السلطان سليمان القانوني وحصار مالطة 1565م

فتح الملف الأوروبي مجدَّدًا (1565-1566)

هدأت الأمور في الدولة من جديد بعد معركة چربة، ثم كارثة إعدام بايزيد وأولاده، لمدَّة أربعة أعوام، ثم عادت للاشتعال من جديد في العامين الأخيرين من عمر سليمان القانوني؛ 1565 و1566م، كأن الله أراد أن يرحمه، بإعطائه فرصة الموت مجاهدًا، بعد التقلبات المضنية التي مرَّت بها حياته، والقرارات الغامضة التي لم يفهمها معاصروه، ولم يفهمها حتى الآن معظم المؤرخين.

حصار مالطة: (1565م)

أخطأت الدولة العثمانية خطأً استراتيجيًّا جسيمًا بعدم مهاجمة جزيرة مالطة فورًا بعد انتصار چربة عام 1560م. كانت الأساطيل الأوروبية المهمَّة قد دُمِّرَت في هذه المعركة، وكان فرسان القديس يوحنا مصابين إصابةً كبيرة؛ ومِنْ ثَمَّ كانت فرصة نجاح اقتحام الجزيرة كبيرة؛ لكن يبدو أن الدولة كانت مشغولة آنذاك بمشكلة التمرُّد الداخلي الذي أسفر عن إعدام الأمير بايزيد؛ ممَّا ضيَّع هذه الفرصة الثمينة.

كان احتلال مالطة يُمثِّل خطوةً مهمَّةً في مستقبل الدولة العثمانية. هذه المحطَّة الاستراتيجيَّة كانت مهمَّةً في ثلاثة أمورٍ على الأقل؛ الأول هو توفُّر نقطة عسكريَّة مهمَّة لحماية السفن العثمانية في حال اتجاهها إلى مستعمراتها في شمال إفريقيا، والثاني هو توفُّر نقطة انطلاق مهمَّة إلى صقلية، والتي تُمثِّل بدورها نقطة انطلاق إلى إيطاليا بشكلٍ خاص، وأوروبا بشكلٍ عام؛ لذا فاحتلال مالطة مفيدٌ للغاية في استكمال السياسة التوسُّعيَّة العثمانيَّة في أوروبا، والثالث هو القضاء على القوَّة المخيفة لفرسان القديس يوحنا، التي تُمثِّل عبئًا ملموسًا على السفن التجارية المسلمة، ومعظمها الآن عثماني، والتي تجوب البحر المتوسط بكثرة.

كان الجميع يعلم أن غزو العثمانيين لجزيرة مالطة سيحدث إن عاجلًا أو آجلًا، خاصَّةً بعد اشتراك الفرسان مع الأسطول الصليبي في مهاجمة جزيرة چربة، وفي محاولة غزو طرابلس. تباطأت الدولة العثمانية في هذه الخطوة الاستراتيجية؛ بينما أسرع رئيس الفرسان چين باريسوت دي لا ڤاليت Jean Parisot de La Valette بتحصين مالطة بقوَّة في خلال السنوات التالية لهزيمتهم في چربة، كما اهتم بجمع المرتزقة، واستدعاء الفرسان من أقطار أوروبا، واستنفار البابا والأمراء الأوروبيين لزيادة دعم الجزيرة. ومع ذلك فالدعم الأوروبي لمالطة كان ضعيفًا[1].

في منتصف عام 1564م تمكَّن فرسان القديس يوحنا بقيادة ماثورين روميجاس Mathurin Romegas -وهو من قادتهم المشهورين الذي سيُصبح رئيسًا لهم لاحقًا- من أَسْر سفينة تجارية عثمانية كان عليها عددٌ من الشخصيَّات المرموقة؛ منهم والي القاهرة، ووالي الإسكندرية، وأحد رجال القصر الملكي بإسطنبول[2]. أفاق الحدثُ الدولةَ العثمانية، وأجبرها على اتخاذ خطوةٍ مؤجَّلةٍ منذ خمس سنوات.

قرَّر السلطان إخراج أسطولٍ كبيرٍ إلى جزيرة مالطة يهدف إلى مسح الفرسان من على وجه الأرض! كان الأسطول مكوَّنًا من مائتي سفينةٍ تحت قيادة رئيس البحرية العثمانية بيالي باشا، ومصحوبًا بقوَّاتٍ برِّيَّةٍ برئاسة الوزير مصطفى باشا. لم يكن التناغم بين القائدين جيِّدًا. جاءت قوَّاتٌ مساعدةٌ كذلك من طرابلس بقيادة واليها طرغد باشا، وكان في الثمانين من عمره، ومن الجزائر بقيادة واليها حسن باشا بن خير الدين بربروسا.

كان مجموع الجيش العثماني يقترب من ثلاثين ألف مقاتل، ومعهم مائةٌ وخمسةٌ وسبعون مدفعًا[3]. كان المدافعون عن الجزيرة من الفرسان، مع القوَّات التي تُساعدهم من إسبانيا، وإيطاليا، وأهل مالطة أنفسهم، يصلون إلى ستَّة آلاف مقاتل[4]؛ ومع ذلك فالجزيرة كانت لا تعتمد على أعداد الجنود في الدفاع عنها؛ ولكن على التحصينات القويَّة، والحماية البحريَّة؛ ومِنْ ثَمَّ كانت تبدو الأمور متعادلة.

وصل الأسطول العثماني إلى مالطة في 18 مايو 1565م، وأنزل عشرين ألف مقاتل إلى الجزيرة[5]. لم تكن القيادة في الجيوش العثمانية مؤكَّدة في يد أحد الكبار المشاركين في المعركة! كانت كأنَّها موزَّعة بالتساوي بين مصطفى باشا، وبيالي باشا، وطرغد باشا، وكان هذا خطأً جسيمًا! حدثت خلافاتٌ كبرى بين القادة في تحديد مكان الإنزال، وفي الأماكن التي ينبغي اختراق القلاع منها، وفي أسلوب القتال، وفي قرارات الحصار بشكلٍ عام[6].

بدأ القتال المباشر في يوم 19 مايو مباشرة، وبدأ قصف القلاع يوم 27 مايو. كانت الجزيرة محصَّنةً بثلاث قلاعٍ رئيسة؛ قلعة القديس إيلمو Fort Saint Elmo، وقلعة القديس ميشيل Fort Saint Michael، وقلعة القديس أنچلو Fort Saint Angelo. صمَّم مصطفى باشا على إسقاط قلعة القديس إيلمو في البداية، وكان الصواب في خلاف ذلك. سقطت القلعة فعلًا بعد ما يقرب من شهرٍ كامل، في يوم 23 يونيو[7]؛ ولكن على حساب خساراتٍ كثيرة؛ فعلى الرغم من قتل ألف وخمسمائة من الجنود النصارى[8]، فإن هذا كان على حساب قتل ستَّة آلاف جندي عثماني، نصفهم من الإنكشارية المحترفين[9].

كان فَقْدُ الجيش العثماني لهذا العدد -وهم بعيدون جدًّا عن فرصة وصول أيِّ مدد- يُمَثِّل خسارةً فادحة. استُشهد -أيضًا- حول القلعة طرغد باشا والي طرابلس[10]! كانت خسارةً فادحةً كذلك، لما له من خبرةٍ عظيمةٍ في القتال البحري. لكن كانت أهمُّ خسارةٍ في الحصار هي خسارة الوقت! كانت المؤن قد بدأت في النقصان، واكتشف العثمانيون أن فرسان القديس يوحنا كانوا قد حصدوا كلَّ زروعهم خارج القلاع، كما سمَّموا آبار المياه كذلك[11]. صار كلُّ يومٍ جديدٍ في الحصار يُمثِّل عبئًا على الجيش العثماني!

انتقل الجيش العثماني بعد ذلك لمحاصرة القلعتين المتبقيتين. بدأ القصف في أول يوليو. لم تكن المهمَّة سهلةً قط، ولم يَبْدُ أن الأسوار ستنهار أمام الطلقات. مرَّ الوقت ثقيلًا على الجيش العثماني. في خلال شهرين تقريبًا قام الجيش العثماني بثلاث محاولات اختراق رئيسة؛ في 15 يوليو، و7 أغسطس، و19 أغسطس. كانت كلُّ المحاولات غير ناجحة[12].

فقد العثمانيون عددًا كبيرًا من الشهداء والجرحى. وصل المجموع إلى ثمانية آلاف في أقلِّ التقديرات[13]. بعض المؤرخين يرتفع برقم القتلى العثمانيين -دون الجرحى- إلى خمسةٍ وعشرين ألفًا[14]! في يوم 7 سبتمبر وصل أسطول إنقاذ من صقلية بقيادة دون جراسيا Don Garcia، وهو نائب الملك الإسباني على صقلية، وكان يحمل ثمانية آلاف جندي[15]. أدرك العثمانيون أن البقاء أكثر لن يحمل إلا مزيدًا من الخسارة، خاصَّةً مع اقتراب موسم الشتاء والأعاصير[16]. قرَّر مصطفى باشا رفع الحصار في 8 سبتمبر، وبعدها بثلاثة أيام، في 11 سبتمبر[17]، رحل الأسطول العثماني عائدًا إلى إسطنبول بعد أن فشل في مهمَّته.

يُعتبر حصار مالطة من المحطات التاريخيَّة المهمَّة على الرغم من عدم تحقُّق نتائج آنيَّة بعد الحصار. كان الرعب قد ملأ أوروبا عند معرفتهم بأنباء الحصار، وكانوا يعتبرون أن سقوط خطِّ دفاعهم الأول في مالطة، والذي يقوم عليه فرسانٌ دينيُّون أشدَّاء تابعون بشكلٍ مباشرٍ للبابا، سيُمثِّل بداية سقوطٍ للمعاقل الأوروبية الواحد تلو الآخر.

تقول ملكة إنجلترا إليزابيث الأولى Elizabeth I، وهي الملكة المعاصرة آنذاك: «لو قُدِّر للأتراك أن ينتصروا على جزيرة مالطة، فإنه من غير الواضح بعد ذلك أين سيصل الخطر في جميع ممالك النصرانية»[18]. لذلك يعتبر الأوروبيون أن هذا الحصار يُمثِّل لحظةً فارقةً في تاريخ أوروبا، كما أنَّه يُمثِّل لحظةً فارقةً في تاريخ البحر المتوسط كذلك. أدرك الأوروبيون بعد هذا الحصار أنه يمكن هزيمة الأساطيل العثمانية، وهذا أعطاهم جرأةً نفعتهم في المرحلة القادمة، على الأقل على المستوى البحري، و-أيضًا- اعتُبر هذا الحصار هو بداية إعادة التوازن بين القوى المسيطرة على الملاحة في البحر المتوسط؛ فبدلًا من الهيمنة العثمانية التي تحقَّقت في خلال العقود الخمسة الماضية، ستظهر الآن قوَّة الأسطول الإسباني، ومن بعده بقيَّة الأساطيل الأوروبية، ولهذا يحرص كلُّ المؤرخين المختصين على معرفة تفاصيل هذا الحصار المهم، وهذا ما أشار إليه المفكر والمؤرخ الفرنسي الشهير ڤولتير Voltaire حين قال: «لا يوجد شيءٌ معروفٌ بشكلٍ أفضل من حصار مالطة»[19]!

[1] Cohen, Reuben: Knights of Malta, 1523-1798, Society for Promoting Christian Knowledge, Sewanee, Tennessee, USA, 1920., p. 17.
[2] Di Correggio, Francisco Balbi: The Siege of Malta, 1565, Translated from the Spanish edition of 1568: Ernle Bradford, The Boydell Press, Woodbridge, Suffolk, UK, 2005, pp. 28-29.
[3] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/320.
[4] Di Correggio, 2005, p. 41.
[5] أوزتونا، 1988 صفحة 1/320.
[6] سرهنك، إسماعيل: حقائق الأخبار عن دول البحار، المطابع الأميرية، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، 1312هـ=1895م.صفحة 1/554.
[7] Sire, 1993, p. 70.
[8]Allen, Bruce Ware: The Great Siege of Malta: The Epic Battle between the Ottoman Empire and the Knights of St. John, University Press of New England, Lebanon, 2015, p. 160.
[9] Sire, 1993, p. 70.
[10] أوزتونا، 1988 صفحة 1/321.
[11] McDonald, Paul: Malta’s Greater Siege & Adrian Warburton DSO* DFC** DFC (USA), Pen & Sword, Barnsley, South Yorkshire, UK, 2015., p. 10.
[12] Bosio, Giacomo: Histoire des Chevaliers de l’ordre de S. Iean de Hierusalem, Paris, 1643., p. 552.
[13] أوزتونا، 1988 صفحة 1/322.
[14]Cassola, Arnold: The 1565 Ottoman Malta Campaign Register, Publishers Enterprise Group, Malta, 1998., p. 111.
[15] Paoletti, Ciro: A Military History of Italy, Praeger Security International, Westport, Connecticut, USA, 2008., p. 17.
[16] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 249.
[17] أوزتونا، 1988 صفحة 1/322.
[18] Pryor, Felix: Elizabeth I: Her Life in Letters, University of California Press, Berkeley and Los Angeles, California, USA, 2003., p. 39.
[19] Bradford, Ernle: Siege Malta 1940-1943, Pen & Sword, Barnsley, South Yorkshire, UK, 2011., p. 5.
د. راغب السرجاني