كأنها البارحة!


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛
مقالٌ قيّم؛

:: كأنّها البارحة

::
H29ehPXO
::

كأنّه االبارحة!

شعور يخالجك دائماً ولو كنت تزعم خلافه، ظنُّك أنَّ العمر يقف عند نقطةٍ محددةٍ، فلا يتقدم ولا يتحرك، وفجأة يمر أمامك من الوقائع ما يجعلك تنتبه إلى تسارع الأيام ودوران عجلتها.

بالأمس نظرت إلى بنيَّتي الصغيرة، طفلةً تلعب بين يديَّ، تملأ الدنيا حيوية وضجيجاً وصخباً؛ واليوم إذ بها فتاة على وشك أنْ تنهي دراستها الثانوية لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها ومحوراً آخر.

لمّـا نظرت إليها نظرة المتأمل، وأمعنت النظر، أيقنت بتقدم العمر، وإنما الفرق بين الناس يتمثل بمقدار ما جنوه من النتائج بعد رحيل أيامهم؛ حتى يحمد الرابح مسعاه، ويندم المفرِّط على ما فقده في سالف أيامه.

بالأمس حضر عندي في قاعة المحاضرات طالبٌ يدرس في سنته الجامعية الأولى، ولما قرأت اسمه فإذا به ابنٌ لصاحب لي قد شهدْتُ زواجَه حين دخل على والدة هذا التلميذ، فازددت يقيناً بمضيِّ العمر، وكأنَّ صارخاً يصرخ في أذني ويقول: لِـمَ لا تريد أنْ تصدِّق أنك بدأت تتخطى مراحل الحياة، وتقطع الطريق تلو الطريق حتى تصل إلى نهاية المطاف.

كم ينسى المرء أنه قد مضت أيامه، ومضى عمره، ولا يكاد يصدّق ذلك حتى يمرَّ أمامه شخص من أقرانه وأترابه، وحين يدقِّق النظر في وجهه، ويرى ما حلَّ به من التغيُّر، يتخيَّل أنه انعكاس لصورته، وشهادةٌ بتغيِّر حاله.

لا أدري ما سرُّ هذا الهروب من هذه الحقيقة القادمة لا محالة، هل هو هروب من الشيخوخة أم حباً في الحياة، أم كراهية لتوديع أيام الشباب، لعلمنا أنها أنفس أيام العمر.

من طريف ما يذكر أنَّ أول علامات تقدم السنِّ بالنسبة للمرأة؛ كراهيتها النظر في المرآة، والتي كانت تقضي أمامها الساعات الطويلة، ولا تملُّ النظر إليها داخلة وخارجة، وما هذا إلا لكراهيتها أنْ تأخذ صكَّ شهادةٍ تفيد تقدمها بالعمر، والذي يعني أفول الشباب والقرب من الكهولة، وكأنها بذلك تمارس رفضها للإذعانِ بهذه الحقيقة بطريقة عملية.

غريبٌ حال البشر!

الطفل يتمنى أنْ لو كان كبيراً؛ حتى يستمتع بما يستمتع به الكبار من أنواع الرفاهية، فإذا صار فتى؛ ودَّ أنْ لو كان كهلاً؛ حتى يمارس ما يمارسه الكبار من السفر والرَّحَلات؛ وغير ذلك، فإذا صار شيخاً كبيراً تمنى أنْ لو رجع شابًّا؛ لعلمه بما في تلك المرحلة من أسرار، كما قيل:
عَرِيتُ من الشباب وكنت غضّاً … كما يَعرَى من الورقِ القضيبُ
ونُحْتُ على الشباب بدمعِ عيني … فما أغنى البكاءُ ولا النحيبُ
فيا ليت الشبابَ يعود يوماً … فأخبره بما فعل المشيبُ

ولربّما تمرُّ به أوقات كثيرة يتمنى أنْ لو رجع طفلاً بريئاً، بعد أن امتلأ قلبه بالهموم، وضاق صدرُه بالأحزان، وثقل كاهله بأعباء الحياة.

وعلى الرغم من كل هذه الأمنيات، سيقف المرءُ مُقِرًّا بالحقيقة التي مارس الهرب منها بأساليبَ شتى، وهي أنه سيتجاوز محطات العمر محطةً محطةً؛ حتى يبلغ إلى حيث تنتهي به المرحلة ويتوقف به المسير.

يحب الفتى طولَ البقاءِ وإنه … على ثقةٍ أنَّ البقاءَ فناءُ
زيادته في الجسم نقصُ حياتِه … وليس على نقص الحياةِ نماءُ
إذا ما طوى يوماً طوى اليوم بعده … ويطويه إنْ جنَّ المساءُ مساءُ

المصدر/ موقع فضيلة الشيخ.


(الغلا كله) #2

وعليكم السلام ورحمة الله
مقال جميل ورائع
حقيقيه يعيشها الجميع للاسف