الدولة العثمانية في قرن الثبات (1595-1683م)

قرن الثبات (1595-1683م)

حالت بذور الضعف التي ظهرت في زماني سليم الثاني ومراد الثالث، دون استمرار تقدُّم القاطرة العثمانية، ومِنْ ثَمَّ -وبعد وفاة الأخير- توقَّفَت، لكنها مع ذلك لم تتراجع! أي أنها ظلت ثابتة. هذا الثبات كان في القوَّة السياسية والعسكرية، وفي الاقتصاد، وفي الثقل العالمي، وفي المساحة، وفي معظم الأمور الأخرى التي تتعلق بالدولة. ولهذا فإنَّني أرى أنه من الخطأ أن يُضَمَّ القرن السابع عشر إلى عصور الانحطاط كما يصف بعض المؤرخين؛ إنما هو عصرٌ خاصٌّ ذو سماتٍ معيَّنةٍ مختلفة عن عصر القوَّة الذي سبقه، وعن عصر الضعف الذي سيلحق به، بل أحسب أن صفة «الثبات» يمكن بشكلٍ أو آخر أن تنطبق كذلك على ثلاثة أرباع القرن الثامن عشر، وليس على القرن السابع عشر وحده.

أقول هذا الكلام على الرغم من ظاهرة الضعف النسبي للسلاطين في كلِّ هذا القرن، مع استثناءاتٍ محدودة. هذه المعلومة الأخيرة تعني أننا إذا حلَّلنا هذه الفترة التاريخية من خلال دراستنا لسيرة هؤلاء السلاطين فإننا لا يمكن أن نفهم الوضع السياسي المستقر و«الثابت» الذي استمرَّت عليه الدولة طوال هذا القرن، ومِنْ ثَمَّ وجب أن تكون نظرتنا في تحليل الأمور أوسع وأشمل.

إن الدولة في الواقع لا تقوم بقائدٍ أو سلطان وكفى! إنما ترجع قوَّة الدولة أو ضعفها إلى عوامل كثيرة متداخلة، ومجموع آثار هذه العوامل هو ما يُعطي الصورة النهائيَّة لحركة الدولة، وهل هي إلى «صعود»، أو «هبوط»، أو «ثبات». ويمكن من أجل الدراسة الأكاديمية أن نُقسِّم هذه العوامل إلى عوامل داخلية وخارجية؛ فالعوامل الداخلية هو ما كان في إطار الدولة دون تدخلٍ من القوى الخارجية المحيطة بها، والعوامل الخارجية هي التدخلات الدولية في شأن الدولة، سواءٌ بشكلٍ مباشر أم غير مباشر.

تظل هذه التقسيمة أكاديميَّة ونظريَّة؛ لأن هناك تداخلًا كبيرًا بين العوامل الداخلية والخارجية، فقد تُؤثِّر دولةٌ ما مثلًا على عمليَّة اختيار الحاكم، أو على التماسك الداخلي للدولة، أو على الاقتصاد والثروة، فيبدو الأمر وكأنه داخلي، بينما هو نتيجة ضغوط خارجيَّة. يحدث -أيضًا- في بعض الأحوال صراعات، أو معاهدات وتحالفات، بين بعض القوى العالمية، وتكون بعيدةً عن الدولة المعنيَّة، ومع ذلك يكون لها من الأثر المباشر على الدولة ما يُغَيِّر من مسيرتها.

لذلك فإننا ندرس الآن هذه العوامل بشكلٍ منفصل، ولكننا نأخذ في الاعتبار التداخل المعقَّد بينها. ستكون هذه الدراسة تحت خمسة عناوين رئيسة؛ أولًا عوامل الضعف الداخلية، وثانيًا عوامل القوَّة الداخلية، ثم ثالثًا القوى الخارجيَّة التي تُؤثِّر على الدولة العثمانية، ثم رابعًا رصد لبعض الأحداث العالميَّة في القرن السابع عشر، التي لم تكن الدولة العثمانية طرفًا فيها، ولكنها أثَّرت بشدَّة على القوى العالميَّة المختلفة، فكان لها بالتبعيَّة أثرٌ غير مباشر -ولكنه واضح- على الدولة العثمانية، وخامسًا وأخيرًا نظرة إجماليَّة على وضع الدولة العثمانية في القرن السابع عشر.

أولًا: عوامل الضعف الداخلية:

نقصد بهذه العوامل أمورًا داخليَّة «مستمرة» في الدولة طوال سنوات قرن الثبات، مع احتمال تغيُّرات طفيفة فيها بطبيعة الحال، وهذه الأمور نشأت منذ فترة، ولكنها أخذت شكل «الظاهرة» في هذا القرن كلِّه، ويمكن أن نُجمل هذا تحت العناوين التالية:

1. الضعف النسبي للسلاطين:

كان من سعادة الدولة العثمانية أن جاء أعظم سلاطينها في القرنين والنصف الأُوَل من تاريخها، فأسَّسوا بنيانًا قويًّا استطاع أن يصمد أمام العواصف العالميَّة قرابة الأربعة قرون، على الرغم من أن السلاطين الذين جاءوا في هذه القرون الأخيرة لم يكونوا قط -مع استثناءات طفيفة- في مستوى السلاطين الأوائل. يرجع السرُّ في ضعف مستوى السلاطين المتأخرين إلى سببين رئيسين؛ الأول هو إبطال عادة إرسال الأمراء أولاد السلطان إلى ولايات مختلفة لقيادتها أثناء فترة شبابهم؛ فهذه القيادة المبكرة كانت تُعطيهم خبرة، وثقة بالنفس، وتُنمِّي المواهب القياديَّة والإداريَّة عندهم، وتُعرِّفهم على آليَّات الحكم، وتُطلعهم -شاءوا أم أبوا- على المتغيِّرات السياسيَّة الداخليَّة والعالميَّة، كما أن هذه القيادة كانت تمنحهم علاقات قويَّة ببعض الوزراء، والقضاة، والعلماء، الذين يعيشون في ولاياتهم، أو القائمين على تربيتهم ورعايتهم، فيتكوَّن بذلك فريقُ عملٍ يكون قادرًا على مساعدة هذا الأمير في الحكم إذا بلغ منصب السلطان.

أبطل كلَّ ذلك السلطان سليم الثاني، فلم يُرسل أحدًا من أبنائه لقيادة الولايات المختلفة، باستثناء مراد (الثالث) الذي جعله واليًا على مانيسا[1]، ويبدو أنه أراد بذلك ألا يحدث معهم مثلما حدث بينه وبين إخوته زمن الأب سليمان القانوني؛ حيث كَوَّن كلُّ أميرٍ فريقًا من المساعدين في إمارته، ومِنْ ثَمَّ تصارعوا معًا على ولاية العرش، وكانت الصدامات التي انتهت بإعدام اثنين من إخوته، وأربعة من أبناء أخيه! أراد سليم الثاني أن يمنع هذا الصراع فحرم الأبناء من التربية التي تسمح لهم بقيادة الدولة بحكمةٍ عندما يصلون إلى سُدَّة الحكم، وزاد الطين بِلَّة أنه لم يُحْسِن تربية ابنه الأكبر مراد الثالث على الإشفاق بإخوته، والتواصل الرحيم معهم، فكانت الكارثة الإنسانيَّة التي حدثت عندما تولَّى الحكم بعد أبيه فقتل إخوته الخمسة جميعًا كما مرَّ بنا! كان الأب سليم الثاني يريد أن يمنع الصراع بين الأبناء فحدث النقيض تمامًا.

إن المسألة تكمن إذن في التربية الحكيمة وليس في مجرَّد منع قدرات الأبناء من النمو. اهتمَّ السلطان سليم الثاني بقدرات وليِّ العهد مراد فقط، وحرم الآخرين من هذه القدرات، فكان هذا مسوِّغًا تافهًا لمراد الثالث أن يقتل هؤلاء الأخوة غير المدرَّبين. فعل مراد الثالث الأمر نفسه عندما تولَّى الحكم، فلم يُرسل أحدًا من أبنائه الكثر لقيادة أيًّا من الولايات العثمانية، اللهم الابن الأكبر محمد (الثالث)[2]، والذي سيصير سلطانًا بعده، وعلى هذه الطريقة نفسها سار كلُّ السلاطين بعد ذلك. كان هذا هو السبب الأول في ضعف مستوى السلاطين المتأخرين؛ أمَّا السبب الثاني فهو قيام كلُّ سلطان بعزل إخوته تمامًا عن الحياة الاجتماعية والسياسية بمجرَّد صعوده إلى العرش خوفًا من منافستهم عليه.

رأينا أن مرادًا الثالث قتل إخوته، وسيفعل الشيء نفسه ابنه محمد الثالث[3]، وهو السلطان الأول في عهد الثبات، ثم سيُبْطِل ابنه السلطان أحمد الأول هذه الفعلة الشنيعة[4]، ولكنه سيحبس إخوته في قصور، ويمنعهم من التواصل مع الناس، ليأمن شرَّهم دون قتلهم، وستكون عادة حبس الأخوة مستمرَّةً في الدولة إلى آخر أيَّامها، وكان يحدث أحيانًا أن يتولى هذا الأخ المحبوس حكم البلاد في بعض الظروف التي لا يُتَاح فيها وليُّ عهدٍ من أبناء السلطان، فيأتي هذا الأخ الذي لم يرَ الحياة السياسيَّة قبل ذلك ويتولَّى عرش دولةٍ عظمى كالدولة العثمانية! فتكون النتائج مخيِّبةً بلا جدال، حتى لو كان السلطان عظيمًا من الناحية الأخلاقيَّة أو الدينيَّة. هذان هما السببان الرئيسان في ضعف السلاطين المتأخرين، وإن كانت هناك أسباب أخرى لذلك ولكنها تأتي في مرتبةٍ أقل.

ومع ذلك فينبغي الإشارة إلى أن الضعف المقصود للسلاطين العثمانيين ليس شبيهًا بضعف الخلفاء العباسيين في مراحل ضعف الدولة العباسية؛ الذين لم يكن لهم رأيٌ بالمرة، وكانوا أشبه بدُمًى يُحرِّكها الحاكم العسكري للبلاد. لم يكن الأمر كذلك في الدولة العثمانية؛ إنما كان السلطان ضعيفًا بالمقارنة بالسلاطين الأقوياء الأوائل، وضعيفًا في كاريزمته فلا يستطيع أن يُحَرِّك قيادات البلد في الاتجاه الذي يريده، وضعيفًا في حكمته السياسيَّة فلا يأخذ الرأي الأفضل في مواقف متعدِّدة. هذه صور ضعف السلطان العثماني، لكنه في معظم الأحوال يُسيطر على الأمور، ويُطلق الأوامر، ويُعَيِّن الصدور العظام، والوزراء، وقادة الجيش، والقضاة، ويعزلهم إن أراد.

بل كان منهم من يعيش حياة الدكتاتور المطلق، فلا يسمع رأيًا مطلقًا إلى جوار رأيه، وهذا في حدِّ ذاته كان يجرُّ البلاد أحيانًا إلى ويلاتٍ كثيرة. إذن الضعف الذي نقصده ليس ضعف الشخصيَّة -وإن كان هذا ظهر في بعض السلاطين- ولكنه ضعفٌ في الإمكانات، والقدرات التجميعيَّة، وكذلك ضعفٌ في علوم التواصل والتنمية البشريَّة، وضعفٌ في العلم السياسي والشرعي، وضعفٌ في معرفة وتقييم قدرات الآخرين، وضعفٌ في القدرة على سماع الآراء المختلفة وانتقاء الأفضل منها، وضعفٌ في الاهتمام بالشورى. هذه صور الضعف التي أقصدها، وكلُّها ناتجٌ عن سوء تربية السلطان في فترة طفولته وشبابه، فلم يكتسب الخبرة والعلم المناسبين لرفع درجة كفاءته.

وينبغي هنا الإشارة إلى نقطةٍ مهمَّة؛ وهي أن ضعف الحاكم المسلم، وهو السلطان في حالة الدولة العثمانية، يكون أثره على الدولة والمجتمع أكبر من أثر ضعف الحاكم غير المسلم على بلاده. والسبب أن الشعوب المسلمة لا تخرج في المعتاد على حاكمها، وذلك من منطلقٍ ديني؛ لأن الشريعة أمرت المسلمين بالصبر على حكَّامهم ولو كانوا ظالمين أو فاسدين، ولم تسمح بالثورة عليهم إلا في أضيق الحدود؛ كأن يمنعوا الناس من الصلاة مثلًا، أو يُظهرون الكفر البواح الصريح، والأحاديث النبويَّة في هذا المضمار كثيرة؛ منها مثلًا ما رواه عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ»[5]. فالحديث صريحٌ في طاعة الحكَّام طالما أنهم يسمحون بإقامة الصلاة، ومعظم الحكام -إن لم يكن كلهم- يقيمون الصلاة، بل ويُكثرون من بناء المساجد، ولهذا يجد المسلم نفسه -إن كان متَّبِعًا للشريعة- متردِّدًا في الخروج على الحاكم المسلم، ولو كان ظالمـًا. المجال هنا لا يتَّسع لذكر الأحاديث الحاضَّة على طاعة الحكام، ولو كانوا ظالمين، ولكنها في الواقع كثيرةٌ وصحيحة.

هذا الأمر من الشريعة لم يُفْرَض لكي يدعم الحاكم الظالم؛ حاشَ لله، إنما فُرِضَ لأن مضارَّ الخروج على الحاكم الفاسد أكبر بكثيرٍ من مضارِّ الصبر عليه؛ فالفتن الناتجة عن الثورة والخروج أكبر بكثيرٍ من أثر الحاكم السيِّء على البلاد، ولذلك فالشريعة «الواقعيَّة» أعطت هذا الأمر رعايةً لمصالح الأمَّة في المجمل، مع الاعتراف طبعًا أن هناك مساوئ كثيرة لوجود حاكمٍ ظالم، أو فاسد، أو غير كفؤ، لكن ليست الدنيا هي المكان الذي يتحقَّق فيه الحقُّ المطلق، ولا المكان الذي يشهد خيرًا بلا شرٍّ.

هذه الحقائق جعلت الحاكم الضعيف في المستوى يستمرُّ في الحكم فتراتٍ طويلةً في العالم الإسلامي، وهذا أمرٌ غير طيِّبٍ بطبيعة الحال، ولكن الأسوأ هو ما نراه في البلاد التي تخرج على حكامها بالقوَّة؛ فالفتن والدماء كثيرة، وراجعوا تاريخ الثورة الفرنسية على سبيل المثال!

الخلاصة في هذه النقطة أن ضعف السلاطين العثمانيِّين في هذه الفترة كان نقطةً سلبيَّة، ومع ذلك فلم تكن هناك رغباتٌ «شعبيَّة» حقيقيَّة في تغييرهم، وهذا حَفِظ الاستقرار النسبي في البلاد، على الرغم من توقُّف مسيرة التقدُّم والنمو. ومع ذلك فالأثر السلبي الأكبر لضعف السلاطين كان على مراكز القوى الأخرى في الدولة، التي استغلَّت هذا الضعف في محاولة البروز والسيطرة؛ ومنهم قادة الجيش، والوزراء، وأحيانًا نساء القصر الحاكم، وخاصَّةً أمهات السلاطين.

2. الفساد الإداري والمالي:

تضافرت عدَّة عوامل في الدولة العثمانية في هذا القرن السابع عشر، وقبله في أخريات القرن السادس عشر، على ظهور الفساد في الحكومة بشكلٍ مؤثِّر. كان من هذه العوامل نقص الوازع الديني، وتغيُّر أيديولوجيَّة الدولة من التوسُّع بغية الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الدين، إلى التوسُّع بغية زيادة المـُلْك، وامتلاك الدنيا، وشتَّان بين الحكومة التي تُقاتل من أجل حفظ «الدين»، وبين التي تُقاتل من أجل حفظ «الدنيا»! ولقد حذَّر رسول الله ﷺ الأمَّة من هذا التغيُّر الأيديولوجي؛ فقد روى عَمْرَو بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «… فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[6].

هذا التنافس على الدنيا التي بُسِطَت على العثمانيِّين هو الذي قاد إلى الفساد الإداري والمالي. أضف إلى ذلك غياب القدوة الصالحة الزاهدة، وأضف إليه -أيضًا- جمود القانون الذي لا يتواكب بشكلٍ سريعٍ مع المتغيِّرات في الدولة والعالم، ومِنْ ثَمَّ يُعطي الفرصة لمراكز القوى والموظفين للتحايل عليه من أجل الوصول إلى مصالحهم. ظهرت آثار هذا الفساد في عدَّة أمورٍ صارت «ظاهرةً» في القرن السابع عشر وبعده.

كان من أهمِّ هذه «الظواهر» شراء المناصب العليا[7]، وأحيانًا كانت الرِّشوة تُدْفَع إلى السلطان ذاته! ولقد ذكر المؤرِّخ العثماني بچوي أن أحد كبار رجال الدولة، واسمه شمس باشا، قال عن إعطائه رشوةً لأحد سلاطين هذه الفترة: «جعلتهم يتذوَّقون الرشوة، ولن تجد دولتهم الاستقرار مع الرشوة»[8]! صارت مراكز الوزارة، وقيادات الولايات، وبعض مناصب الجيش، وأحيانًا القضاء، كلُّها ذات أسعارٍ معلومة! مَنْ يقدر على الشراء يشتري ولو كان ضعيف الكفاءة، وهذا بالطبع من أكبر صور الفساد، وصار يحرم الدولة من الكفاءات الجيِّدة، ومع مرور الوقت يتضخَّم أثر هذا العمل. ظهر الفساد -أيضًا- في سوء تنفيذ قانون «الالتزام»، وهو قانونٌ خاصٌّ بجمع الضرائب من الدولة الواسعة.

كانت الدولة العثمانية إمبراطوريَّةً عملاقة، وكان يتعذَّر على الحكومة أن يجمع أفرادها الضرائب من ملايين السكان، ولهذا ابتُكِر نظام «الالتزام» الذي يلتزم فيه أحد الأغنياء في القرية دفع الضريبة عن القرية بكاملها، ثم يجمع هو بمعرفته الضرائب من أفراد القرية[9]. كان هذا النظام جيِّدًا في البداية مع حُسْن أخلاق الناس، ومع قوَّة الرقابة الحكوميَّة، لكن مع تغيُّر الحال صار الملتزِم يفرض ضرائب على الفلاحين والعمَّال أكثر بكثيرٍ ممَّا دفع إلى الحكومة [10]، وهذا أثقل كواهل الشعب، وأدَّى إلى ظهور مراكز القوى الإقطاعيَّة[11]. وصل الفساد إلى مؤسَّسة الأوقاف الخيريَّة[12]، فتلاعب المتصرِّفون فيها بأموالها، كما اخترع الأغنياء أوقافًا وهميَّةً لأراضيهم وعقاراتهم لتستفيد من الإعفاء الضريبي على الأوقاف، وهذا حرم الدولة من مصادر دخلٍ مهمَّة.

3. معضلة الإنكشارية:

كانت الإنكشارية هي أهمُّ فرقة عسكريَّة في الجيش العثماني، ويرجع إليها الفضل في معظم الفتوحات العثمانية؛ ذلك لأنهم محترفون ومتفرِّغون للقتال والتدريب العسكري. أصل الإنكشارية غلمان غير مسلمين تربُّوا على الإسلام منذ نعومة أظافرهم، كما هو معروفٌ في نظام الدوشيرمة الذي ابتُكر -كما مرَّ بنا- في زمن أورخان. كان محظورًا على هذه الفرقة الزواج، وكان محظورًا عليهم كذلك العمل في الأعمال الحرفيَّة والتجارة، والهدف هو تفريغهم للعمل العسكري. كانت قوَّتهم مخيفةً لأوروبا كلِّها.

في مقابل هذه الحياة الشاقَّة التي لا أسرة فيها ولا عمل غير القتال كان رجال الإنكشارية مُقَدَّمين على غيرهم في مناصب الجيش الكبرى، كما كان بعضهم يصل إلى مراكز الوزراء، بالإضافة إلى ثرواتٍ ماليَّةٍ ضخمة من جرَّاء توزيع الغنائم بعد معارك الانتصار، ونتيجة الرواتب الكبرى والمكافآت. عندما توقَّفت الفتوحات والانتصارات الكبرى في زمن سليم الثاني وبعده قلَّ دخل الإنكشارية، وفي ظلِّ ضعف السلاطين بدءوا في التمرُّد عليهم بغية زيادة الثروة. يقول محمد كرد علي: «تقدَّم معنا أن جيش الإنكشارية بدأ انحطاطه من عهد مراد الثالث، وقد رأيناه في عهده الأخير أعظم عابثٍ في الولايات بحياة الرعيَّة، يقتل بعضه بعضًا، ويقتتل مع الطبقات العسكريَّة التي أُنشئت بعد، مثل السكبان والقبوقولي، والدالانيَّة (أنواع من الفرق العسكرية)، وكم من فتنةٍ حدثت بين هذه الطبقات من الحاميات! وكان معظم ضرره أيَّام السلم يتناول أبناء الأمَّة، ويسلب قراها، ويبتزُّ أموالها، ويسطو على النساء والولدان، فزاد بجبروته في شقاء البلاد»[13].

حاول مراد الثالث حلَّ معضلة الإنكشارية عن طريق فتح الباب للمسلمين بشكلٍ عام[14] -وليس فقط الأطفال غير المسلمين- للاشتراك في الفرقة الإنكشارية، كنوعٍ من الضغط على رجال الإنكشارية الأصليِّين، ولكن هذا لم يكن مغريًا للمسلمين العاديِّين لصعوبة حياة الإنكشاري المعتزل للحياة، والمتفرِّغ للقتال. غيَّر مراد الثالث في قوانين الإنكشارية فسمح لهم بالزواج وتكوين الأسر، كما سمح بالعمل للاكتساب المادِّي في حال عدم وجود حروبٍ عسكريَّة[15]. أفاد هذا الأمر في جانب، وأضرَّ في جوانب أخرى. هدأت تمرُّدات الإنكشارية نسبيًّا لكن انخفض مستواهم العسكري، وسيكون لهذا مردودٌ على معارك الدولة ضدَّ أعدائها الأقوياء. -أيضًا- استغلَّ الإنكشارية قوَّتهم في السيطرة على بعض أسواق العمل[16]، فظهرت صورٌ من «البلطجة» لم تكن معروفةً في المجتمع العثماني. مع مرور الوقت، تسلل الفساد إلى هذه المؤسَّسة المدجَّجة بالسلاح، وصار خطرها على السلطان والدولة أشدَّ من خطرها على الأعداء! ولقد أصدر مراد الثالث أمرًا بمنع شرب الخمر بعد أن شاع في زمن سليم الثاني، وأفرط فيه الإنكشارية، ولكن الإنكشارية ثاروا على القرار، فاضطرَّ السلطان المغلوب على أمره إلى أن يُبيحه من جديد[17]! إنه في ظلِّ غياب شخصيَّاتٍ كاريزميَّةٍ قويَّة كالسلطان الفاتح، أو سليم الأول، أو سليمان القانوني، صارت السيطرة على هؤلاء الإنكشارية شبه مستحيلة، وهذا كان له مردوده السلبي الكبير على الدولة في معظم الأحايين.

4. التخلُّف العلمي:

التخلُّف العلمي لا يعني غياب العلوم؛ إنما يعني «التخلُّف» عن مسيرة العلم التي قطعها العلماء المعاصرون، وأحيانًا السابقون؛ لذا فلا ينبغي التدليل على اهتمام الدولة بالعلم عن طريق وصف بعض الإنجازات العلمية التي حقَّقتها الدولة؛ إنما ينبغي النظر إلى هذه الإنجازات بالمقارنة بمثيلاتها في الدول الأخرى، وعندئذٍ يتبيَّن الفرق بين التقدُّم والتخلُّف.

لم تهتم الدولة العثمانية بالعلم بشكلٍ عامٍّ في كلِّ تاريخها إلا في زمني السلطان الفاتح والسلطان القانوني. أمَّا في بقيَّة العصور التي سبقتهما، أو لحقت بهما، فلم يكن العلم قط في بؤرة اهتمام الدولة، وهذا له تأثيره السلبي الكبير على نهضة الأمَّة وقوَّتها. لا يصح هنا أن يتَّجه المؤرخون المتعاطفون مع الدولة العثمانية إلى جمع بعض النماذج من المخترعات التي حدثت في الدولة العثمانية، وإلى حصر الكتب العلمية التي أُلِّفَت فيها، وإلى تسجيل أسماء الكفاءات الطبية، والفيزيائية، والجغرافية، والشرعية، وغير ذلك من الكفاءات العلمية. لا يصحُّ هذا لأننا نعلم يقينًا أنه موجود، ولكن الصواب أن نُقارنه بما يحدث في الدول المعاصرة للدولة العثمانية في المرحلة التاريخيَّة المعيَّنة، لنعرف هل الدولة العثمانية «متقدِّمة» على غيرها، أم «متخلِّفة» عنهم.

إن المقارنة هذه تُظْهِر حجم المشكلة! إن أوروبا في هذه الفترة كانت تعيش أزهى عصورها العلمية. بدأت النهضة العلمية في القرن الخامس عشر في إيطاليا، وسرعان ما انتشرت إلى فرنسا، وألمانيا، وإنجلترا، وسائر البلاد الأوروبية. كانت لا تمرُّ سنةٌ دون اختراع، ولا نرى عقدًا من الزمان دون إضافةٍ علميَّةٍ ملموسة. شمل ذلك كلَّ المجالات.

رأينا هذا التقدُّم في الطب، والهندسة، والفلك، والكيمياء، والفيزياء، والجغرافيا، ورأيناه في العلوم الإنسانية، والفلسفة، والفكر، ورأيناه كذلك في العلوم السياسية، والعسكرية، والاقتصادية. كلُّ هذا والدولة العثمانية في وادٍ آخر تمامًا! العلماء المحترفون قليلون، ومستواهم أقلُّ جدًّا من مستوى علماء أوروبا، والزمن لا يزيد الفجوةَ بين المسلمين ونصارى أوروبا الغربيَّة إلا اتِّساعًا! لا شَكَّ أن هذا سيكون له مردودٌ كبيرٌ على واقع الدولة العثمانية ومستقبلها؛ بل أحسب أن هذا التخلُّف العلمي عن الغير هو أحد أكبر معوِّقات مسيرة الدولة في هذه المرحلة، إن لم يكن أكبرها مطلقًا! وسيكون هذا السبب هو أحد أهم أسباب سقوط الدولة لاحقًا.

إن التقدُّم العلمي ليس شيئًا ترفيًّا! إنه ضرورةٌ حتميَّةٌ للسبق، والدولة التي لا تأخذ بأسبابه الصحيحة لا بُدَّ أن تُعاني. إننا ضربنا قبل ذلك عند حديثنا عن زمن بايزيد الثاني مثالًا عن تخلُّف الدولة العثمانية في مسألة الطباعة، وأعود هنا في هذه السطور لأرصد الواقع الذي كانت عليه الدولة العثمانية بالمقارنة بأوروبا في هذه المرحلة. نحن الآن على أعتاب القرن السابع عشر.

اخترع المهندس الألماني جوتنبرج Gutenberg آلة الطباعة في الأربعينيَّات من القرن الخامس عشر، في مدينة ماينز Mainz بألمانيا[18]. في عام 1480م كانت محلَّات الطباعة موجودةً في أكثر من مائة مدينةٍ أوروبِّيَّة[19]. كما ذكرنا قبل ذلك منع بايزيد الثاني عام 1485م دخول المطبعة إلى الدولة العثمانيَّة[20]، وماذا كانت النتيجة؟ في الجزء المتبقِّي من القرن الخامس عشر طُبَعت في أوروبا حوالي عشر ملايين نسخة من الكتب، وفي القرن السادس عشر تجاوز عدد الكتب المطبوعة في أوروبا مائتي مليون نسخة، وسوف يتجاوز هذا الرقم أربعمائة مليون نسخة في القرن السابع عشر[21]! في الوقت الذي كان فيه الأوروبيون يقرءون هذه الكتب أين كانت الدولة العثمانية؟ سُمِح لليهود فقط قي البداية بإدخال المطبعة على أن تُطبع بالعبريَّة فقط، وليس بالعربيَّة، ولا التركيَّة، فدخلت عدَّة مطابع لهم في إسطنبول أعوام 1494م، و1505م، و1510م، و1511م، ثم في سالونيك في 1512م، ثم في حلب في 1519م، ثم سُمِح للأرمن بمطبعةٍ في إسطنبول عام 1567م[22][23].

هذه هي مطابع القرنين الخامس عشر، والسادس عشر في الدولة العثمانية! وسوف يُسْمَح في القرن السابع عشر، والذي نحن مقبلون عليه، للعرب النصارى بأوَّل مطبعةٍ لهم في لبنان عام 1610م، وكانت في دير قوزحية[24]، ثم ستدخل المطبعة للأرثوذكس اليونانين عام 1627م[25]. هذه هي مطابع القرن السابع عشر كلِّه، ولن تدخل المطبعة لمسلمي الدولة العثمانية، أو لمؤسَّسات الدولة بشكلٍ عامٍّ إلا في القرن الثامن عشر، وتحديدًا في عام 1727م[26]! هذا هو وضع الطباعة -كمثال- في الدولة العثمانية، وفي إسطنبول نفسها، أمَّا الولايات التابعة فحالها أسوأ؛ فإن القاهرة على سبيل المثال لم تعرف الطباعة إلا في عام 1822م، وهي مطبعة بولاق، وكان الذي أدخلها محمد علي باشا[27]، وليس الدولة العثمانية الأم! إن هذا يعني أن الفجوة العلميَّة بين أوروبا وإسطنبول كانت تقترب من ثلاثمائة سنة، وبين أوروبا والقاهرة كانت تقترب من أربعمائة سنة، أمَّا بقيَّة المدن العثمانية، في إدرنة، وبورصا، وصوفِيا، ودمشق، ومكة، والمدينة، والقدس، وبغداد، والجزائر، وصنعاء، وغيرها، فكانت أسوأ حالًا! إن الفجوة واسعةٌ حقًّا، ولا يمكن أن تُفَسَّر بأيِّ سببٍ منطقي؛ إنما هو التواكل، والتكاسل، والإهمال، والفساد، وغياب الرؤية.

ثانيًا: عوامل القوة الداخلية:

إن عوامل الضعف الأربعة التي ذكرناها؛ ضعف السلاطين، والفساد، وسوء حال الإنكشارية، والتخلُّف العلمي، لهي عواملٌ كفيلةٌ بإسقاط أيِّ أمَّة، ومع ذلك لم يحدث هذا مع الدولة العثمانية! بل لم تتراجع أصلًا! إنما ظلَّت ثابتة المستوى قرنًا كاملًا تقريبًا، أي إلى عام 1683م، حتى بعد هذا العام كان تراجعها متدرِّجًا وبطيئًا، وظلَّت محتفظةً بمكانةٍ مهمَّةٍ في الموازين العالميَّة! ما سِرُّ ذلك؟

الواقع أنه في مقابل عوامل الضعف الأربعة التي ذكرناها كانت هناك عوامل قوَّةٍ داخليَّة أسهمت في «معادلة» عوامل الضعف، فظلَّ المستوى ثابتًا دون اهتزاز، وكانت الهزائم بعدد الانتصارات، وكانت المفاسد بقدر المصالح، وكانت الجرأة على الدولة العثمانية في جانبٍ مصحوبةً برهبةٍ منها في جانبٍ آخر، وهذا هو الذي أبقى الدولة في عداد القوى العالميَّة العظمى في القرن السابع عشر، على الرغم من عوامل الضعف الكبيرة التي ذكرناها. إننا يمكن أن نُناقش عوامل قوَّة الدولة العثمانية في القرن السابع عشر تحت العناوين التالية:

1. الهيبة العثمانية:

كانت القناعة الأوروبية قد وصلت في هذه المرحلة التاريخيَّة إلى أن الدولة العثمانية لا تُهْزَم بشكلٍ حاسمٍ أبدًا! أقصى ما هنالك أن تُحقِّق الجيوش الأوروبية عليها نصرًا عابرًا سرعان ما يتلاشى. كانت هذه القناعة نتيجة الانتصارات الكبرى التي حقَّقها العثمانيون على مدار ثلاثة قرونٍ كاملة. لن ينسى الأوروبيون مواقع إدرنة، وكوسوڤو، ونيكوبوليس، وڤارنا، وفتح القسطنطينية، ونيجروبونتي، وموهاكس، وقبرص، والجزائر، وتونس، ووادي المخازن، وغيرها.

حتى عندما حقَّق الأوروبيون النصر في ليبانتو عام 1571م استطاع العثمانيون في غضون شهور أن يُعيدوا بناء أسطولهم، وكأن شيئًا لم يكن! كان الأوروبيون قد وصلوا إلى درجةٍ من اليأس لا تسمح لهم بالتفكير في إخراج العثمانيين من أوروبا؛ إنما فقط كانوا «يحلمون» بتحقيق التوازن، وهو في عرف معظمهم مستحيل. يقول المؤرخ الأميركي دونالد كواترت: «كانت الأمهات في ڤيينا يأمرن أولادهن بالنوم، وإلا التهمهم «الأتراك»!.. لكن هذا الوضع تغيَّر بعد سنة 1683م»[28].

هذه السنة التي حدَّدها كواترت هي التي حدثت فيها هزيمة ڤيينا، وعلى إثرها بدأ التراجع النسبي، وسنأتي لتفصيله لاحقًا، ولكن الشاهد من كلامه أن الأتراك كانوا يُمثِّلون رعبًا لأوروبا طوال القرن السابع عشر كلِّه. ليست هذه الهيبة من فراغٍ بالطبع؛ إنما هي نتاج عوامل كثيرة متضافرة. إنها نتاج التاريخ العسكري الذي أشرنا إلى طرفٍ منه، ونتاج المساحة الرهيبة التي تشملها الإمبراطورية العثمانية، حيث كانت تزيد على خمسة عشر مليون كيلو متر مربع في أوائل القرن السابع عشر، وذلك بعد خروج المغرب، وبورنو، وبولندا، من الحساب، ونتاج الكثافة السكانيَّة المهولة التي تعيش في الدولة العثمانية؛ فسكانها يزيدون على مائة مليون في هذا الوقت، وهذه أكبر كثافة سكانيَّة في العالم بأسره، ولقد كان سكان الصين آنذاك ثمانين مليون، وكانت إسبانيا هي أكبر دولة أوروبية من ناحية السكان؛ فكان سكانها بعد حساب مستعمرات أميركا وغيرها يصلون إلى ثلاثة وثلاثين مليونًا من البشر، أمَّا بقيَّة الدول الأوروبية فكانوا أقلَّ من ذلك بكثير، وكان سكان روسيا سبعة ملايين فقط[29].

لم تكن الهيبة من فراغٍ قط! ولقد كان الأمراء الأوروبيون يسمعون شعوبهم وهم يرجون وضعًا كوضع رعايا الدولة العثمانية، فكان هذا يزيد من إحباطهم في النصر على العثمانيين، ولقد قال المستشرق الفرنسي ماكسيم رودنسون Maxime Rodinson: «في إيطاليا عبَّرت كثير من الأقاليم لحكوماتها المستبدة عن أنها تُرحِّب من كلِّ قلبها بغزو تركي مثلما فعل بعض البلقانيِّين المسيحيِّين»[30]!

2. الإدارة العثمانية:

لم تكن الإدارة العثمانية نتاجَ حضارةٍ واحدة؛ إنما جمع العثمانيون في إدارتهم جهود عدَّة حضارات دفعةً واحدة! كان للأتراك أنفسهم موروثهم الحضاري الذي اصطحبوه من بلادهم الأصليَّة في وسط آسيا، ومن إمبراطوريَّات المغول والصين، وكان للإدارة السلجوقيَّة أثرٌ كبيرٌ عليهم، ثم كان للبيزنطيِّين بكلِّ تاريخهم الحضاري العريق أثرٌ مباشرٌ على الفكر العثماني، وأُضيف إلى كلِّ ذلك منظومات بلغاريَّة، ورومانيَّة، وصربيَّة، وألبانيَّة، فضلًا عن الأساليب المستوردة التي درسها السلطان الفاتح وغيره من أنظمة إيطاليا، وفرنسا، وغيرهما من الحضارات الأوروبية.

هذه التركيبة المدهشة من الأساليب خلقت شكلًا إداريًّا قويًّا ومتفرِّدًا استطاع الصمود أمام العواصف عدَّة قرون. كانت الإدارة العثمانية تتميَّز بالدقَّة، والجودة العالية، والبساطة دون تعقيدات [31]. وأكثر من ذلك وأهم أن العثمانيين كانوا يتميَّزون بصرامةٍ شديدةٍ في تطبيق النظم الإدارية، بحيث تكون المخالفة أمرًا شائنًا لا يُقْبِل عليه عاقل، ويكون العقاب على المخالفة مباشرًا وحادًّا[32]، ممَّا يجعل النظام يُطَبَّق على الجميع دون استثناء. لا شَكَّ أن الفساد الذي ظهر في أروقة الدولة في أخريات القرن السادس عشر وبعده، له أثرٌ سلبيٌّ على هذه الإدارة، لكنه لم يكن بالأثر الذي يُعَطِّل المسيرة، ولقد حفظت هذه الإدارة المـُحْكَمة كيان الدولة، ولم يكن لضعف مواهب وإمكانات الموظفين في العصور المتأخرة أثرٌ كبيرٌ على هذه الإدارة، فكان هذا من عوامل قوَّة الدولة اللافتة. قال المؤرخ الفرنسي چان سوڤاچيه Jean Sauvaget، في كتابه الرائع «مقدِّمة لتاريخ الشرق الإسلامي»، وهو يصف الدولة العثمانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر: «دولةٌ من أعظم دول الغرب وأقواها، إن لم نقل أعظمها وأقواها على الإطلاق… وكانت إدارتها الحكوميَّة منظمة تنظيمًا محكمًا تهدف إلى توفير الخير العام…»[33]. والواقع أن مثل هذه الشهادات في حقِّ الإدارة العثمانية كثير.

3. الصدور العظام الأكفاء:

انتقلت القيادة الفعلية للدولة العثمانية من أواخر القرن السادس عشر وإلى أواخر القرن الثامن عشر، أي حوالي مائتي سنة من السلاطين إلى الصدور العظام، مع استثناءاتٍ محدودةٍ في حياة بعض السلاطين، ولقد وَهَبَ اللهُ الدولة عددًا من الصدور العظام الأكفاء الذين قاموا بأمر القيادة والإدارة على نحوٍ جيِّدٍ تمامًا عَوَّض النقص الذي كان يعتري السلاطين، وكما رأينا في عهد السلطان سليم الثاني، وأوائل عهد السلطان مراد الثالث، أن الذي كان يُدير البلاد هو الصدر الأعظم الكفؤ محمد صوقللو باشا، ثم حدث بعد اغتياله أن تولى هذا المنصب المهم عددٌ من غير الأكفاء الذين وضعوا البلاد في حرجٍ نسبي، ولكن من لطف الله بالدولة العثمانية أن رزقهم عائلةً أخرى من العائلات الإداريَّة القويَّة، وهي عائلة كوبرولو Köprülü الألبانيَّة، التي قدَّمت عددًا من الصدور العظام المتميِّزين، الذين أداروا البلاد بكفاءةٍ على مدار نصف قرنٍ تقريبًا، من 1656م إلى 1702م، وهذه الإدارة حفظت الدولة من التفكُّك في ظلِّ وجود سلاطين غير أكفاء، ولقد كانوا من الأهميَّة لدرجة أن الفترة التي تولوا فيها منصب الصدارة العظمى عُرِفَت في التاريخ العثماني بالحقبة الكوبروليَّة Köprülü era[34].

في الواقع أرى أنه لا بأس أن يكون المتصرِّف في أمور البلاد سلطانًا أو صدرًا أعظم طالما توافرت فيه الكفاءة والأمانة. إن المسمَّيات هنا لا أهميَّة لها؛ إنما المهمُّ هو المضمون، وطالما تُحقِّق الشخصيَّة القياديَّة أهداف حكم البلاد، وتُنسِّق بحكمة بين الجهود المختلفة لقادة البلد، فإنه لا ضير أن يكون صدرًا أعظم، أو وزيرًا، أو غير ذلك من الأسماء.

4. المقدرة العسكرية:

بُني الجيش العثماني على نحوٍ شديد الفعاليَّة على مدار أكثر من قرنين من الزمان. كان السلاطين السابقون لعهد الثبات على درجةٍ عظيمةٍ من الكفاءة العسكريَّة، ولذلك كان الجيش العثماني من أفضل جيوش العالم قاطبة. كان للدولة القدرة على جمع أكثر من ثلاثمائة ألف مقاتل في جبهةٍ واحدة، مع العلم أن الدولة كانت تُقاتل في أكثر من جبهة، وفي وقتٍ متزامن. ولم تكن القوَّة تكمن في الأعداد فقط، بل كانت الاحترافيَّة وطرق القتال الحديث في أعلى مستوياتها، خاصَّةً فرقة الإنكشاريَّة المرعبة. كانت شجاعة الجنود العثمانيين مضربًا للمثل، خاصَّةً في القرون الثلاثة الأولى من عمر الدولة. تميَّز الجيش العثماني -أيضًا- بعددٍ كبيرٍ من القادة الاستراتيجيِّين الذين يملكون رؤيةً عسكريَّةً صائبة، ومِنْ ثَمَّ كانت خططهم مبهرة، وأساليبهم في المعارك متجدِّدة. ينتمي للجيش العثماني كذلك عددٌ كبيرٌ من رجال الجاسوسيَّة والمخابرات.

لم يكن هناك أمر يتمُّ في دواوين الحكم في أوروبا أو إيران إلا ويأتي خبره فورًا إلى إسطنبول. هذا هو الجيش العثماني على المستوى البشري، أمَّا على المستوى التقني فكان هذا الجيش من أكثر جيوش العالم تحديثًا لسلاحه، وهو من أوائل جيوش الدنيا التي استخدمت مدافع البارود، واستعملت البنادق الناريَّة. من المعروف جيدًّا أن المدافع العثمانية من أقوى المدافع في العالم، ومن أكثرها مرونةً في الحركة والمناورة. كانت فرقة الخيول العثمانية «السباهي» من أكثر فرق العالم كفاءة، وكذلك كانت الفرق المساعدة كفرق النقل، والتموين، والفرق الهندسيَّة، والطبيَّة. يُضاف إلى هذه الطاقة العسكريَّة المهولة بنية تحتيَّة عسكريَّة شديدة التميُّز. كانت الدولة العثمانية تمتلك عددًا ضخمًا من القلاع الحصينة في كلِّ أرجائها.

كان هذا المخزون الاستراتيجي من القلاع كافيًا لصدِّ أعتى الجيوش العالميَّة في هذه المرحلة التاريخيَّة. وَرِث العثمانيون جزءًا من هذه القلاع من البيزنطيين، والصرب، والمجريين، واليونانيين، والبنادقة، وغيرهم، وبنوا كذلك قلاعًا أخرى تكميليَّة مهمَّة، وهذا جعل بلادهم شديدة الحصانة. امتلكت الدولة العثمانية كذلك عددًا غير عادي من المدن الاستراتيجيَّة العسكريَّة التي تتحكَّم في محاور الحركة المحلِّيَّة والدوليَّة. إننا لا نتخيَّل حقيقةً كيف كانت دولةٌ واحدةٌ تمتلك بمفردها مدنًا مثل إسطنبول، وإدرنة، وبودابست، وبلجراد، وصوفيا، وشقودرة، وسكوبيه، وأثينا، وطرابزون، وحلب، ودمشق، وبغداد، والقاهرة، وطرابلس، وتونس، والجزائر، وعدن! إن هذه مجرَّد أمثلة، أمَّا مجموع المدن الاستراتيجيَّة في الدولة فيتجاوز المئات بلا جدال! اهتمَّ العثمانيون كذلك بتعبيد الطرق، وبناء الجسور العملاقة التي تسمح بمرور المدافع الثقيلة، والجيوش الكبيرة، فكانت حركة الجيوش من مكانٍ إلى آخر تتمُّ بسلاسةٍ لافتة.

لم يكن الأسطول العثماني خارجًا عن هذه الصورة المبهرة؛ حيث كان من أقوى أساطيل العالم، خاصَّةً في زمن سليمان القانوني. كان يحوي عددًا ضخمًا من السفن الحربيَّة القويَّة، بالإضافة إلى سفن النقل، وكان مزوَّدًا بالمدافع الناريَّة الدقيقة. أخيرًا كانت الدولة العثمانية تمتلك عددًا كبيرًا للغاية من الموانئ العسكريَّة الاستراتيجيَّة على عدَّة بحارٍ عالميَّةٍ مهمَّة. كان البحر الأبيض المتوسط وكأنه شبه بحيرةٍ عثمانية؛ حيث كان محاطًا من جنوبه، وشرقه، وشماله الشرقي بالأراضي العثمانية، أمَّا البحر الأسود والبحر الأحمر، فكانا بحيرتين عثمانيَّتين خالصتين، فضلًا عن الموانئ المهمَّة للدولة العثمانية على بحر إيجة، والبحر الأدرياتيكي، والأيوني، وخليج عدن، والخليج العربي. هذا كله بخلاف الأنهار الاستراتيجيَّة في الدولة التي تسمح بنقل الأساطيل الحربيَّة الصغيرة من مكانٍ إلى مكان، كنهر الدانوب، ونهر ساڤا، ونهر النيل، ونهر الفرات، وأنهار بلغاريا، والبوسنة، واليونان. هذه منظومةٌ عسكريَّةٌ غير عاديَّة! لا تقوى دولةٌ عالميَّةٌ في هذه المرحلة التاريخيَّة على تجاهل هذه الطاقة العسكريَّة الشاملة. حتى لو ضعف السلاطين، أو ظهر الفساد في الإدارة، فإن امتلاك الدولة العثمانية لهذه المقدَّرات يجعلها قوَّةً عظمى مخيفةً مهما كان الأمر. لن تنتهي هذه الطاقة الجبَّارة في يومٍ وليلة؛ إنما يحتاج الأمر لقرنٍ من الزمان أو أكثر حتى يعفي الزمن على هذه القوَّة إذا لم يتم تحديثها ودعمها.

5. الاقتصاد العثماني:

كان الاقتصاد العثماني عملاقًا كالدولة! لم تستورد الدولة طعامًا قط. كانت الأراضي الزراعيَّة الخصبة منتشرةً في أرجاء الدولة؛ في البلقان الأوروبي، وغرب الأناضول، والعراق، والشام، ومصر. لذلك كانت الدولة العثمانية -حتى بعد ضعفها- من أهمِّ الدول المصدِّرة للطعام والموادِّ الزراعيَّة إلى أوروبا[35]. ومع ذلك لم تكن الدولة -في هذه المرحلة- زراعيَّةً فقط؛ إنما كانت صناعيَّةً كذلك، خاصَّةً في القرن السادس عشر. انتشرت في الدولة مصانع النسيج، والأخشاب، والمشغولات الذهبيَّة والفضيَّة، والأدوات المعدنيَّة، فضلًا عن مصانع السلاح، وترسانات الأساطيل.

انتشرت المناجم كذلك في الدولة، واهتم العثمانيون بالتعدين. لا شَكَّ أن القرن السابع عشر شهد تخلُّفًا في الصناعة عن أوروبا نتيجة الفجوة العلمية بين الدولة العثمانية وكافَّة دول أوروبا الغربيَّة، لكن لم يكن هذا التخلُّف الصناعي مؤثِّرًا بقوَّةٍ على اقتصاد الدولة في هذه المرحلة. ازدهرت التجارة في الدولة العثمانية، واشتُهرت في الدولة عدَّة مدنٍ كأسواقٍ كبرى على المستويين المحلي والعالمي؛ كإسطنبول، وبورصا، والإسكندرية، وبيروت. كانت التجارة المحلِّيَّة نشطةً جدًّا لاتِّساع مساحة الدولة، ولم تكن التجارة الخارجيَّة بأقلَّ نشاطًا منها؛ خاصَّةً أن الدولة العثمانية عملت كوسيطٍ بين آسيا، وأوروبا.

دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 575- 592.