حوارية المشتاق "قريتي"


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخوتي وأخواتي المهندسين والمهندسات؛
مقال نافع - بحوله تعالى - في رحاب الخواطر، وبوح الكلمة…

حوارية المشتاق “قريتي”

/

<img src="/uploads/default/original/2X/2/2d8650abbde66b81a294f1f9d64b78aec80ed16c.png" width=“360” height="144

/

/

حوارية المشتاق “قريتي”

[color=magantaعربات القطار التي كانت تجتاحُ المدن والقرى، وعجلاته التي لم تَحِدْ عن مسارها - لم يصرفا الركَّاب عن فكرة التعارف والتحاور؛ لتهوين مشقة الأسفار، ولوعة الانتظار، فكان هذا الحوار بين اثنين جلسَا وجهًا لوجه.

• إلى أين أنت ذاهب؟

• مبتهجًا: إني عائد.

• وإلى أين أنت عائد؟

• إلى قريتي التي تنأى عن المدينة بالكثير من “الكيلو مترات”.

• ما اسمها؟

• سنمرُّ عليها ونراها معًا.

• أراك مشتاقًا كأنك قد اغتربت عنها زمنًا.

• متنهدًا: بل قُلْ: أزمنةً وعقودًا، وكل عقد كان يمرُّ عليَّ كنت أتمنى لو أفر إليها فرار المشتاق للترياق، أو الهارب من واقع بارد إلى دفء الأماكن، ألا تدري أن للأماكن سمات تختلف من بقعة لبقعة، ومن رقعة لرقعة؟![/color]

/

يعبر بها الأقوامُ والأمم عن أغراضهم وحاجياتهم، إنها الجسر بل القنطرة التي توصلنا إلى البعيد، والسراجُ الذي ينير سبيل التائه والضال، روحٌ ثانية تسري في الأجساد، ونور يدب في الخلايا ويجعل من الإنسان إنسانًا، يحيا ويتنفَّس على هذا الكون، مسدَّدَ الخطى، مدركًا للاتجاهات، ضالعًا ومضطلعًا بخطوط البداية وشريط خط النهاية.

[color=blue]• ربما كان ذلك، أتمنى لو تَقُصُّ عليَّ مِن أنباء قريتك التي أخرجتك.

• باستغراب: قريتي ما أخرجتني! فأنا الذي خرجت وانسلخت عنها حينًا من الدهر.

• إذًا فاقصُصِ القَصَص عنها.

• ابتسم: هل لك أن ترتشف فنجان الشاي وتستمتع بالحكي عنها؟

• بادَلَه الابتسامة: ما أروع القص في صحبة الشاي!

• قريتي التي منها خرجتُ، كانت لها أيام عيد، بل قل: إن جُلَّ أيامها أعياد.

• لا تبالغ! كيف ذلك؟

• أعِرْني السمعَ.

• إذًا فابسطْ جناحَك حتى أُفهمك.[/color]

• قريتي - التي أنا عائدٌ الآن إليها - كانت من زمنٍ ليس بالبعيد خمسين أو أربعين أو يزيد، تستيقظ مع الفجر، ومع هدأة الصبح تخور الماشية وهي ماشيةٌ إلى الحقول، وكلما تكاسلَتْ لوَّحت لها الأيدي بالعصا، فتنطلق مسرعة لتدور في فلكٍ تجهله، لكنها تعوَّدت عليه، يُعجِبُ الزراعَ منها سيرُها وهي تدور فتحوِّل الغبراء من لون إلى لون، ولو ترى الذَّهب الأخاذ يزيِّن الحقول، وأعين الزراع تقَرُّ به، لقلتَ: سبحان الله!

• قريتي التي أنا عائد الآن إليها، كل العيون كانت عليها؛ فعين تنتظر، وعين تتربص، وثالثة تتوق لو تكون مثلها.

• لأجل هذا تحبُّها؟ وهذا ما أعجلك في الرحيل إليها؟!

• نعم، إنها وطن، وشجن، وفَنَن، ستحبُّها حتى تتمنى لو كان عودك قد نبت بها؛ فقريتي كانت عالية عالية.

• بمَ؟

• بأكوامِ القش في موسم الحصاد وإخراج الخَراج، والصغار تلهو من فوقه فرحةً مسرورةً، تصنع الحكايات والبطولات، ويظل وجه الأرض زمنًا لا تراه من حُلَّة القش الجديدة، حتى تبلى وتعود للأرض خلعتها الأولى.

• كل هذا مع أكوامِ القش؟

• نعم، وأكثر من ذلك، فقد كنت أنا وأقراني نتفاخرُ بالبيوت التي تعلو به طِيلة العام، دعني أهمس في أذنيك:

• كنا نعتبره “مخزونًا إستراتيجيًّا لمواد الطاقة”.

علت الضحكة، ثم كتمها مخافةَ أن يمتنع القاصُّ عن السرد:

• صدقتَ، لكن المخاطر كانت تحدق بالقرية كلها إذا ما شبَّ الحريق، أليس كذلك؟

• هو ذلك، ثم أناخ بظهرِه لكرسي القطار، وقال:

• وتدعو الحكايات بعضها بعضًا، فاسمع مني يوم أن شَبَّ بقريتي حريق.

• شبَّ حريق! إذًا من أكوام القش التي كانت تعلو البيوت، وبها تفتخر، والمخزون الإستراتيجي، يا رفيق الدرب الطويل؟!/color]

[color=darkpink]• يستطرد: كانت أمي تصنعُ لنا خبزًا كل يوم، وللعلم، ما زلتُ أُقِرُّ أنني منذ أن تركت القرية لم آكل رغيف خبز كالذي كانت تصنعه أمي.

• هل كانت له تركيبة أو وصفة لا يعلمها إلا إياها؟ أو أن قمحها كان من نوع غير الذي نأكله الآن؟ برِّر، فلكل سؤال إجابة؟

• تهكُّم: يا صاحب النجابة! رغيف أمي لم يكن يأتي بذلة، رغيف أمي كان يأتي من عرَق الرجال، وفرحة الغلمان، ورحى الأمهات، ومحاريث تجرها المرضعات إذا ما نضبت أَثْداء، رغيف أمي كان أشهي من توقيع برتوكول، أفهمت؟[/color]

[color=maganta]• تغيَّر السامع وأخفى تغيره، ثم قال:

• لَمْ تخبرني بشأن الحريق الذي كانت أمك سببًا فيه!

• قبل أن أكمل، فأمي التي شبَّ الحريق بنارها لم تَلِدْني.

• كيف ذلك؟ أنت بهذا الكلام تضلُّني.

• بل أَهْديك، كل أمهات القرية كنَّ كأمي، وأزواجهن إخوة لأبي.

• يا للود! أتريد أن تشعل نيران الشوق في رأسي بقصَّتك؟

ابتسمَا، ثم أتمَّ الحكي:

• كانت أمي تصنع الخبز للماكثين في الحقول، وكنا في شهر " أيار"؛ حيث زراعة الأرز، وما أدراك ما زراعة الأرز؟!

• أعرف بعضًا منها.

• وكانت ريح من “نيسان” قد جاءت ببقيَّة مما ترك “الخمَاسين”، لكن إصرار أمي على ألَّا يطعم زراع الحقل وكفَّاره باردَ خبزٍ هو ما اضطرها لإشعال موقدها الطيني المتواضع، فجارةٌ لنا تفرد العجين، وآثار أكفِّها غائرة فيه، وقائمةٌ تجعل من القش قربانًا تأكله النار، وأمي حينها في المواجهة، تبادلُ أدوارٍ.

• تهكُّم: تبادل أدوار؟!

• هو ذلك.

• إذًا فلتتمَّ قصة الحريق وكيف اندلع؟ هل كان في الأمر فتنة أم مكيدة؟

• لا هذه ولا تلك، كل ما في الأمر “ورقاء”.

• ورقاء؟!

• نعم “حَمَامة” كصويحباتها اللواتي يغادرن أبراجَهن يبحثن في عَصفها المأكولِ عن حبات البقول، فغرَّها عجينُ أمي ولونُ النار، فأقبلت، فامتد لسانها إليها، فأمكن من جناحها فلما حاولت أمي أن تطفئها فَرَّت مخافة الإمساك، وما إن حلَّقت بجناحَيْها في السماء حتى زاد وهج النار، فكانت تتنقل من سطح لسطح؛ حتى شبَّ الحريق بأكوام عديدة، وكان ما كان.[/color]

[color=navy]ساد صمتٌ وصمت، وتوقف القطار في محطةٍ تمنَّى كلاهما لو لم تكن تلك دار إقامته، وبالفعل قالا معًا:

• بلدتي لم تأتِ بعد، فأفصح المستمع وتهيَّأ المستطرد للذكريات.

• أخبِرني بشأن الورقاء التي احترق منها الجناح.

• نفَقَت بعدما تمكَّنت النار منها، وقد خلفت حولها أسطحًا لها وهج كوهج القيامة.

• وكيف تمَّت مجابهة الحريق والرجالُ في الحقول؟

• زُلزلت القرية زلزالها، وتولَّت الأمهات إعلامها، وأخرجت الدُّور أوعيتها، وقال المشمِّرون: نحن لها!

• وما العائد من كل ذلك؟!

• لو كنتَ من المعاصرين للحدث لَمَا قلتَ ذلك!

• كيف ذلك؟ فقد طال شأن الحريق وبالطبع فالخسائر جِسام![/color]

[color=darkorange]• اسمع لتَعِيَ، كانت القرية كلها على علم بخلافٍ استدام بين الشقيق والشقيق، وامتد للوِلْدان ثم الغلمان، وصار من المعلوم بمكانٍ أن العائلتين بينهما إِحَن ومِحَن لن تزول، ولئن زالت ستبقى في النفوس ضغينة تحرِّك السكينة.

• وهل زالت؟

• الحمد لله؛ إذ انخرط الكل في بوتقة الإطفاء ولفحت النيران وجوهَنا، لن تصدقني إن قلت لك: برغم بكاء الصغار، وتخوُّف الكبار، وفرار الداجنة المستكينة من بيضها المكنون، واستنفار الماشية لمغادرة الدواوير، وإحداث الربكة وتغير المألوف، والصراخ والحذر - كنا نُحِسُّ بارقة الأمل مُقبِلة علينا[/color]

[color=blue]• لا تقل لي: قد اصطلح الفريقان!

• بل اصطلحا، وكانت ديار الآخر مأوًى لكليهما، واقتسما الطعام والفراش.

• سبحان الله، وأمك التي كانت تصنع الخبز، وفريق تبادل الأدوار؟

• ضحك القاصُّ عاليًا، حتى لفت أنظار الركاب إليه، ثم قال - وهو ينظر للنافذة، والسحائب حُمْر بحُلَّة الترحال للشمس التي تعتزم الأفول -:

• كنا في وقتٍ كذلك، فجلسنا جميعًا وما زالت ثيابُنا التي لفحتها النيران على أجسادنا، في انتظار مطافئ المركز.![/color]

[color=darkpink]• ومتى جاءت؟

• هازئًا، جاءت بعدما وُئِدت، وحينها وقفنا حول رجال المطافئ نتعجَّب من ثيابهم الغربية، ومن قائدهم الذي تجهَّم في وجه الحضور، وهو يسأل عن أبي:

• أنت المبلِّغ عن الحريق؟

• أبي بثقةٍ: هو أنا، لكنكم قد جئتم بعدما انطفأت.

• بغلظة: سوف يحرَّر لك محضرٌ بإزعاج السلطات، تحول الصمت إلى همهمات واعتراضات وكلمات نثرتها ألسنة غير مسؤولة:

• - لِمَ؟

• - أهذا جزاؤه؟

• ظلم.

• تقدَّم رجلٌ وقال: أنا بها زعيم، وتهكَّم ثالثٌ - اعتادت القرية على مزاحه -: ما رأيكم لو نُشعِل الحريق ثانيةً، فتكون لكم الغَلبة في إخماده؟ عَلَت الابتسامة وجوهنا حتى صدحنا بها ضحكًا، وضحِك قائد فريق الإطفاء، وأخرج ورقة وقلمًا وقال بصوت هادئ: فلتقولوا بأننا قد قمنا بالإطفاء، حينها وددت لو أختَرِقُ الدائرة التي أحاطت به، وأبدي عصياني وتمرُّدي، لكن حكماء القرية عالجوا الأمر.

• قال المتلقِّي بلهفةٍ: بمَ عالجوا الأمر؟

• قال: بما لا يدع مجالًا لسريان الفتنة، يا رفيق الدرب.

• استكان المتلقي وعَلِمَ ما يقصده القاصُّ، فمازحه مغيرًا مسار الكلام:

• تفرُّ كلما سألتُك عن أمك التي كانت سببًا في نشوب الحريق، رغم تباشير الريح العاصف!![/color]

[color=brown]ضحك القاصُّ وقال:

• عرَضَت ثانيةً وقالت: سوف أعدُّ لكل أهل القرية خبزًا جديدًا، فقالوا بإجماعٍ:

• كفى يا أم الرجال، سنأكل القديد.

• وأكلتُم القديد؟!

• نعم أكلناه، وكان شهيًّا.

• جَنَّ الليل ورأى الراكبان كواكبَه، فأراد المسامر أن يستطرد ما تبقى في مخيلة القاصِّ من ليالي قريته، فقال له:

• أسمع أن ليالي القرى تكون على البساطة رائعة، وعلى قلة الإمكانات مشبعة، فهلا أطربتَ للمتلقي مسامعه.![/color]

[color=maganta]تهيأ العائد القاص، وقال:

• يكفيك نبأ النهار، لعل تلك المحطة أزِفت باقتراب مقصدك.

• ليست هي؛ ما زالت قاصية، قاصية من هنا، فلتذكر ليلة من ليالكم القروية.

• أسند القاصُّ ظهره لكرسيه، وقد شابه بعض عُجْب لِما بحوزته من آثارٍ يسعى الطالبون لها:

• ليالينا القروية! وما أدراك ما ليالينا القروية؟! حيث السكينة، والهدوء، ومذياع القرية الوحيد، وليلة مع قرَّاء الإذاعة الراحلين، وللعلمِ بيتنا هو أول من رفع “الهوائي” على سطحه، وكنت كلما رفع آخر على سطحٍ، أقول لأقراني: نحن أولو السبق.

• طورٌ مِن التفاخر؟!

• ليس تفاخرًا، بل حقيقة يثبتها التاريخ، وكذلك “المِسَرَّة” لم تكن إلا ببيت جدي ودار “العمدة”.

• انتظر، وما المِسَرَّة يا أخي؟

• باستغراب: ألا تدري ما المِسَرَّة؟

• والله لا أدري ما هي؟

• هاج القاص العائد وماج، وسُمِعَت صيحاته بين المقاعد يتنقل من راكب لآخر يقول:

• إنه لا يدري “ما المِسَرَّة”! فيسأله أحدهم: وما المِسَرَّة؟ فيتعجَّب، بينما يتهكم آخر:

• " كلِّمْنا عربي".

• يحسم القضية طالب علم، فيقول: انتظروا سوف أبحث من “محمولي” عبر محرك البحث “جوجل” عن معنى كلمة “مِسَرَّة”.[/color]
تمت بحمد الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتهى.

/
كتبه: أ. محمّد صادق عبدالعال.
المصدر/ شبكة الألوكة.