كلمات في حق القلم والكتابة


(عمارة إسلامية) #1

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني وأخواتي روّاد مُنتدى المُهندس؛

:: مقالٌ قيّم ::
ومادة نافعة؛ أسأل الله تعالى أن ننتفع منها.

كلمات في حق القلم والكتابة

/

/

كلمات في حق القلم والكتابة

قال‌: قال‌ بعض‌ العلماء في‌ مدح‌ الكتب‌: الكُتُبُ بَسَاتينُ العُقَلاء.
أي‌: أنّ جميع‌ الناس‌ غير العقلإ يظنّون‌ أنّ الرياض‌ والحدائق‌ والبساتين‌ تنحصر بالاراضي‌ المفروشة‌ بالورود والسنابل‌ والرياحين‌ والاُرجوان‌، في‌ حين‌ يري‌ العقلإ أنّ رياضهم‌ وحدائقهم‌ الحقيقيّة‌ التجوّل‌ بين‌ الكتب‌ وتصفّحها والنظر في‌ مطالبها البديعة‌ المتنوّعة‌.
وقال‌ بعض‌ البلغاء: الكِتَابُ وِعَاءٌ مَلِيٌّ عِلْمًا، وَظَرْفٌ مَلِيٌّ ظَرْفاً.
وقال‌ بعض‌ الفصحاء: الكُتُبُ أَصْدافُ الحِكَمِ تَنْشَقُّ عَنْ جَوَاهِرِ الكَلِمِ.
وقال‌ بعضهم‌: الكِتَابُ بُسْتَانُ يُحْمَلُ فِي‌ رُدْنٍ،
وَرَوضَةٌ تُقْلَبُ فِي‌ حِجْرِ، يَنْطِقُ عَنِ المَوْتَي‌، وَيُتَرْجِمُ عَنِ الاَحْيَاءِ.

[color=navy]وقال‌ الشاعر:

ولــــــــــــــي‌ جُلَسَاءٌ لاَ يُمَلُّ حَدِيثُهُمْ *** ألِبَّاءُ مَأمونُونَ غَيْباً وَمَشْهَدا
يُفيدُونَني‌ مِنْ عِلْمِهِمْ عِلْمَ مَنْ مَضَي***‌’ وَعَـــقْلاً وَتَأديباً وَرأياً مُسَدَّدا
فالحاصل‌: أنّ المرء يظهر في‌ كتابه‌ مكنون‌ علمه‌، ويعبِّي‌ فيه‌ موقر رويّته‌ وفهمه‌. فيتأتّي‌ له‌ فيه‌ كثير ما لم‌ يتأتَ علی لسانه‌، ولا يتيسّر له‌ أن‌ يعرب‌ عنه‌ ببلاغته‌ وبيانه‌، لا نّه‌ في‌ الاغلب‌ يكون‌ منفرداً في‌ خلوته‌، فيكون‌ متفرّغاً لاستعمال‌ بصيرته‌ وفكرته‌.
ولهذا قال‌ بعض‌ الحكماء: كِتَابُ المَرْءِ عُنْوانُ عَقْلِهِ وَلِسَانُ فَضْلِهِ.[/color]

وقال‌ بعض‌ العلماء: لاَ يَزَالُ المَرْءُ تَحْتَ سِتْرٍ مِنْ عَقْلِهِ أَرْبَابِهَا: الهَديَّةُ، وَالكِتَابُ، وَالرَّسُولُ.
وقال‌ مسعدة‌: الاَقْلاَمُ مَطَايَا الفِطَنِ.
وقال‌ بعضهم‌: عُقُول‌ الرِّجَالِ تَحْتَ أَسِنَّةِ أَقْلاَمِهِمْ.
وعلی كلّ حال‌، فالحظّ من‌ أكبر المهمّات‌ الدينيّة‌ والدنيويّة‌، وعليه‌ مدار أكثر الاُمور الدنيّة‌ والعليّة‌. ولهذا كانت‌ الكتّاب‌ سامتة‌ الملك‌، وعمّار المملكة‌، وخزنة‌ الاموال‌.
وممّا يدلّ علی شرفه‌ أنّ الله‌ تعإلی‌ أقسم‌ ببعض‌ أدواته‌ وهو القلم‌، كما أقسم‌ به‌ في‌ قوله‌ تعإلی‌: (( ن‌ * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ )).
وعدّده‌ الله‌ من‌ نعمه‌ في‌ قوله‌ تعإلی‌: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. فوصف‌ نفسه‌ بأنّه‌ عَلَّمَ بِالقلم‌،
كما وصف‌ نفسه‌ بالكَرَم‌.

وفي‌ « منثور الحِكَم‌ »: الدَّوَاتُ مِنْ أَنْفَعِ الاَدَوَاتِ، وَالحِبْرُ أَجْدَي‌ مِنَ التِّبْرِ.
وقال‌ بعض‌ الفضلاء: القَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ، وَحُسْنُ الخَطِّ أَحَدُ الفَصَاحَتَيْنِ.
وقال‌ بعض‌ الحكماء: صُورةُ الخَطِّ فِي‌ الاَبْصَارِ سَوَاءٌ، وَفِي‌ البَصَائِرِ بَيَاضٌ.
وقال‌ بعضهم‌: القَلَمُ رُوحُ إلیدِ، وَلِسَانُ الفِكْرِ.
وقال‌ أُقليدس‌: الخَطُّ هَنْدِسَةٌ رُوحَانِيَّةٌ وَإنْ ظَهَرتْ بِآلَةٍ جَسَدَانِيَّةٍ.
وقال‌ بعض‌ العلماء: القَلَمُ صَانِعُ الكَلاَمٍ.
وقال‌ بعضهم‌: لَمْ أَرَ بَاكِياً أَحْسَنَ تَبَسُّماً مِنَ القَلَمِ.
وقالوا: جَهْلُ الخَطِّ الزَّمَانَةُ الخَفِيَّةُ.
وقال‌ ابن‌ مُقْلَةَ: لاَدِيَةَ عِنْدَنَا لِيَدٍ لاَ تَكْتُبُ.
وقال‌ ابن‌ البوّاب‌: إلیدُ الَّتي‌ لاَ تَكْتُبُ رِجْلٌ.
وقال‌ جعفر بن‌ يحيي‌: الخَطُّ سِمْطُ الحِكْمَةِ، بِهِ تُفَصَّلُ شُذُورُهَا، وَيَنْتَظِمُ مَنْثُورُهَا.

وقال‌ ابن‌ المُقَفّع‌: اللِّسَانُ مَقْصُورٌ علی الحَاضِرِ، وَالقَلَمُ علی الشَّاهِدِ وَالغَابِرِ.
وقال‌ بعض‌ العلماء: لاَ شَي‌ْءَ أَفْضَلُ مِنَ القَلَمِ، لانَّّ مُدَّةَ عُمْرِ الإنسان لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَ فِيهَا بِفِكْرِهِ مَا يُدْرِكُ بِقَلَمِهِ.
وعن‌ ابن‌ عبّاس‌ في‌ قوله‌ تعإلی‌: «أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ» يَعْني‌ الخَطَّ.
وعن‌ مجاهد في‌ قوله‌ تعإلی‌: «يُؤْتِي‌ الْحِكْمَةَ مَن‌ يَشَآءُ».
قَالَ: الخَطُّ. وأيضاً: «مَن‌ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِي‌ خَيْرًا كَثِيرًا». يَعْنِي‌ الخَطَّ.
وقال‌ بعض‌ الحكماء: القَلَمُ وَالسَّيْفُ حَاكِمَانِ فِي‌ جَمِيعِ الاَشْيَاء، وَلَوْهُمَا مَا قَامَتِ الدُّنْيَا. أي‌: ينبغي‌ إقامة‌ العالم‌ بالقلم‌ والكتابة‌ وبيان‌ العلوم‌، وأيضاً بالسلطة‌ العادلة‌ الفاضلة‌.
أجل‌، استبان‌ ممّا ذكرناه‌ أنّ الرسول‌ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ لم‌ يحظر الكتابة‌، بل‌ كان‌ جادّاً في‌ تدوين‌ السُّنّة‌، وكان‌ يأمر المؤهَّلين‌ بالكتابة‌، ويأذن‌ لمن‌ يستأذن‌ فيها.

روي‌ الخطيب‌ البغداديّ في‌ كتاب‌ « تقييد العلم‌ » بسنده‌ المتّصل‌ عن‌ فايد غلام‌ عبيدالله‌ بن‌ أبي‌ رافع‌، عن‌ عبيدالله‌ بن‌ أبي‌ رافع‌ قَالَ: كَانَ ابنُ عَبَّاسٌٍ يَأْتِي‌ أَبَا رَافِعٍ فَيَقُولُ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَوْمَ كَذَا؟! مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ يَوْمَ كَذَا؟! وَمَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَلْوَاحٌ يَكْتُبُ فِيهَا.
وروي‌ بسنده‌ المتّصل‌ عن‌ أبار: أبي‌ حفص‌، عن‌ ليث‌، عن‌ مجاهد، عن‌ ابن‌ عبّاس‌ قال‌: فَيِّدُوا العِلْمَ! وَتَقْييدُهُ كِتابُهُ.
وروي‌ بسنده‌ المتّصل‌ الآخر عن‌ أبي‌ بشر جعفر بن‌ إياس‌، عن‌ سعيد بن‌ جُبير، عن‌ ابن‌ عبّاس‌ قال‌: خَيْرُ مَا قُيِّدَ بِهِ العِلْمُ الكِتَابُ.[

ويحث مانغويل المثقف على حشد الذكريات في كتبه ومكتبته، مثل تاريخ الشراء، ومكانه، ومقداره، وتأريخ القراءة الأولى للكتاب، وموقف المثقف تجاهه، وهذه أعمال “عشق” لا يعرفها إلا من جعل القراءة عملاً مهماً ضمن جدول حياته، وأما الذين جعلوا الكتب منظراً جمالياً فقد حرموا منه.

وأما مورخيس-أستاذ مانغويل- فيقرأ لمشاهير ومغمورين، ويستعين بآراء كتاب غير معروفين، ولا يتحرج من الاشتراك في عمل أدبي أو ندوة مع كاتب صغير، ويناقش الأفكار بندية مع كتّاب من تلاميذه، ويرحب بما يقال عن نصوصه إن سلباً أو إيجاباً، وهذا مؤشر على ضمور النرجسية لديه.

وعلق المؤلف على قول الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو بأن الانترنت أفرزت حماقة كبرى حين منحت لكل أحد الفرصة لنشر ما يكتبه، فأصبح ضررهم عاماً، فقال الأمير بأن الإنترنت حملت حكمة البعض، وأوصلت للناس أصواتاً ما كان لها أن تصل من قبل.

المصدر/ مُنتقى.

اللهم علّمنا ما ينفعنا.