بجوار السور قصة قصيرة )


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛

:: قصة وعبرة ::
ومادة قيّمة، أسأل الله تعالى أن ننتفع منها.

أ. مروة مجدي.

بجوار السور قصة قصيرة )

/

/

كانت تتوعَّدني بحِرماني ممَّا سيأتي به أبي في المساء بعد انتهائه من طلبات سكَّان العمارة، ولكن تأخذني الحياةُ الجذَّابة في المدينة، فأظلُّ أَلهو وأتأخَّر وأنسى الوعيد، وبعد عودتي إلى غرفتنا الوحيدة الدَّافئة، أعتذر لها، فتكتفي بالصُّراخ في وجهي، ثم تسرع في إحضار كلِّ ما لديها، ومرة قلتُ لها:
• أنت تكذبين!
نهرَتني على غير عادتها، فبكيتُ نادمًا، احتضنَتْني بقوَّة.
كنت أنتظرك لأخبرك بما أحضرتُه لك.

• حقًّا… أخيرًا يا أمي؟!
• عاد أبي منهكًا، ورآني بملابسي الجديدة.
• ما هذا يا “حياة”؟! “شورت”! طه رجل، يرتدي مثل أبيه.
• ما المشكلة يا (أبا طه)؟ كل أولاد العمارة يرتدون مثله.
• حياتنا صعبة، لسنا مثلهم.
• اتركه يفرح… (ربنا يخليك ليه).

لم أنَمْ من فرحتي يومها، هذه الفرحة التي افتقدتُها عامًا كاملًا في بيت عمِّي وزوجته العابسة؛ فقد تعودنا سماع الشِّجار من غرفتهما عقب عودته من شقاء يوم كامل بالحقل، وكنت غالبًا ما أسمع اسمي يتردَّد، وعلا في الليلة الأخيرة صوتُهما أكثر من اللازم.
• الولد مدلَّل!
• ليس تدليلًا… طه ذكي، وعقله كبير.
• سيفسد أولادي ويجرِّئهم عليَّ.
• ماذا فعل بك ابن العشرة الأعوام؟! مهلًا على الولد… طه يتيم… يتيم يا (وداد)!

كانت المرة الأولى التي سمعتُ فيها أنني يتيم، فلم يفاجئني أحدٌ بهذه الحقيقة مِن قبل، فاخترقَتِ الكلمةُ عقلي، ما أثقلها على الأذن واللِّسان، فمن حقها أن تحرق القلب وترجف الأطراف، ولمَ لا؟ إذا كان يعقبها حياة طويلة من البحث عن حضنٍ دافئ وسط الزحام!
ولكن لماذا الصَّدمة يا طه وأنت تتذوَّق مرارتها في كلِّ لحظة؟ منذ أن رحل أبي وأمي بدون وداعٍ إثر حادث سير في يوم (ثقيل) كان مقداره مائة عام؛ لأعيش في بيت عمِّي غريبًا بين أولاده الأربعة وزوجته التي لا تتهاون مع الخطأ، فلم تكذب عليَّ قط، ففي كلِّ ليلة تنفِّذ وعيدها بإخلاص، وأنا أيضًا لم أتراجع عن التأخير، ليست قريتنا بأقصى الصعيد بسِحر المدينة، ولكنني كنت أفضِّل البُعد، فحتى عناقها يؤلِمُني؛ لأنني أشعر أنَّ هذا الحضن لا يخصني، بل جاء عن طريق الخطأ…

ماذا حدث يا طه؟ ألا تَملُّ من التذكُّر؟! إلى متى ستظل وحيدًا بجوار السور؟! ولكن ماذا عليَّ أن أفعل، فأحداث الماضي تنهال على عَقلي دون هوادة؟! أبي وأمِّي والعمة (وداد) وعمي (حامد)، الذي أتذكَّره دائمًا في أيامي الأولى بدار الأيتام، فكان يأتي باكرًا محملًا بالهدايا، جالسًا بجلبابه الوحيد يتأمَّلني كأنني عائد من سفر.
• كيف حالك يا طه يا بُني؟
• بخيرٍ يا عمي… لا داعي لكلِّ هذا… هنا كل ما نحتاج.
• لماذا تصرُّ على موتي حيًّا؟!
• أبدًا يا عمِّي، أنت تعلم أنني أحبك.
• أنت ابني يا طه… احتضنني وبكى…

ودَّعتُه بفتور، وذهبتُ إلى غرفتي الواسعة الممتلئة بالأطفال المتشابهين، فكلنا سواسية، لم يحظَ أحدٌ باهتمام مغاير، والمشرِفات يؤدِّين أدوارهنَّ بإتقان، واسمهنَّ الأمهات البديلات، وزملائي هنا يسمَّون بالإخوان، لم يكن لديَّ إخوة، فلم يؤرِّقني الفَرق، ولكن كان لديَّ أم لم يُخلق مثلها في العالمين.
مرَّت أيَّام كثيرة وجدتُ خلالها أن الدار لم تزد عن بيت عمِّي سوى الأسوار العالية التي تحيط بنا من كلِّ ناحية؛ لتشعرك باختلافك عن الآخرين، وتبعث في نفسك مشاعرَ الفقدِ والوَحدة، فلم تمنع الأسوار البردَ القارِس من التسلُّل إلى الغُرَف ليفتك بأجسام الضُّعفاء، فيجعلني أسأل:
• ما الفرق بين العيش داخل الأسوار، أو في بيت عمِّي، أو حتى العيش في الطرقات؟! .

[color=Brownفكل هذه الأماكن ليس بها مَن يحتاجك، فلن تجد مَن ينتظر نجاحك آخِرَ العام، أو يأخذك إلى السوق تشتري ما تريد؛ ليرى ابتسامةَ رضا منك، وليس عطفًا على كائنٍ ضعيف، أن تجد مَن يسألك: كيف كان يومك؟ أعتقد أنَّك لم تجدْه، ولن تجدَه؛ لأنَّك فقدته وقتما فقدتَ والديك، وصرتَ وحيدًا إلى الأبد، فمن حقِّك أن تغيب كيفما تشاء، فقلت لنفسي: • أرِح قلبك يا طه.[/color]

ولكنني وجدتُ بعضَ العزاء في زيارات الغرباء؛ فهي تَكسر صمتَ الأسوار أحيانًا، حتى وهبني القدر “حنين” وأباها، فكانا يواظِبان على زيارة الدار، وكنتُ أنتظر (بابا عماد) طوال الأسبوع لأخبرَه أدقَّ تفاصيل يومي، أمَّا “حنين” فهي تَصغرني بثلاث سنوات، وكنتُ أشعر أنني مسؤول عنها، فكانت تجلس معي بالساعات تحدِّثني كثيرًا عن أمِّها الراحلة وأصدقائها، وتشتكي لي أحيانًا من زوجة أبيها، تشابهَتْ قصَّتنا، فوجدت أنَّني لستُ الشَّقيَّ الوحيد، وأنَّ هناك مَن يشبهني خارج الدار، وكنتُ أتشوَّق ليوم رؤيتها أكثرَ من أي شيء آخر، لكنَّها غابت عنِّي من فترة كبيرة، فكلما جاء موعد الزيارة أقف بجوار السور الحديدي أنتظرها، فأقول لنفسي: لا بأس، ستأتي الأسبوعَ القادم، ربما لديهم مانعٌ ما.
:diamonds: كثرَتِ الأسابيعُ ولم تأتِ “حنين”، فأسأل نفسي في كلِّ ليلة:.

• ماذا حل بكِ يا “حنين”؟! ولماذا غاب عنِّي (بابا عماد) بدون عذر؟! فكيف أناديه بأبي؟ ما أسخف هذه الكلمة! فهل الأب يترك ابنَه؟! ولو كانت أختي حقًّا، فهل يجوز ألَّا أعلم عنها شيئًا؟! إذا كانت مريضةً أو حزينة أو حتى على قيد الحياة، ما أبشعها كذبة! أب وأم وأخوات كلهم بدائل، بدائل من ورق تمزَّق لأهون سبَب أو حتى دون سبب…

ضاعت “حنين” في الزحام، وغابت عنِّي هي الأخرى بدون وداعٍ، فكثرتِ الأسابيعُ والشهور وأنا أنتظر حتى مللتُ الانتظار؛ ففي كلِّ مرَّة يأتي أناس مختلفون بملامح جديدة يغمروننا بالحنان لساعاتٍ معدودة ثمَّ يرحلون، حَنانٌ مسموم بشفقةٍ تنبع من أعينهم، ثمَّ ينسوننا إثرَ خروجهم من الدَّار؛ فقد فعلوا ما عليهم ويزيد، أمَّا أنت فتظلُّ تنتظرهم تخبرهم بأحوالك، ولكنهم لم يأتوا، ثم يأتي أناس جُدد لتبدأ من جديد، كثرَتِ الوجوهُ وتشابهتِ الملامح، فلم أستطِعِ التمييزَ بينها، فقلت: أنساها حتى لا أتألَّم من شوقي إليها؛ ليتساوى اللَّيل والنَّهار، لتعانقني برودةُ المكان فتُجمِّد الإحساس بالألم أو الفرح؛ فأستطيع النوم.

في يومٍ من أيَّام الدار، كان الأطفال على غير عادتهم، فنظرتُ من نافذة الغرفة، وجدت شابًّا وسيمًا بَشوشًا يجلس بينهم، وهم يَضحكون ويغنون، وفجأة وجدته في غرفتي.
• كيف حالك يا طه؟
• من أنت؟
• أنا أخوك.
ابتسمتُ بمرارة… مرَّة أخرى؟!
• نعم.
• آسف، لا أقابِلُ الزُّوَّار.
• وهل تتحمَّل وحدك برودةَ المكان التي تنهش في العظام صيفًا وشتاءً.
• كيف عرفت؟
• كم عانيتُ منها قبلك! انتظِرْ يا طه.
• لن أنتظر أحدًا، فقد مللتُ الانتظار، ومللتُ حنانهم المسموم.
• انتظر يومًا تعيشه خارجَ الأسوار، وأنا سأكون معك دائمًا حتى يأتي هذا اليوم…

فهمست لنفسي:
• لم أفكِّر من قبل أنَّ هناك يومًا بدون أسوار، بدون البدائل المزيفة، بدون برودة وصقيع ينخر العظامَ.
ثم قلتُ له:
• ستزورني مرَّة أخرى؟
• فقال:
• أكثر مما تتوقَّع.
• وعدني الكثيرُ قبلك… ولم يأتوا!
خرج الشاب ومكثتُ أجري وألهث وراءه حتى اختفى، فأصابني دوار لم أستطِعِ التخلُّص منه، فاصطدمتُ بالمشرفة وهي تردِّد:
• انهض يا طه، فسألتُها عن الشاب، فقالت:
• لا يوجد أحدٌ هنا، ذهب الجميع ولن يعودوا…

فقلت لها:
• إنَّه زائرٌ مختلف، فلن ينساني مثلهم، ولن يتركني أحترِقُ شوقًا له، سيعانقني كلَّ ليلة ليحميني من برودة المكان، وعلا صوت المشرفة أكثر:
• انهض يا طه… انهض، لا يوجد أحدٌ… يبدو أنَّه حلم…

المصدر/ شبكة الألوكة.

اللّهمّ أعنّا على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك.