .. وكان علىالمنضدة خمسة أكياس من النقود عندما بادرهم أوليفرقائلاً: قبل توزيع النقود أود أن ألفت أنظاركم إلىأمر مهم.. أنتم تعلمون أن أساس النقود هو الذهب .. والذهب عندي محفوظ في خزينة البنك فهو ذهب أملكه .. وترتيباً على ذلك تكون النقود نقودي .. ولكن لاينبغي أن تشعروا بحرج من ذلك. فسوف تتصرفون بالنقودكيف تشاءون .. وسيكلفكم هذا أن تدفعوا لي فائدةمقدارها 8% وهي فائدة معقولة في بلد تشح فيهاالنقود.
أجابوا جميعاً بنفس واحد: لك ما تريد ياسيد أوليفر .. هذا شئ معقول، فقال: نقطة أخيرة أيهاالأصدقاء: "البيزنيس بيزنس “الشغل شغل” حتى بينالأصدقاء .. قبل أن تأخذوا النقود على كل واحد منكمأن يوقع على ورقة تلتزمون فيها أن تدفعوا الفائدةورأس المال .. وفي حالة الامتناع عن الدفع يحق ليمصادرة ممتلكاتكم .. إنها مجرد شكليات كما ترونفممتلكاتكم لا تهمنى في شئ .. فأنا مكتف بالنقودوأثق أنني سوف أحصل عليها في موعد استحقاقهاوتحتفظون أنتم بممتلكاتكم".
قالوا: إنه أمر معقوليا سيد أوليفر .. ولسوف نجتهد في أعمالنا ونسددديوننا إليك في حينها.
قال: هذه روح طيبة .. وأنافي خدمتكم دائماً – إذا اعترضتكم مشكلة فتعالوا إلىأحلها لكم فمدير بنككم هو أفضل صديق لكم .. وها هيالنقود .. لكل واحد منكم مائتا دولار.
وهكذاانصرف الرفاق الخمسة وأيديهم ممتلئة بالدولاراتالورقية وعقولهم تسبح في بهجة الحصول علىالمال.

الحل هو المعضلةأصبحت نقودالسيد أوليفر متداولة في الجزيرة وأصبحت التجارةسهلة بل تضاعفت .. وأضحى كل إنسان سعيداً بمجرياتالأمور .. وكان مدير البنك دائماً في موضع التقديروالاحترام والاعتراف بالجميل .. فيما عدا شخص واحدوهو “توم” المنقّب عن المعادن .. لماذا يبدو مهموماًوقد جلس وحيداً منهمكاً في حسابات ومعه القلموالورقة؟! فتعالى ننظر في أمر توم:
لقد وقع توممع زملائه على عقود تقتضى أن يعيدوا إلى البنك نقودهفي نهاية العام، يعنى مائتا دولار + 16 دولاراً أخرى .. ولكن توم لا يجد في جيبه سوى حفنة قليلة منالدولارات ويوم تسديد الدين يقترب حثيثاً .. كانالرجل يفكر في هذه المعضلة ملياً منذ وقت طويل .. ولم يجد لها حلاً .. والآن أخذ ينظر إلى المشكلة منوجهة نظر الجماعة ككل .. قال في نفسه: هل يستطيع كلمن في الجزيرة أن يدفعوا لأوليفر 1080 دولاراً بينماكل نقود الجزيرة مجتمعة لا تزيد عن ألف دولار فإذادفعناها كلها إليه سنبقى جميعاً مدينين له بثمانيندولاراً غير موجودة أصلاً .. وبسبب هذا الدين يستطيعأوليفر أن يستولى على كل ممتلكاتنا ومنتجاتنا .. يعنى يستولى على الجزيرة كلها ويخرجنا منها مفلسين .. حتى لو استطاعت قلة منا لديها النقود أن تسددديونها هذا العام فسوف يأتي الدور على الجميع فيالأعوام التالية ويستولى البنك على كل شئ .. لابد أننعقد على الفور اجتماعاً لنرى معاً ماذا يمكن عملهفي هذه المعضلة.
استطاع توم بالأرقام أن يبرهنعلى صحة رأيه واتفق الجميع على أن صديقهم البنكي قدخدعهم وقرروا عقد اجتماع معه على الفور.

COLOR=#000000 [/COLOR]البنكي الخيرتولى فرانك شرح وجهة نظرالجماعة واستمع أوليفر بصدر رحب والابتسامة لا تفارقشفتيه .. قال: كيف نستطيع أن ندفع لك 1080 دولاراًوكل ما في الجزيرة من نقود لا يزيد عن ألف دولارفقط؟!.
أجاب أوليفر: هذه هي الفائدة يا أصدقائي،ألم يرتفع معدل إنتاجكم؟.
فقالوا: بالتأكيد ولكنالنقود لم تزد مع زيادة الإنتاج .. وأنت الوحيد الذيتصنع النقود، وقد صنعت لنا ألف دولار فقط وتريد الآنأن تسترد 1080 دولار .. هذه استحالة!..
قالالبنكي أوليفر: "الآن استمعوا إلىّ يا أصدقاء .. منأجل خير أكبر للجماعة عليها أن تكيّف أوضاعها لظروفالزمن .. إنني سوف أطالبكم فقط بتسديد الفائدة وسوفتبقى معكم رءوس أموالكم المقترضة .. مائتا دولار لكلواحد منكم .. فأجابوا جميعاً: "بارك الله فيك يا سيدأوليفر.. هل ستلغى المائتى دولار التي يدين بها كلواحد منا لك؟"..
رد أوليفر مبتسماً: لا .. لا .. آسف .. ليس الأمر هكذا .. إن البنك لا يلغى الديونأبداً .. فستظلون مدينين لي بالنقود التي اقترضتموها .. ولكنكم ستدفعون لي سنوياً الفوائد فقط .. فإذادفعتم الفوائد كل عام بأمانة فلن أطالبكم بتسديد رأسالمال.. ربما لا يستطيع البعض تسديد قيمة الفوائد كلعام نظراً لتداول النقود.. حسناً نظموا أنفسكم فيشكل دولة وأنشئوا نظاماً للضرائب بموجبه يدفعالأغنياء ضرائب أكثر ويدفع الفقراء أقل .. اجمعواقيمة الفوائد كلها في مبلغ وسوف أكون راضياً بذلك .. وتأكدوا أن دولتكم ستزدهر"..
انصرفت الجماعة وقداطمأنوا بعض الشئ ولكن لا تزال الشكوك تساورعقولهم.

أحلام البنكيّ تتضخمجلسأوليفر بمفرده يتأمل فيما آلت إليه حياته .. وجرتأفكاره على هذا النحو: "البيزنيس يسير على ما يرام .. وهؤلاء الأولاد عمّال مجتهدون وإن كانوا أغبياء.. فإن غباءهم وجهلهم هما مصدر قوتي وازدهاري .. إنهميطلبون النقود وأنا أعطيهم سلسلة من القيود والشروط .. يمنحونني من إنتاجهم ما أريد وأنا أحصد وفيجيوبهم من نقود .. حقاً إنهم قد يتمردون علىّ ويلقونبى في البحر، ولكن حتى لو تمردوا فإن معي توقيعاتهم .. إنهم أناس أمناء كادحين وُضعوا في هذه البقعة منالعالم ليقوموا على خدمة رجل المال".
ثم توجّهبحديثه إلى أستاذه فقال: "أيها الشيطان الأعظم إننيأشعر أن عبقريتك البنكية تسري في عروقي .. يا سيدالوهم والإبداع لكم كنت صادقاً عندما قلت: "أعطنيالسيطرة على نقود الأمة ولا يهمنى بعد ذلك من يصنعقوانينها" .. وأنا سيد جزيرة الخلاص لأنني أسيطر علىأموالها .. إن روحي ثملة بالحماس والطموح .. وأشعرأنني أستطيع حكم العالم كله .. فالذي صنعته أناأوليفر هنا أستطيع أن أصنعه في بقية العالم .. فقطإذا استطعت أن أخرج من هذه الجزيرة .. إنني أعرف كيفأحكم العالم بأسره دون أن أضع تاجاً على رأسي .. وسوف تتعاظم بهجتي وسعادتي عندما أنفث فلسفتي فيعقول قادة المجتمعات من البنكيين والصناعيينوالسياسيين والإصلاحيين والمعلمين والصحفيين .. كلهؤلاء سيصبحون بعض خُدامي وأدواتي .. وسوف تعيشالجماهير في العبودية سعداء عندما تكون النخبة فيهممقتنعة بفلسفتي.

أخذت الأمور تزداد سوءاً في جزيرة الخلاص .. ارتفع الإنتاج ولكن انخفض بيع السلع إلى الحد الأدنى وأوليفر يحصد فوائده البنكية بانتظام، فقد كانت الجماعة تضع مستحقاته جانباً وبذلك تجمدت النقود بدلاً من سيولتها وانسيابها بحرية .. الذين يدفعون ضرائب أكثر يشتكون من الذين يدفعون أقل، ولكي يعوضوا ذلك رفعوا أسعار سلعهم .. وعانى الفقراء الذين ليس لديهم ما يدفعونه للضرائب من وطأة الغلاء فأخذوا يقللون من مشترياتهم حتى كسدت التجارة.
تدهورت الروح المعنوية وتسربت البهجة خارج حياة الجماعة، فلم يعد أحد يهتم بعمله كما تعوّد من قبل .. ولم يهتم والإنتاج يُباع بصعوبة؟ .. وعندما يبيعون فإن جامع الضرائب يلاحقهم ليوفر لأوليفر قيمة الفوائد المستحقة على الديون، ويخرجهم من أموالهم التي حصّلوها بجهدهم وعرقهم .. إنها كارثة حقيقية أخذت تلقى بظلالها الكئيبة على علاقاتهم الاجتماعية، فأصبح كل واحد منهم يلقى على الآخرين ويتهمهم بأنهم السبب في ارتفاع تكاليف المعيشة وسبب ما حل بمجتمعاتهم من تعاسة.
كان هارى يجلس وحيداً في حديقته – ذات يوم – يفكر في الموقف الذي صارت إليه الأمور، فوصل إلى خلاصة: أن النظام النقدي الذي جاء به هذا البنكيّ والذي وصفه بأنه نظام تقدّمي – هو الذي أفسد كل شئ طيب في هذه الجزيرة .. لا شك أن كل واحد من الجماعة كانت له أخطاء ولكن النظام المالي الذي وضعه أوليفر من شأنه وطبيعة تصميمه أن يستثير في الطبائع البشرية أسوأ ما فيها من خصال .. لذلك اعتزم هارى أن يعرض أفكاره هذه على زملائه في محاولة لإقناعهم وتوحيد جهودهم لعمل مشترك ثم بدأ بجيم الذي لم يكن من الصعب إقناعه .. قال:
“أنا لست عبقرياً ولكني منذ وقت طويل أشم رائحة سيئة في نظام هذا البنكيّ الذي حط علينا من حيث لا نعلم”.
استطاع هارى أن يقنع زملاءه واحداً بعد الآخر .. وقرر الجميع في النهاية أن يجتمعوا مع أوليفر مرة ثانية ويواجهوه بمشكلاتهم.

انتفاضة الجزيرة

تفجرت عاصفة من الاستياء والغضب في مجلس أوليفر .. قالوا له: النقود أصبحت نادرة في الجزيرة يا رفيق لأنك تأخذها منا أولاً بأول! .. إن لدينا أفضل تربة وأطيب المصادر الطبيعية ولكن منذ وصلت إلينا وأحوالنا تتدهور من سيئ إلى أسوأ .. ديوننا تتراكم علينا حتى أغرقتنا إلى الأعناق! ..
رفع أوليفر يديه يطلب منهم الهدوء والاستماع إليه ثم قال: الآن يا أولاد كونوا عقلاء.. فأحوالكم تزدهر وذلك بفضلي .. إن النظام البنكي الصالح هو أفضل ما تملكه الدولة .. ولكن لكي يعمل هذا النظام بكفاءة لابد أن تضعوا فيه ثقتكم .. لابد أن تثقوا في نصائح خبيركم البنكيّ، ولا تترددوا في المجئ إلىّ كلما حلت بكم شدة أو ضائقة كما يأتي الأولاد إلى أبيهم يلتمسون عونه وحمايته في الشدائد.
- هل تريدون مزيداً من النقود؟ .. حسناً .. إن برميل الذهب يصلح لإصدار آلاف من الدولارات.. وسوف أقرضكم ألف دولار أخرى على الفور لمعالجة أزمتكم المالية.
قالوا: “معنى هذا أن ديوننا سترتفع إلى ألفي دولار بدلاً من ألف واحدة وسنضطر لدفع فوائد الديون حتى آخر أعمارنا”.
قال البنكيّ: هذا صحيح .. ولكنني سوف أقرضكم المزيد من النقود كلما احتجتم إليها وعندما ترتفع قيمة ممتلكاتكم .. ولن تدفعوا لي أبداً إلا الفوائد المستحقة .. إجمعوا ديونكم في دين واحد وهو ما نسميه إصطلاحاً “الدين الموحد” وتستطيعون أن تضيفوا إلى هذا الدين سنة بعد سنة وتصبح الفوائد مُركبة.
قالوا: ونرفع نحن الضرائب سنة بعد سنة لتسديد فوائدك؟!..
قال: طبعاً .. هذا واضح .. ولكن عوائدكم من العمل ستزيد عاماً بعد عام أيضاً.
قالوا: ومعنى هذا أنه كلما نمت الجزيرة بسبب عملنا وجهدنا كلما زادت ديوننا!!!.
قال البنكيّ: أتعرفون لماذا؟ .. لأن هذا بالضبط ما يحدث في كندا أو في أي مكان آخر من العالم المتحضر .. ذلك لأن درجة حضارة الدولة تُقاس بحجم ديونها للبنوك.
قالوا متعجبين: وهذا هو النظام المالي السليم يامستر أوليفر؟!.
قال: يا أيها الرجال المحترمون الطيبون .. كل النقود السليمة مؤسسة على الغطاء الذهبي .. والذهب في البنوك .. يخرج إليكم على شكل ديون .. والدين الوطني شئ حسن لا غبار عليه .. إنه يمنح الناس من الشعور بالرضي الزائد عن الحد ويُخضع الحكومات لصوت الحكمة العالية المطلقة التي تجسدت في رجال البنوك .. إنني كبنكيّ أحمل شعلة الحضارة هنا في هذه الجزيرة الصغيرة .. وسوف أملى عليكم السياسة الحكيمة وسوف أنظم لكم مستوى معيشتكم وأوضاعكم المالية.
انزعج الحاضرون من هذه النغمة الجديدة ومن الصلاحيات والسلطات التي فرضها هذا البنكيّ الدخيل عليهم، والتي تطلق يده حرّة تتصرف بشئونهم حسب مشيئته وهواه دون مراعاة لحريتهم هم وحقوقهم الأصيلة فقالوا له:
"يا سيد أوليفر .. إننا أناس بسطاء .. لم نتعلم كثيراً ولكننا لا نريد هذا النوع من الحضارة عندنا في الجزيرة .. ولذلك لن نقترض منك بعد اليوم سنتاً واحداً .. قل ما شئت: مال حسن أو غير حسن .. نحن لن نتعامل معك بشئ من هذه اللحظة.
صاح فيهم البنكيّ مستنكراً: أيها الرجال المحترمون إنني أشعر بعميق الأسف لهذا القرار الذي تورطتم فيه بسبب نصيحة تعيسة جاهلة .. ولكن إذا قررتم الاستغناء عن خدماتي فتذكروا أن معي توقيعاتكم .. ادفعوا لي كل شئ مرة واحدة .. رأس المال والفوائد جميعاً.
قالوا: ولكنك تعلم أن هذا مستحيل يا سيد أوليفر فليس في الجزيرة كلها مايكفى من نقود لتسديد ديونك.. فحتى لو دفعنا كل ما لدينا من نقود فسوف نبقى بعد ذلك مدينين لك دائماً وأبداً.
قال غاضباً: وماذا أفعل لكم؟ .. ألم توقعوا باختياركم وبإرادتكم الحرة؟! .. إنه بحكم قداسة العقود التي وقعتموها من حقي الاستيلاء على ممتلكاتكم المرهونة قيد الديون، وهذا ما اتفقنا عليه عندما كنتم سعداء بتقديم مساعداتي لكم .. فإذا لم تخضعوا لسلطان المال الأعظم فسوف تطيعونني بالقوة .. سوف أسمح لكم باستغلال الجزيرة ولكن لصالحي وتحت إمرتي وشروطي .. اخرجوا من هنا!! .. وسوف أصدر إليكم أوامري غداً!! ..

الذئب يسيطر على الصحافة

كان أوليفر يعلم أن من يسيطر على مال الأمة يسيطر على الأمة بأسرها .. ولكنه كان يعلم أيضاً أنه لكي يحافظ على هذه السيطرة عليه أن يُبقى على حالهم من الجهل، ويعمل على تشويش أفكارهم بكل الوسائل" خاصة وأنهم بدأوا يشعرون أنهم سقطوا في شرك العبودية.
لاحظ أوليفر خلال مناقشاته مع الرجال الخمسة أمس أن بينهم اثنان محافظان وثلاثة ليبراليون .. كما لاحظ وجود خلافات في الرأي بين كل من الفريقين .. كذلك فإن انطباعه السابق عن هارى أنه أكثر الخمسة حكمة وبُعد نظر، فهو يرى أن الجميع لديهم نفس الاحتياجات ونفس التطلعات وأن مصيرهم مشترك، وأن اتحادهم من شأنه أن يحدث ضغوطاً على السلطة ويمنعها من ممارسة الاستبداد عليهم.
ومن ناحية أخرى يرى أوليفر أن هذا الاتحاد الذي يدعو إليه هارى لا يمكن احتماله فهو يعنى – بكل بساطة – نهاية سلطانه على الجزيرة فلا يستطيع ديكتاتور ماليّ أو غير ماليّ أن يقف أمام شعب متحد متعلم واعٍ.
ومن ثم صمم أوليفر على افتعال فتنة سياسية بين سكان الجزيرة تمزق وحدتهم وتضعف قوتهم.
وهكذا قام بتحويل مطبعة النقود إلى طباعة الصحف فأصدر صحيفتين أسبوعيتين: واحدة سماها “الشمس” وخصصها لليبراليين والأخرى سماها “النجم” وجعلها للمحافظين، وحدد الاتجاه الفكري لصحيفة الشمس في هذا الإطار: إذا كنا قد فقدنا السيطرة على مصائرنا فإن ذلك راجع إلى وجود خونة بيننا باعونا لرجال الأعمال، وجعل الخطاب السياسي لصحيفة النجم: “إن حالة الدمار الذي لحق بنا وباقتصادنا وهذا الدين العام المتفاقم ترجع المسئولية فيه إلى سياسة هؤلاء الليبراليين الذين لا يعبأون بالمصلحة الوطنية”.
ونجحت الفكرة الجهنمية فاستغرق الفريقان في صراع صحفي عنيف، ونسى الجميع القيود التي كبّلهم بها أوليفر الخبيث ..

لحظة تنوير واكتشاف الأسرار

حدث في أحد الأيام أن ذهب “توم” في تجواله على الشاطئ إلى بقعة نائية في الطرف الآخر من الجزيرة حيث رأى جسماً على شكل قارب نجاة تخفيه عن الأنظار بعض الأعشاب الطويلة .. فاقترب منه وتحقق أنه قارب مهجور وفارغ فيما عدا صندوق خشبي يرقد في قاع القارب وهو بحالة جيدة.
فتح “توم” الصندوق فوقع بصره على بعض أدوات عديمة القيمة ووجد تحتها شيئاً يشبه “ألبوم” الصور فتناوله بيده فإذا به كتاب مبسط في “الاقتصاد بدون فوائد” من مطبوعات هيئة مالية أو جمعية إدخار شعبية تسمى نفسها "Social Credit".
دفع “توم” حب استطلاع شديد فجلس وبدأ يتصفح الكتاب ويقرأ بشغف .. وكلما قرأ زاد اهتمامه والتمع وجهه بضوء المعرفة التي ساقها الله إليه .. يالله هذا شئ كان يجب أن نعرفه منذ وقت طويل: “النقود لا تكتسب قيمتها من الذهب الذي في البنك .. ولكن من السلع التي تشتريها .. من القوة الشرائية للنقود”.
وهذا الكتاب يعلمنا كيف نصنع النقود ببساطة .. ويتلخص السر كله في نوع من المحاسبة (مسك دفاتر) .. أرقام تُسمى أرصدة تُنقل من حساب شخص إلى شخص آخر تبعاً لحركة البيع والشراء، والمحصلة النهائية هي مجموع الإنتاج لا مجموع الديون .. فكلما زاد الإنتاج تزيد كمية النقود .. ولن يكون هناك في أي لحظة فوائد تدفع على إصدار النقود الجديدة .. ولا يُقاس التقدم – كما يدّعى ذلك البنكيّ الأفّاق – بحجم الدين العام، وإنما بإصدار أسهم متساوية لكل فرد .. وتنضبط الأسعار وفقاً للقوة الشرائية العامة بواسطة ما يُسمى بمعامل السعر Coefficient.
لم يستطع “توم” أن يكبح جماح نفسه فهب قائماً وعاد مهرولاً ليشارك زملاءه هذه الاكتشافات الباهرة .. وتحول “توم” بين يوم وليلة إلى معلم ناجح، علم إخوانه ما أفاء الله عليه به من فهم للاقتصاد الصحي المبرأ من الفوائد والربا.
قال لزملائه: استمعوا إليّ جيداً .. هذا ما ينبغي أن نفعله دون انتظار للبنكيّ أو برميل ذهبه وبدون التوقيع على ديون جديدة: سوف أفتح حساباً باسم كل واحد منكم على ورقة مقسمة إلى عدة أنهر أو أعمدة .. في العمود الأيمن سأضع قيمة الأرصدة المضافة التي تُجمع إلى حساب كل عميل، وفي العمود الأيسر سأضع حساب المبالغ التي تُخصم من حسابه .. كل واحد يريد مائتي دولار .. حسناً سوف نكتب 200 دولار رصيد دائن في العمود الأيمن لكل واحد منكم .. فإذا اشترى “فرانك” سلعاً من “بول” بمبلغ عشرة دولارات فسوف نخصم عشرة دولارات من حساب “فرانك” وبذلك ينخفض رصيده إلى 190 دولاراً بينما يرتفع الرصيد الدائن لبول ليصبح 110دولاراً، فإذا اشترى “جيم” من “بول” شيئاً بثمانية دولارات فسوف نخصم 8 دولارات من حساب “جيم” ليصبح 192 دولاراً فقط بينما يرتفع رصيد “بول” إلى 208 دولاراً.. وهكذا نستمر في نقل الأرقام من حساب شخص إلى شخص آخر بنفس الطريقة التي تنتقل فيه النقود من جيب شخص إلى جيب شخص آخر .. فإذا احتاج شخص ما إلى نقود ليتوسع في مشروعاته الإنتاجية نصدر له المبلغ المطلوب لأرصدة جديدة حتى إذا تمكنّ من بيع منتجاته نضيف المبالغ التي حصلها إلى رصيده الدائن .. وبنفس الأسلوب نعامل الأشغال العامة التي يقوم بها المجتمع، تُدفع من أرصدة دائنة جديدة.. وبهذه الطريقة تزداد أرصدة العملاء شيئاً فشيئاً دون الافتئات على أرصدة الآخرين .. ومن ثم يستفيد كل واحد من التقدم الذي يحققه المجتمع ككل، وهذا ما يُسمى بالأسهم الوطنية .. وبهذا الأسلوب تصبح النقود وسيلة للخدمة وليست ديوناً تقيّد الأعناق.
استطاع كل واحد أن يفهم النظام ال.مالي الجديد .. وفي اليوم التالي تسلم البنكيّ أوليفر رسالة وقعها الخمسة تقول: "سيدي الفاضل إنك بدون ضرورة ما قد أوقعتنا جميعاً في الديون والفوائد وقمت باستغلالنا أسوأ استغلال .. ولذلك لم نعد في حاجة إليك بعد اليوم في إدارة نظامنا المالي .. من الآن فصاعداً سوف نحصل على كل ما نريد من نقود بدون ذهبك المخفيّ عن الأنظار وبدون ديون وبدون لصوصية .. إننا سننشئ على الفور نظاماً مالياً جديداً في هذه الجزيرة، وسوف تحل الأسهم الوطنية محل الدين الوطني العام .. فإذا أصررت على أن تحصل على نقودك فسوف نعيدها إليك كاملة ولكن بلا سنت واحد زيادة .. لا فوائد ولا غيرها..
وقع أوليفر في حيرة شديدة، وحل عليه يأس مُقنط .. وهو يرى إمبراطوريته تنهار على رأسه .. تحطمت أحلامه كلها وضاع مستقبله .. فماذا يصنع؟ .. لم يعد الجدل مع هؤلاء الناس يُجدي .. لقد فهم الجميع اللعبة البنكية، فلم تعد للنقود والأرصدة الدائنة سراً بالنسبة له .. لقد استهوت عقولهم فكرة الاقتصاد الخالي من الفوائد والربا وسوف تنتشر عقيدتهم بسرعة كبيرة على حساب فلسفتي الربوية .. فهل أطلب منهم الصفح والمغفرة؟ .. هل أصبح واحداً منهم؟ .. أنا الممول البنكي المبجل!! .. لا يمكن أن أقبل بهذا ما حييت .. الأفضل لي أن أعتزلهم وأضع بيني وبينهم الحواجز قدر ما أستطيع.

سقوط القناع الزائف

لكي تحصّن الجماعة نفسها ضد أي مطالبات يقوم بها أوليفر في المستقبل قررت أن تحمله على أن يوقع على وثيقة يعترف فيها أنه قد استعاد كل ما كان يملك عندما وصل أول مرة إلى الجزيرة .. حصروا ممتلكاته وأثبتوها في الوثيقة: القارب والمجاديف، والمطبعة الصغيرة وبرميل الذهب.
كان على أوليفر أن يدلهم على المكان السري الذي أخفى فيه الذهب فأخرجه الرجال من الحفرة التي دلهم عليها، ولكن بدون ذلك الإجلال الذي أحاطوه به في المرة الأولى عندما نقلوه من القارب، فقد علمهم كتاب “الاقتصاد بدون فوائد” احتقار الذهب.
لعب الفأر في صدر خبير المعادن الذي كان يساعد في استخراج البرميل من الحفرة فقد شعر أنه أخف من أن تكون حمولته ذهباً خالصاً، وتشكك أن يكون الذهب مختلطاً بشئ آخر، ذلك إذا كان البرميل ممتلئاً .. فلما أفضى الرجل بشكوكه إلى أصحابه لم يفكر “فرانك” طويلاً وإنما هوى بفأسه على البرميل بضربة واحدة أطاحت بالغطاء وانكشف ما في البرميل .. وصاح الجميع: أي ذهب هذا!؟ .. ولا ذرة من الذهب .. كل ما في البرميل صخور .. مجرد صخور لا قيمة لها! ..
لم يستطع الرجال أن يتغلبوا على الصدمة المروعة: “لا تقل لنا أن هذا الأفّاق قد استطاع أن يخدعنا إلى هذا الحد .. هل كنا نحمل على أكتافنا رءوس خراف عندما طرنا فرحاً وابتهاجاً لمجرد أن نطق باسم الذهب على مسامعنا .. هل رهنّا كل ممتلكاتنا في مقابل بعض أوراق تستند فقط على كمية من الصخور عديمة القيمة!؟ .. يا لها من سرقة مغلفة بأكاذيب! .. عندما نفكر أن بعضنا قد عبس في وجه بعضنا الآخر، وأصبح كل واحد منا يكره أخاه ويرى فيه مصدر البلية التي أبتلينا بها – ندرك فداحة ما أوقعنا فيه هذا الرجل الشرير المزيف .. يا له من شيطان رجيم!..”.
استشاط “فرانك” غضباً ورفع فأسه مرة أخرى .. ولكن قبل أن يهوى بها على رأس البنكيّ أوليفر كان قد أطلق ساقيه للريح واختفى في الغابة.

*مستشار بهيئة اليونسكو
لندن
منقول عن جريدة المصريون الإلكترونية
http://www.almesryoon.com