مسألة إعدام السلطان سليمان القانوني لابنه بايزيد

مسألة الأمير بايزيد ابن السلطان سليمان: (1561م)

أعظم ابتلاءات سليمان القانوني كانت في أولاده! كان له من الأبناء عشرة؛ ثمانية من الذكور، وبنتان. مات في حياته سبعةٌ منهم[1]! خمسةٌ من الأبناء الذكور ماتوا ميتةً طبيعيَّة؛ بأمراضٍ في الطفولة أو الشباب، وأمر سليمان القانوني بنفسه بقتل ولدين من أولاده!! كان الأول هو ولي العهد مصطفى في عام 1553م، أما الثاني فهو الأمير بايزيد، وكان ذلك في عام 1561م، وللإعدام قصة!

بعد إعدام الأمير مصطفى في 6 نوفمبر 1553م بقليل مات الأمير چهانكير Cihangir حزنًا عليه[2]، وهكذا لم يتبقَّ من الأولاد الذكور لسليمان القانوني إلا اثنان؛ الأكبر وهو الأمير سليم، والأصغر منه بعامٍ واحدٍ وهو بايزيد، وكلاهما أولاد خُرَّم سلطان (روكسلانا Roxelana)[3]. ومع كونهما أشقاء، إلا أن العداوة كانت بينهما شديدةً لكونهما متنافسين على ولاية العهد للدولة العملاقة. لم يكن القانون العثماني يشترط ولاية العهد للأكبر، ومِنْ ثمَّ فالولدان راغبان في المـُلْك!

في ديسمبر 1558م نقل سليمان القانوني ولاية بايزيد من كوتاهية إلى أماسيا الأبعد من إسطنبول، و-أيضًا- نقل ولاية سليم من مانيسا إلى قونية. أطاع سليم؛ ولكن بايزيد تردَّد، واعتبر أن في هذا إشارةً إلى اتجاه السلطان لجعل سليم وليَّ عهده[4]. كانت كفاءات بايزيد القيادية أعلى بكثيرٍ من أخيه سليم؛ بل كان سليم -في حياة إخوته- هو أقلُّ المرشَّحين لولاية العهد؛ لكونه أقلهم كفاءة، وأكثرهم بعدًا عن الشريعة؛ حيث اشتُهر بشرب الخمر، إلى الدرجة التي عُرِفَ فيها بالمخمور[5] Selim the Drunk! كما اشتهر بالولع بالنساء؛ ومع ذلك فموت إخوته الواحد تلو الآخر جعله مرشَّحًا مع أخيه بايزيد للمنصب اللامع.

لا تُشير المصادر إلى السبب الذي من أجله نقل السلطانُ سليمان بايزيد تحديدًا إلى أماسيا البعيدة، وإن كنت أعتقد أنه كان يشكُّ بقوَّةٍ في ولائه، فأقدم على هذه الخطوة لاختباره. تؤكد على ذلك الأحداث التاريخية التي تلت هذه الخطوة.

كان الشاه الصفوي طهماسب كالشيطان! ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120]. في قصة إعدام الأمير مصطفى عام 1553م، دارت الشكوك حول علاقة الشاه الإيراني بالمسألة، أما هنا فلم تكن المسألة مجرَّد شكوك؛ إنما كانت هناك دعوةٌ صريحةٌ من الشاه طهماسب لبايزيد لحرب أخيه سليم، مع الوعد بالدعم العسكري والدبلوماسي. لا أدري أين كان عقل بايزيد عندما استجاب لوسوسة طهماسب؛ ولكن فتنة المـُلْك تُعمي الأبصار! تحرَّك بايزيد بجيشٍ من المغرورين لحرب أخيه سليم. التقى الجيشان في قونية في يومي 30 و31 من شهر مايو 1559م.

هُزِمَ بايزيد في المعركة ففرَّ إلى أماسيا، وبدلًا من طلب العفو من أبيه هرب بجيشٍ من اثني عشر ألف مقاتل إلى مدينة قزوين بإيران! وكانت قد صارت مدينة العرش بدلًا من تبريز. كان بايزيد قد اصطحب معه كامل أسرته تقريبًا. استقبله طهماسب بحفاوةٍ بالغة[6]، ثم ما لبث أن طعنه في ظهره! ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: 22].

تواصل طهماسب مع السلطان سليمان القانوني للتباحث في أمر الأمير اللاجئ إليه. وصل الطرفان بعد سنةٍ ونصفٍ من المباحثات إلى اتفاق! ستقوم الدولة العثمانية بالتأكيد على معاهدة سلام أماسيا، والموقَّعة في 1555م، وستدفع إلى الشاه مبلغ أربعمائة ألف دوقية ذهبية، بالإضافة إلى قلعة قارص شرق الأناضول.

هذا كلُّه في مقابل أن يُسَلَّم بايزيد وأولاده إلى فرقة إعدامٍ تركية[7]! دفع العثمانيون المطلوب، وقتلت فرقة الإعدام في 25 سبتمبر 1561م بايزيد في ضواحي مدينة قزوين، وأربعةً من أولاده[8]، في واحدةٍ من أبشع الجرائم في التاريخ العثماني! إن كنَّا نستوعب بصعوبة قتلَ بايزيد على اعتبار أنه خارجٌ عن الحكم، ومنقلبٌ على الدولة، ومتعاونٌ مع أحد أعتى أعدائها، فإنَّنا لا نستوعب مطلقًا قتل أولاده معه، وإنَّ مبرِّر وأد الفتنة قبل حدوثها، وتفويت فرصة الشقاق الذي يمكن أن يحدث في الدولة إذا طالب أحد هؤلاء الأبناء بالعرش بدلًا من عمِّه سليم، ليس كافيًا شرعيًّا لهذه الجريمة المركَّبة!

إنها نقطةٌ سوداء في تاريخ القانوني!

إذا أضفنا إلى هذه الحادثة ما حدث قبل ذلك عام 1536م عندما أصدر السلطان سليمان أمر إعدام الصدر الأعظم، والصديق المقرَّب، وزوج أخته إبراهيم باشا، وإلى ما حدث عام 1553م عندما أصدر السلطان أمر إعدام ابنه مصطفى، وإلى ما حدث عام 1555م عندما أصدر السلطان أمر إعدام الصدر الأعظم أحمد قرة باشا زوج أخته الثانية! إذا نظرنا إلى هذا كلِّه أدركنا أن السلاطين والحكَّام لا يتعاملون بالمشاعر والأحاسيس نفسها التي يتعامل بها عامَّة الناس؛ ومِنْ ثَمَّ فمن الصعب علينا جدًّا استيعاب مثل هذه القرارات! إنها قسوةٌ تلقائيَّةٌ تدفعهم إلى تجنيب قلوبهم تمامًا عند أخذ القرار، واتِّباع ما يُمليه عليه الظرف السياسي أو العسكري، في عمليَّة فصلٍ كاملةٍ للعقل عن القلب.

إننا يمكن أن نُفكِّر في أنه من الأفضل «للوالد» و«الجدِّ» سليمان أن يؤنِّب أولاده وأحفاده بكلمات، أو يعزلهم من مناصبهم، أو على الأكثر أن يحبسهم أو ينفيهم؛ لكن أن يقوم بقتلهم بهذه الصورة البشعة فإن هذا لا يخطر لنا على بال. لكن السلطان يُفكِّر بطريقةٍ أخرى تُمليها عليه آليَّاتُ حفظِ مُلْكِه، وضمان استقرار مستقبل دولته. يمكن أن يَعتذر أحدٌ عن السلطان بأنه كان يُطبِّق القانون بحذافيره حتى لو كان على أولاده، وفي هذا تجرُّدٌ وشفافية، ويستشهد بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»[9].

يمكن أن يحدث هذا؛ ولكن موقف قتل الأحفاد أولاد بايزيد، الذين لا ذنب لهم في المسألة، لا تبرير له. كما أن تقلُّد سليمان القانوني لمنصب القاضي والجلَّاد في مسألةٍ هو طرفٌ فيها أمرٌ غير مقبولٍ شرعًا ولا قانونًا، خاصَّةً أن المسألة لم تكن عابرةً كخطأ عَرَضِيٍّ غير متكرَّر؛ إنما رأيناها في تاريخه هذه المرَّات الأربع، بالإضافة إلى ما لم نُشِر إليه من أحداثٍ مماثلةٍ مع أشخاصٍ خارج العائلة الملكيَّة. إن كلَّ ما ذكرناه في الفقرات السابقة ليُؤكِّد على النصيحة التي وجَّهها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصحابي عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه.

لقد قال له: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ…»[10]. إن العاقل لا يسأل مثلَ هذه الإمارة التي تقود إلى هذه المشاعر والأعمال. إننا لا نرى في عالمنا الطبيعي من يقتل أقاربه بهذه الصورة إلا أن يكون مخبولًا، ولكنَّنا نراه كثيرًا في عالم السياسة؛ فالأب يقتل أولاده، والأخ يقتل أخاه، والابن يقتل أباه، وكلُّ هذا رأيناه في هذه العقود الخمسة الأخيرة من حياة الدولة العثمانية، مع أنَّنا نتكلَّم عن نماذج عظيمة من القادة، فكيف حين يكون الكلام عند الحديث عن قادةٍ ضعفاء، أو حكَّامٍ لا يعتبرون بالشريعة أصلًا! من هنا جاءت نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ رضي الله عنه حين قال له: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»[11]. فكيف يسعى أحدٌ للإمارة على دولة، أو لتولي مال أمَّة[12].

[1] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/348.
[2] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 247.
[3] Yermolenko, Galina I: Introduction, In: Yermolenko, Galina I: Roxolana in European Literature, History and Culture, Ashgate Publishing, Ltd., Surrey, UK, 2010, p. 3.
[4] أوزتونا، 1988 صفحة 1/350.
[5] Somel, Selçuk Akşin: Historical Dictionary of the Ottoman Empire, Lanham, Maryland, USA, Scarecrow Press‏, 2003., p. 263.
[6] Clot, André: Suleiman the Magnificent: The Man, His Life, His Epoch, Editor: Jana Gough, Translated: Matthew J. Reisz, Saqi Books, London, 1992., p. 399.
[7] Lamb, Harold: Suleiman the Magnificent - Sultan of the East, Read Books Ltd, 2013., p. 384.
[8] Mitchell, Colin P.: The Practice of Politics in Safavid Iran: Power, Religion and Rhetoric, I.B.Tauris, London, UK, 2009., p. 126.
[9] البخاري: كتاب الأنبياء، باب ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ [الكهف: 9] (3288)، ومسلم: كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود (1688).
[10] البخاري: كتاب الأحكام، باب من سأل الإمارة وكل إليها (6728)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها (1652).
[11] مسلم: كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة (1826)، وأبو داود (2868)، والنسائي (6494).
[12] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 506- 509.