شيخوخة الروح


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخوتي وأخواتي المهندسين والمهندسات؛
مقال نافع - بحوله تعالى - حيث الشكر والعرفان.

شيخوخة الروح

/

<img src="/uploads/default/original/2X/2/2d8650abbde66b81a294f1f9d64b78aec80ed16c.png" width=“360” height="144

/

/

شيخوخة الروح

بلغتِ الرُّوح ذروتَها من الألم، واستنفدت كل قُواها لتحمل كل أنواع الألم والقهر، وما إن أرادت أن تستريح من أتعاب الحياة وأتراحِها حتى وجدت نفسها واصلة إلى وقت متأخِّر من الحياة في مقتبل العمر، وهي شيخوخة الروح، وتعني تعب الروح وذَبْلَها، قبل تقدمها بالعمر، تغيَّر معها ملامح الجسد إلى أكبر، فها هي الروح تتحمَّل وتكابر، وتصبر وتنتظر، وتستبد أحيانًا، وتحترق من الداخل أحيانًا كثيرة، من شدة الظروف المحيطة بها، إلى أن تشيخ وتذبل.
فقد يصادِفُك كثيرٌ من الناس صغار العمر كبار الروح، مغمورين بوحل الألم، منهارين من الداخل، وأرواحهم منهكة؛ لأنهم لم يُكيِّفوا أنفسهم على الخروج من الواقع السيئ بطرق بنَّاءة…

وأيضًا قد يُصادِفك أناسٌ كبار العمر صغار الروح، وتجدهم مفعمين بالأمل والتفاؤل والازدهار، وحياتهم متنورة بوردية الآمال، والسبب أنهم كيَّفوا أنفسهم لتحمُّل أعباء الحياة بالرضاء بالواقع طيِّبًا كان أم سيئًا، وتغييره بطريقة بنَّاءة يوافق عليها المجتمع، فتبقى أفكارهم متجدِّدة وطموحة، وإنك إن جلست معهم لا تملهم؛ لأنهم أرادوا أن ينموا مع كل جيل بطرق جديدة توافق أعمارَهم، فيبقوا حديثي الروح.
فلا تعتمدوا برؤيتكم في الحياة على الكبار والصغار، وتلوموا هذا وتعذروا ذاك، ابحثوا واسألوا عمَّا يحيط بهم من ظروف قاسية، وهم غير مكيفين لها، ما أدت إلى تغيير ملامحهم إلى أكبر، وتجدهم تحيط بهم الإحباطات من كل جانب، وكأنهم مقيَّدون بسلاسل الوهم، والانتظار الوهمي الذي لا نهاية له سوى التأمل الفارغ والتسويف، وقتل الوقت أكثر من اللازم، وطول الأمل يُولده التسويف والانتظار، فيوصله إلى الألم لا الأمل، فهذا لا يسمونه تفاؤلًا وأملًا، وإنما يسمى هدر الوقت وإضاعة الأعمار، بالانتظار والتمني لتغير الواقع، والحصول على الأمنيات إلى أن تذبل الروح وتشيخ

وكما قال الشاعر
فما نَيْلُ المطالبِ بالتمنِّي *** ولكن تُؤخَذُ الدُّنيا غلابَا
إننا لا نُنكِر أن هناك أوقاتًا تختنق فيها أنفاسنا من شدة صعوبة الحياة، وكأننا في متاهة لها مدخل واحد وليس لها مخرج، وقد تنعصرُ الرُّوح من هذه المواقف الصعبة التي تحيط بنا جميعًا، ولكن تذكَّروا أنه مهما صعبت الحياة التي تجعل الإنسان يفقد حتى ملامح شبابه، أن الذي خلق لك السموات السبع في ستةِ أيامٍ وهو قادر أن يخلقها بكلمة كن فيكون، أراد أن يُعلِّم الإنسان أن كل شيء له أولويات مترتبة عليه، ووقت محدد لاكتماله، وأيضًا لكي يُعلِّمه الصبر وطول البال، وعدم التعجل في كل شيء.

فإلى كل الذين شاخت أرواحهم مبكرًا أقول: مما عرَفت وتعلَّمت من الحياة أن غيِّروا تفكيركم رغم كل ما يحيط بكم من ألم، لا تنتظروا الواقع أن يتغير بمفرده، غيِّروا أنفسكم لكي تتغيَّر حياتكم إلى الأفضل، اتركُوا طول الأمل بالأيام، ولكن الأمل يكون بالله، نوِّروا طُرُقكم بنور الله وبذكرِه، أَعِيدوا نشاط أرواحكم من جديد بتجديد الإيمان بذكر لا إله إلا الله.
فمهما شاخت الروح فالله وحدَه يُعيد ترميمها بذكره الطيب، فهو يحيي العظام وهي رميم، وكذلك ببساطة الأفعال تتغير الأحوال؛ لأنه إذا صعبتِ الحياة على أنفسكم فإن الله تعالى يريد أن يقوِّيكم بصعوبة الحياة، وهي كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير))

وأيضًا إلى كل مَن شاخت رُوحه وهو ينتظر الذريَّة الطيبة، ومَن هو ينتظر المال الوفير، والرزق الحلال المبارك، ومَن هو ينتظر الوظيفة والعمل، وكل مَن ينتظر أن يرزق بسكن واسع يأويه هو وأولاده، وكل مَن ينتظر ممن هم في السجون أن يُفرج عنه، وكل مَن ينتظر أن يرزقه الله بنصفه الثاني من كلا الجنسين، لا أقول: انتظر، وإنما أقول: اصبِرْ، ومع الصبر أجر، وبعدها جزاء حسن، كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].
فلا تشخ روحك بتألم من طول الانتظار، والألم الذي أنت فيه، فالله قوي عزيز، يريد مِن عباده أن يكونوا أقوياء صابرين ذاكرين؛ لكي يعدهم أن يقودوا مجتمعات لا أفرادًا، ويكونوا مثالًا للأجيال المسلمة، لا يكونوا كالتمثال يقف في مكانه يريد مَن يحمله ويحركه كيف يشاء.
فنحن أمة العِلم والقَلم، ومِن كل ألم نصنع منه الأملَ، ونقف في وجه كل الظروف القاسية بروح متجدِّدة وشابة، مهما تغيرت الأطوار، وشاخت الأعمار، وطال الانتظار، وزادت الأخطار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتهى.

/
كتبه: أ. أمل عبدالله فرج.
المصدر/ شبكة الألوكة.