ضم تونس للدولة العثمانية (1574م)

احتلال إسبانيا لتونس، ثم ضمها للدولة العثمانية: (1573-1574م)

قرَّرت إسبانيا أن تُعزِّز موقفها ضدَّ الدولة العثمانية عن طريق احتلال تونس بشكلٍ مباشر. وجدت إسبانيا أن ولاء الحفصيِّين لها في تونس غير كافٍ لضمان السيطرة على الملاحة في البحر الأبيض. كانت موقعة ليبانتو كأنها قسمت البحر الأبيض إلى نصفين: شرقي تحت السيطرة العثمانية، وغربي تحت السيطرة الإسبانية مع حلفائها من الإمارات الإيطالية وفرسان القديس يوحنا في مالطة. كانت إسبانيا تريد تأمين وضعيَّتها في غرب البحر الأبيض عن طريق بناء قاعدةٍ عسكريَّةٍ ثابتةٍ في تونس، وكان الحفصيُّون قد بلغوا درجةً من الضعف لا تسمح لهم بالوقوف في وجه الدولة العثمانية؛ ولذلك قرَّرت إسبانيا الاحتلال المباشر لتونس.

كانت هذه الخطوة مطلوبةً على وجه السرعة بعد معركة ليبانتو لاستغلال حالة الاضطراب التي أصابت الأسطول العثماني بعد الهزيمة، خاصَّةً أن العثمانيِّين يُسيطرون بالفعل على الأجزاء الوسطى والجنوبية من تونس، بالإضافة إلى المساعدات الجدِّيَّة التي تُقدِّمها الدولة العثمانية للثائرين المسلمين في الأندلس منذ عام 1569م[1]، وهي مساعداتٌ تنطلق من الشمال الإفريقي في الجزائر وتونس.

تأخَّر الإسبان في تنفيذ هذه الخطوة بفعل الخلافات التي دبَّت في التحالف النصراني، لكن في النهاية استطاع دون چوان -قائدهم في ليبانتو- أن يحتلَّ تونس عسكريًّا في أكتوبر 1573م[2]، ويلفت النظر في هذا الاحتلال اهتمام إسبانيا بتدمير المؤسَّسات العلميَّة في تونس، حتى وصل الأمر إلى بعثرة كتب المدارس في الشوارع[3]! خلع الإسبان السلطان الحفصي أحمد، ووضعوا مكانه آخر هو السلطان محمد الحفصي تحت لقب نائب الملك الإسباني في تونس[4]! انتظرت الدولة العثمانية إلى صيف 1574م لضمان تنفيذ عمليَّة اقتحام تونس في ظروف طقسٍ مناسبة، وساعدتها الظروف بانشغال إسبانيا في قمع الثورة في هولندا.

قرَّر السلطان سليم الثاني إرسال أسطولٍ قويٍّ إلى تونس في الوقت الذي يهاجم فيه الفرنسيون إسبانيا في أوروبا[5]. أُرسل أسطولٌ كبيرٌ مكوَّنٌ من أكثر من مائتين وخمسين سفينةً حربيَّة، ويحمل خمسةً وسبعين ألفًا من الجنود؛ وذلك تحت قيادة القائدين الكبيرين أولوج علي باشا، وسنان باشا، كما تحرَّكت قوَّاتٌ برِّيَّةٌ عثمانية من الجزائر، وجنوب تونس، وليبيا، ليبلغ مجموع الجيش العثماني حوالي مائة ألف جندي. كانت القوَّة الإسبانية المتواجدة في تونس متمركزة في قلعتين؛ الأولى هي قلعة حلق الوادي (بالإسبانية La Goleta) في مدينة تونس، وفيها سبعة آلاف جندي، والثانية قلعة باستيون Bastion في مدينة تونس كذلك، وفيها عشرون ألف جندي. وصل الأسطول العثماني إلى تونس في 22 يوليو 1574م، واختار أن يبدأ بقلعة حلق الوادي، وبعد حصارٍ وقصف، ثم حربٍ مفتوحة، سقطت القلعة في يد العثمانيين في 24 أغسطس، وقُتِل كلُّ الجنود الإسبان باستثناء ثلاثمائةٍ أُخذوا أسرى.

وفي الثالث من سبتمبر سقطت القلعة الأخرى، وبذلك انتهت المقاومة الإسبانية تمامًا. لم يستطع الملك فيليب الثاني المنشغل في حربه مع فرنسا في هولندا من تقديم الدعم لحاميته في تونس[6]. من الجدير بالذكر أن الأمير عبد الملك السعدي، وهو أخو الملك المغربي عبد الله السعدي، كان قد شارك في هذه المعارك في تونس في جيش العثمانيين، وكان الأمير عبد الملك قد هرب إلى الدولة العثمانية منذ عام 1557م بعد أن حاول أخوه عبد الله أن يقتله في تنافسٍ على العرش[7].
هذا ولَّد صداقةً بين الأمير عبد الملك السعدي والعثمانيين، وسيكون لها مردودٌ مهمٌّ في المستقبل القريب. خُلِع السلطان الحفصي الأخير محمد، ونُقِل إلى إسطنبول[8]، لينتهي بذلك حكم السلالة الحفصيَّة، الذي استمرَّ ثلاثمائةً وخمسًا وأربعين سنةً (من 1229 إلى 1574). دخلت بذلك تونس في التبعيَّة العثمانيَّة، وهو الوضع الذي سيستمرُّ أكثر من ثلاثة قرونٍ إلى عام 1881م[9].

[1] التر، 1989 صفحة 226.
[2] إيڤانوڤ، نيقولاي: الفتح العثماني للأقطار العربية 1516 – 1574، راجعه وقدم له: مسعود ضاهر، نقله إلى العربية: يوسف عطا الله، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى، 1988م.الصفحات 246، 247.
[3] ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، تحقيق: محمود شمام، المكتبة العتيقة، تونس، 1967.الصفحات 175، 176.
[4] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/380.
[5] Tucker, Spencer C.: A Global Chronology of Conflict: From the Ancient World to the Modern Middle East, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2010., vol. 2, p. 532.
[6] Garcés, María Antonia: Cervantes in Algiers: A captive’s Tale, Vanderbilt University Press, Nashville, Tennessee, USA, 2005., p. 220.
[7] Barbour, Nevill: North West Africa from the 15th-19th centuries, In: Kissling, Hans Joachim; Bagley, F. R. C.; Spuler, Bertold; Barbour, N.; Trimingham, J. S.; Braun, H. & Hartel, H.: The Muslim world, A Historical Survey: The Last Great Muslim Empires, translated: F. R. C. Bagley, Brill, Leiden, Netherlands, 1969., vol. 3, p. 103.
[8] Blair, Sheila S. ‏& Bloom, ‏Jonathan‏ M.: The Grove Encyclopedia of Islamic Art & Architecture, Oxford University Press, New York, USA, 2009., 2009, vol. 2, p. 133.
[9] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 542- 544.