ميمار سنان ـ أعظم عباقرة الفن المعماري في العالم


#1

دخلت العمارة العثمانية طوراً جديداً متميزاً على يد المهندس العبقري ميمار سنان باشا، الذي يقف جنباً إلى جنب مع أعظم المعماريين الأوروبيين إبان عصر النهضة الأوروبية، بل يضعه بعض المستشرقين على قائمة أعظم عباقرة الفن المعماري في العالم، كما حاول بعض الباحثين الغربيين أن يجد له أصلاً يونانياً أو ألبانياً ضناً بعبقريته على الإسلام والمسلمين، ولكن واقع الحال يكذب ذلك فأصغر التفاصيل في منشآته تنطق بأنها إسلامية خالصة.

ولد سنان باشا عام 1489م في قرية أغرناس قرب قيصرية في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني ـ أزهى عصور الامبراطورية العثمانية ـ وانضم عنوة الى نظام الدّوشيريمه الانكشارية، وبعد الانتهاء من مدة تعليمه العسكري حارب كانكشاري في حملة بلجراد عام 1521م، وساهم في حملات سليم الأول على بلاد فارس والشام والعراق ومصر، وزار البلقان والمجر والنمسا.

وفي عام 1538، وأثناء حملة مولدافيا، حظي سنان باشا بتقدير السلطان بعد أن أقام جسراً على نهر «بروت» في ظرف ثلاثة عشر يوماً، ثم بنى جسراً آخر فوق نهر الدانوب، وهكذا كان اختياره كبيراً للمهندسين حين بلغ الخمسين من عمره، وفي تلك اللحظة كان سنان قد شيّد 364 بناءً على أراضي الامبراطورية العثمانية وفي وقت قصير يصعب معها التصديق، فقد كان أستاذاً فوق العادة في بناء القباب وتنسيق المساحات، وعبقرياً باقتدار في تصميم القباب المركزية التي كانت الأمل والمثل الأعلى عند معماريي عصر النهضة الأوروبية في ايطاليا. وخلف المهندس سنان أكثر من ثلاثمئة وعشرين صرحاً معمارياً تعتبر من آيات فن العمارة الإسلامية على مر العصور، ومن بينها 80 مسجداً سلطانياً، و50 مسجداً عادياً، بالإضافة الى عدد كبير من المدارس والمستشفيات والقصور والحمامات والجسور والخزانات وغيرها.

الأعمال الأولى

قام سنان في أول أعماله باستكشاف ما يمكن أن يعطيه الفراغ المتاح، آخذاً في الاعتبار استمرارية التقاليد المعمارية العثمانية التي ظهرت في أزنيق وبورسة وأدرنة، ففي عام 36 ـ 1937م بنى مجمع الخسروية في حلب لخسرو باشا والي دمشق، وهو بناء جدير بكل تقدير باعتباره طليعة أعماله، فهو يضيف هنا الى تخطيط المسجد ذي القبة الواحدة، والحرف (t) المقلوب، قبة صغيرة ومنخفضة في الأركان الخلفية عند الصقّة ذات القباب الخمس، بقصد زيادة المساحة في كلا الجانبين، وترتفع الى يمين المبنى مئذنة غليظة.

ويعتبر المجمع الخصّكي الذي بناه المهندس سنان لخّرم سلطان في عام 15398م، هو أول أعماله في استانبول، والذي استخدم فيه العقد الركني ذا الفصوص الذي يشبه الصدفة أو المحارة، كما هو الحال في المسجد الذي بناه قبل سبعة عشر عاماً في كبزه، لجوبان مصطفى باشا أحد ولاة مصر السابقين.

وقد مر المهندس سنان في تطوره المعماري بثلاث مراحل كل منها يتمثل في مبنى من مبانيه، وقال هو عنها ان الأول يمثله صبياً يتعلم، والثاني معمارياً متمكناً، والثالث أستاذاً، أما المبنى الأول فهو مسجد شاه زاده (1544 ـ 1548)، الذي يسير فيه على نسق جامع المحمدية، والثاني هو جامع السلمانية (1550 ـ 1557) الذي يرتد فيه إلى أصول آيا صوفيا ويتقنها اتقاناً كاملاً، أما الثالث فهو عمله الأكمل في مسجد السليمية في أدرنة عام (1569 ـ 1574).

مسجد شاه زاده

كان بناء هذا المسجد بأمر من السلطان سليمان القانوني، تخليداً لذكرى ولده البكر شاه زاده محمد الذي توفى في مغنيسه وهو في سن الواحد والعشرين من عمره، وبدأ العمل في المسجد عام 1544، ووصفه سنان فيما بعد بأنه أحد أعمال فترة تلمذته، وكان سنه آنذاك 54 عاماً، واستسغرق هذا العمل أربع سنوات، وتبدو فيه المحاولات الأولى لسنان في معالجة مشكلة نصف القبة، وكيف تجاوز بمحاولته معالجة مشاكل قباب آيا صوفيا التي تساقطت بعد وقت قريب من إنشائها، وذلك عندما ابتكر النموذج المثالي للمبنى ذي القبة المركزية وأنصاف القباب الأربع الدائرة حولها.

ويبلغ ضلع مساحة المسجد 38 متراً مغطاة بقبة قطرها 19 متراً، تعتمد على أربع دعائم، ومن حول هذه القبة أربعة أنصاف قباب، ثم قبة صغيرة في كل ركن من أركان حرم المسجد، ويبلغ ارتفاع قمة القبة الرئيسية عن ارض المسجد 37 مترا، وتبلغ المسافة بين كل دعامة والتي تليها 16.52 مترا، وقد زيد في امتداد انصاف القباب الاربع باضافة حنية ركنية على جانبي كل نصف قبة، ومن التجديدات الاساسية التي ظهرت عند تصميم انصاف القباب، انها اقل قليلا من نصف قبة كاملة، وان الدعائم اكثر رقة بفضل التصبيعات والتضليعات التي عملت بها واعطتها هيئة انابيب الارغن، ام الشادروان وبوائك الصحن المحيطة به وقبابها الست عشرة واعمدة البوائك الاثني عشر، فتكون وحدة لها منظور معماري قوي التأثير، وللمسجد مئذنتان عند ركنية المجاوران للصحن ولكل مئذنة مطافان للمؤذن، وترتفع الواحدة بمقدار 41.50 مترا، وتظهر حوائط المسجد من الخارج وكأن الواحدة منها تلي التي في خلفها وترتكز على قمتها، حتى لتبدو هيئة المسجد وكأنها هرم مدرج، وظهرت بهذا الانشاءات الضخمة القوية كأسلوب جديد متطور، وقد اعطى المهندس سنان قدرا واضحا من الزخرفة والتفاصيل المعمارية للمآذن ويعتبر جامع شاه زاده على جانب كبير من الأهمية، اذ يمثل بداية حقيقية للمعماريين الذين جاؤا بعد سنان، باعتباره اضخم وارحب المجمعات المعمارية التي ابتكرها هذا المهندس العبقري.

مسجد السلمانية

عندما بدأ المهندس سنان عمله بمسجد ومجمع سليمان العظيم، واستمر سبع سنوات انتهت بعام 1557م، كان قد تجاوز في هذه السنة الستين من عمره، وفيها يتحول سنان «للمرة الاولى» الى فكرة تخطيط المسجد ذي نصفي القبة، حيث قد وصل الامر الى نجاح كامل في التجربة التي تمت ممارستها عند انشاء مسجد بايزيد، ويجتهد سنان في الوصول الى انجع الطرق لاقامة هذا المسجد، من خلال دراسة متأنية وعميقة لكل من كنيسة آيا صوفيا ومسجد بايزيد، وقد اشتمل مجمع سليمان القانوني على أول واكبر جامعة منذ زمن محمد الفاتح، كما اشتمل على 18 مبنى، الى جانب ما هناك من اضرحة، ونسق كل هذا باسلوب جديد، وبمفهوم واع لنظريات بناء المدن، جوهره الاستفادة المثلى من مدرجات الربوة التي تشرف على القرن الذهبي، وكان التصور الذي وضع للمسجد هو ان يقوم كوحدة مستقلة لها فناء له بوائك وشادروان، وان يعكس تخطيطه الداخلي مظهره من الخارج، وجعل قطر القبة الرئيسية 26.50 مترا، وارتفاعها 53 مترا، وهي اكثر قباب استانبول ارتفاعا بعد آيا صوفيا، وترتكز القبة على اربع ركائز ضخمة، ولزيادة اتساعها من ناحية المدخل والقبة اضيف لها نصف قبة من كل ناحية بارتفاع 40 مترا، ثم وسعت هاتان المنطقتان بحنيات ركنية اضافية، اما المساحتان الموجودتان الى اليمين واليسار فقد غطيت كل منهما بخمس قباب، وبدلا من الرتابة التي قد تنجم عن استخدام قباب صغيرة متماثلة، فقد عمد المهندس سنان الى ابتكار جذاب غير مألوف يتلخص في التبادل بين قبة صغيرة واخرى كبيرة حسب المساحة التي تغطيها القبة.

واذا كان الداخل الى المسجد يمتلئ بطمأنينة روحية واحساس باللانهائية، فما ذلك الا نتيجة لارتفاع القبة الشاهق ولابداعات الزخارف الخزفية التي تكسو حائط القبة، وقام بعمل النوافذ ذات الزجاج الملون وسائر اعمال النقاشة والبياض، الفنان ابراهيم السكران، اما المآذن الاربع فقد اقيمت في الاركان الاربعة لفناء المسجد، ويضم الفراغ الموجود خلف جدار القبة ساحة للدفن: بها الضريح المثمن الاضلاع الخاص بالسلطان سليمان القانوني وزوجته «خاصكي خرم»، اما ضريح المهندس سنان بمبناه المتواضع فقد وضع بصورة مقحمة خارج الركن الشمالي الشرقي لهذا المجمع.

مسجد السليمية

بعد تجارب عديدة في منشآت صغيرة نسبيا، كمسجد صوقللي، الذي يلي مسجد السلطان احمد، والذي بناه المهندس سنان عام 1572م لاسماء خان سلطان، زوجة الصدر الاعظم صوقللي محمد باشا، او المسجد الذي بناه لخادم ابراهيم باشا عام 1551 عند باب سيلوري «سيلوري قابي» باستنابول، او مسجد الصدر الاعظم في امينونو عام 1561م، وغيرها… ابدع سنان ـ خلال خمس سنوات استغرقها في بناء المسجد من 1569 الى 1574 ـ وهو في الثمانين من عمره، مسجد السليمية، وضمن هذا المسجد كل الابتكارات والتجديدات التي استحدثها، بالاضافة الى مستحدثات العمارة التركية بشكل عام، وقد وصف هذا المسجد بانه يمثل رائعته المعمارية.

ويمثل مسجد السليمية الرمز الحي لمدينة ادرنة، ولامبراطورية آل عثمان كلها، وكان انشاؤه بأمر من السلطان سليم الثاني، ويظهر هذا الاثر متجليا من بعيد بقبته الكبيرة، ذات القطر البالغ 31.5 مترا، اي اكبر من قطر قبة آيا صوفيا، وبمآذنه الاربع الرشيقة التي تدور حول قاعدة قبته المثمنة، وتعكس الظلال العامة للمسجد من الخارج حقيقة تخطيطه الداخلي، وتتوافق ضخامة القبة وارتفاعها مع المساحة الكبيرة في الداخل، حتى لكأنه يمكن اعتبارها قمة التطور في بناء القباب في العالم بأسره.

الاصرار والتحدي

وقد جاء في «تذكرة البنيان» التي املاها المهندس سنان، حيث وصف رائعته بقوله (وترتفع المآذن الاربع عند اركان القبة الاربعة، ولكنها ليست غليظة كالبرج، مثلما هي الحال في مآذن «اوجه شرفلي» ولا يخفي بالطبع ما هناك من صعوبات تواجه بناء مآذن سامقة كمآذن السليمية، التي تضم كل منها في نفس الوقت ثلاثة سلالمات منعزلة، واذا كان قد شاع بين المهندسين المسيحيين القول بتفوقهم على المسلمين، لأنه لم تقم في العالم الاسلامي كله قبة تضارع او تنافس قبة ايا صوفيا، ربما يكون من الاعمال العسيرة، ولهذا قررت ـ مستعينا بالله ـ اقامة هذا المسجد، في عهد السلطان سليم خان، جاعلا قبته اعلى من آيا صوفيا بمقدار ستة اذرع، واعمق بمقدار اربعة اذرع).

ولعل المهندس ميمار سنان قد استوحى هنا فكرة اقامة صرح عال او اعجوبة ضخمة، فالتخطيط الذي تضمن اقامة قبة على قاعدة مثمنة، ومحمولة على ثماني دعامات قوية لها سنادات طائرة، بلغ بها ابعد مراحل تطوره واصبح التخطيط المثمن ـ بعد ذلك هو الاسلوب المتبع في تشييد المساجد والقصور لسنوات عديدة.

عصر الفنون وتستلفت الانظار مآذن المسجد الاربع، والتي تكون مع القبة وحدة واحدة يسودها الانسجام والتوافق، ويتدرج المبنى في ارتفاعه، اربع درجات واضحة، تستقر القبة في نهايتها في تناسق وانسجام، ويطغى على الواجهات نضج معماري وأناقة في النسب، وتفنن في عمل ميازيب المطر، وتعدد في ألوان الاحجار التي تدور حول النوافذ والجوانب الاخرى، مع التنوع في اشكال العقود.

ومسجد السليمية يعتبر دليلا على عصر انشائه، حيث كان اكثر العصور الاسلامية بريقا في مجال الفن المعماري بجانب الفنون الاخرى، فمنبر المسجد منحوت من قطعة حجرية واحدة، يفوق من حيث حجمه ورونقه وبراعة صنعه، كل المنابر التي صنعت على نسقه، والجدران المحيطة بالمحراب، وخلفية المنبر، قلنسوته المخروطية، وشراعات النوافذ السفلى، كل ذلك تغطيه البلاطات الخزفية ذات الزخارف الرائعة الجذابة. وتعتبر الحشوات الخزفية الكبيرة الموجودة بحائط المحراب من الروائع المبهرة، من حيث التصميم وجمال اللون ودقة التكوين.

وواصل سنان عمله في تشييد المساجد وفق التخطيط الذي وضعه للسليمية ولكن على نطاق صغير، نرى هذا في مسجد صوقللي محمد باشا، الذي اسس عام 1577 في باب العزب او عزب قابي باستانبول، ومن العناصر غير المألوفة في هذا المسجد، تلك الابراج الثمانية الخارجية التي تساير الدعائم الثماني والتي تدور مع القبة من الداخل، مع وجود الحنيات الركنية فيما بين المسافات المتخلفة عن القبة، وهكذا فإن حركة الداخل المتسقة تظهر في الخارج بنفس الاسلوب، وإذا كان الشكل الخارجي للجزء الاسفل من المسجد لم يحظ بالقدر اللازم من الاهتمام، فما ذلك الا لأن كل العناية انصبت في الاهتمام والابداع في الداخل.

جامع أمير البحر

وبنى المهندس سنان عام 1573 مسجدا لأمير بياله باشا في منطقة قاسم باشا باستانبول ويعود فيه الى الاسلوب القديم المتمثل في المسجد الكبير ذي ست قباب متساويات وفي الداخل واحد من ابدع محاريب البلاطات الخزفية وله مئذنة واحدة ترتفع عند منتصف حائط الواجهة.

وفي مسجد امير البحر قليج علي باشا، والذي اقامه سنان في الطوبخانة باستانبول، وهو واحد من أعماله المتأخرة ويحتذي فيه بتخطيط آيا صوفيا، ولكنه يستغني عن الجدران التي تفصل بين البلاطات الجانبية، ويبتكر فكرة المساحة الداخلية التي يتساوى فيها الطول والعرض تقريبا، وترتفع الممرات العليا فوق الاقبية المستعرضة التي تغطي البلاطات الجانبية ليجعل منه مكانا خاصا لصلاة النساء ويقع ضريح قليج علي باشا في الساحة المخصصة للدفن خلف حنية المحراب البارزة ويمتاز المسجد بزخارفه الخزفية والطوبية وينقوشه الكتابية تحفة معمارية فنية بكل المقاييس.

ولقد عاصر المهندس سنان اربعة سلاطين للامبراطورية العثمانية وهم سليمان القانوني ابن السلطان سليم الاول، وابنه سليم الثاني، ثم مراد الثالث، ثم ابنه محمد خان، وفي آخر ايامه كان يبني مسجد المرادية في مغنيسه، وأعد التخطيطات اللازمة لهذا العمل، ولكنه بسبب الشيخوخة والمرض المفاجيء، لم يلبث ان وافته المنية في عام 1584م وانتقل الاشراف الى تلميذه محمد اغا فاستكمل بناء المسجد في عام 1587م.

وقد سيطر اسلوب المعماري العظيم سنان باشا على تلاميذه الذين قلدوه في كل كبيرة وصغيرة ولكنهم لم يلتزموا بآخر نظرياته وابتكاراته قدر التزامهم بباكورة اعماله الرائعة التي تجلت في مسجد شاه زاده الذي اصبح المثل والنموذج الافضل لبناء المساجد لدى العديد من المعماريين الاتراك حتى ان المهندس داود اغا لم يجد تصميما افضل من تصميم مسجد شاه زاده، ليشيد به «يني جامع» او الجامع الجديد في عام 1598م والذي كلف به من قبل صفية سلطان ام السلطان محمد الثالث، والعجيب ان بناء المسجد توقف عدة مرات ولم يكتمل الا في عام 1663م بأمر من خديجة سلطان ام السلطان محمد الرابع، اي بعد 65 عاما من وضع اساساته.

مسجد السلطان احمد

عندما كلف السلطان احمد المهندس الفنان محمد اغا وهو احد تلاميذ المهندس سنان باشا ببناء مسجده في عام 1609م استعان بالتصميمات القديمة الخاصة بسنان مع اضافة ما استجد من فنون معمارية اخرى، وانتهى من بناء المسجد في عام 1617م ليخرج للعالم تحفة فنية رائعة، ليس لها مثيل في المساجد السلطانية من حيث السعة وعدد المآذن فهو المسجد الوحيد الذي تعلوه ست مآذن.

وهذه المآذن الست لها قصة طريفة تقول: ان السلطان احمد الثاني كان قد عزم على الذهاب الى الاراضي الحجازية على رأس قافلة للحج، وذلك في عام 1616م، وأمر المهندس محمد أغا بأن تكون مآذن مسجده من الذهب وهنا وجد المهندس استحالة تنفيذ الامر، وفي نفس الوقت لم يستطع معارضة الامر السلطاني، ولكنه خرج من هذا المأزق بحيلة بارعة، حيث استغل التشابه الكبير بين كلمتي «ستة» و«ذهب» فتنطق الكلمة الاولى في التركية «التي» وتنطق الثانية «آلتين» وبدأ بناء المآذن الست على انه سمع الكملة «ست مآذن» وليس «مآذن ذهبية» وعندما عاد السلطان احمد من رحلة الحج وجد مسجده قد علته ستة مآذن، فطلب احضار المهندس محمد اغا وقال له: امرتك بالذهب، فبنيت افضل من الذهب، وأمر له بمكافأة سخية.

ويعتبر مسجد السلطان احمد اضخم الاعمال المعمارية التي تمت بعد وفاة المهندس سنان، ويعتمد اسلوب تخطيطه على مسجد شاه زاده ومسجد يني جامع او الجامع الجديد من حيث ممارسة اسلوب التخطيط لعمل اربعة انصاف قباب، وترتكز القبة الرئيسية على اربع دعائم حلزونية يبلغ قطر الواحدة خسمة امتار، ويطلق على هذه الدعائم اسم ارجل الفيل، ويبدو ان الافكار التي ابتكرها سنان في بداياته الاولى، تطورت على يد الفنان محمد أغا، حيث اضفى شيوع استخدام انصاف القباب على داخل المباني احساسا بالانطلاق والانسيابية، فأصبحت الرحابة والاشراق داخل المنشآت التركية بشكل عام سمة من سمات القرنين السابع والثامن عشر .