وضع الدولة العثمانية في القرن السابع عشر

وضع الدولة العثمانية في القرن السابع عشر:

في هذا المقال سوف نتعرَّف على وضع الدولة العثمانية في القرن السابع عشر، لاسيما أن في بدايات هذا القرن كانت هناك عوامل الضعف والقوَّة للدولة العثمانية. هذه العوامل كانت تُعطي وضعًا متوازنًا للدولة؛ ففي مقابل عوامل الضعف التي يمكن أن تُؤثِّر سلبًا على تقدُّم الدولة كانت هناك عوامل قوَّةٍ تدفعها للأمام، والمحصِّلة أن مستوى الدولة ثابت تقريبًا. هذا الثبات كان من الممكن ألا يتحقَّق لو كانت هناك قوَّةٌ خارجيَّةٌ صلبة تسعى إلى تقويض أركان الدولة، ولكنَّنا رأينا -عند تحليلنا للأوضاع السياسيَّة في أوروبا- أن القوى الأوروبية جميعًا، على الرغم من وصولها إلى درجاتٍ مهيبةٍ من القوَّة، فإنها لم تكن تضع الدولة العثمانية في حساباتها بشكلٍ كبير، على الأقلِّ في القرن السابع عشر! إننا يمكن أن نُلَخِّص الوضع الأوروبي في القرن السابع عشر بجملةٍ مختصرة: إن أوروبا «شُغِلَت بنفسها» في هذا القرن عن العثمانيِّين! وهذا من عظيم لطف الله بالدولة العثمانية.

إن قوَّةً واحدةً من هذه القوى الأوروبية الكبرى؛ ذات الاقتصاد الثري، والسلاح المتطوِّر، والعلوم الجديدة المتفوِّقة، والجيوش الحديثة المدرَّبة، كان من الممكن أن تُسبِّب حرجًا كبيرًا للدولة العثمانية لو أنها وضعت ذلك في برنامجها. فالجيش العثماني في هذا القرن لم يتطوَّر تطوُّرًا موازيًا لما كانت عليه الجيوش الأوروبية، ولو قُدِّر لهذه الجيوش أن تقتحم الدولة العثمانية لأحدثت خسائر كبرى. ماذا سيكون الوضع لو حملت إنجلترا، أو فرنسا، أو إسبانيا، أو النمسا، أو هولندا، أو روسيا، أو البرتغال، مهمَّة إخراج العثمانيين من أوروبا على عاتقها؟ لا شَكَّ أن الوضع سيكون متأزِّمًا. وماذا يحدث لو اتَّحدت قوَّتان أو أكثر ضدَّ الدولة العثمانية؟ إن هذا كان يحدث كثيرًا في القرون الأولى أيام بايزيد الصاعقة، ومراد الأول، ومراد الثاني، ومحمد الفاتح، وسليمان القانوني، وذلك عندما يقوم البابا بتجميع الأوروبيين المتنافرين في كيانٍ واحدٍ صليبيٍّ يُهاجم الدولة العثمانية، أمَّا الآن فمع انزواء دور الكنيسة، وتضارب المصالح الأوروبية، وخاصَّةً في هذا القرن المتوتِّر؛ القرن السابع عشر، فإن إمكانيَّة التحالف النصراني صارت بعيدة، أو مستحيلة. هذا بلا شَكٍّ أعطى طولَ عمرٍ للدولة العثمانية.

الكلام نفسه يُقال على حالة الدولة الصفوية التي شُغِلَت في جانبٍ كبيرٍ من تاريخها في هذا القرن بالحرب مع مغول الهند، ممَّا أضعف موقفها نسبيًّا أمام العثمانيين. ليس معنى هذا أن الدولة العثمانية كانت في هذه الفترة مهيضة الجناح لا تقوى على حرب أعدائها؛ فإنها في الواقع كانت دولةً ضخمةً ذات إمكاناتٍ كبيرة، وكانت هيبتها ما زالت شديدةً في نفوس الأوروبيين والإيرانيين، ولكنَّها لم تكن على المستوى الباهر نفسه الذي كانت عليه في القرن السادس عشر، والأمور كلُّها نسبيَّة. لقد خاضت الدولة العثمانية في هذا القرن السابع عشر عدَّة معارك ضدَّ النمسا، والصفويين، وبولندا، والبندقية، وروسيا، وكانت الحرب سجالًا في معظم الأحوال، وكانت الانتصارات بقدر الهزائم، فكانت مكاسبها محدودة، وكذلك خسائرها، وهذا ما قاد إلى الثبات الذي نعنيه.

في النصف الأول من القرن السابع عشر؛ قرن الثبات، كانت الحروب الأهليَّة تعصف بإنجلترا، وفرنسا، والمعارك المتتالية تُحطِّم إمبراطوريَّة النمسا وألمانيا، والأساطيل الهولنديَّة تُقاتل كلًّا من إنجلترا وفرنسا، وإسبانيا تتَّجه للضعف والذبول، وكذلك الوضع في بولندا وليتوانيا، والأزمات الطاحنة تضرب روسيا والبرتغال، والسويد مشغولةٌ في ميادين شَماليَّة بعيدة عن محيط الدولة العثمانية.

بعد التقلُّبات السياسيَّة العنيفة في النصف الأوَّل من هذا القرن تغيَّرت موازين القوى العالميَّة بشكلٍ لافت. ظهرت فرنسا كأقوى دولةٍ أوروبية، وأكثرها تأثيرًا على المستويين السياسي والثقافي. نازعت هولندا الفرنسيين الصدارة، وأتت إنجلترا بعدهما. ظهرت السويد كقوَّةٍ مؤثِّرة، وإن كان تأثيرها أقلَّ من الدول الثلاث الأولى. انتهى في هذا القرن العصر الذهبي لإسبانيا، والنمسا، وبولندا، وإن كان وجودهم ما زال مؤثِّرًا. عاشت روسيا والبرتغال أسوأ فتراتهم، ولكنهم بدأوا التعافي في العقود الأخيرة من القرن. دُمِّرت ألمانيا في هذه الحقبة، وإن كان نجم بروسيا قد بدأ في الظهور. كانت معظم الجمهوريَّات والملكيَّات الإيطاليَّة خارج الصورة تقريبًا في هذا القرن المتوتِّر. في ظلِّ هذه التغيُّرات الكبرى كانت الدولة العثمانية ثابتة وراسخة. كانت وكأنها سفينةٌ عملاقةٌ تمخر عباب بحرٍ شديدِ العواصف.

نعم قد تميل يمينًا أو يسارًا، لكنها في كلِّ الأحوال تقصد وجهتها دون عوائق مُهْلِكة! إننا نتكلم عن دولةٍ تزيد مساحتها على خمسة عشر مليون كيلو متر مربع، بينما تصل أكبر الدول الأوروبية آنذاك -بولندا وليتوانيا- بصعوبة إلى مليون كيلو متر مربع واحد! نعم توجد لإسبانيا، والبرتغال، وفرنسا، وإنجلترا، وهولندا، مستعمراتٌ كبيرةٌ في قارَّات العالم المختلفة، ولكن هذه المستعمرات ليست جزءًا متَّصلًا مع الدولة الأم، ولا تدعم الدولةَ المستعمِرة أبدًا، اللهمَّ إلا في الجانب الاقتصادي، بينما كان الوضع في الدولة العثمانية مختلفًا عن ذلك؛ إذ تتصل كلُّ ولاياتها ببعضها البعض دون عوائق جغرافيَّة أو بحريَّة، في شكل ماردٍ جبَّارٍ يقبض بيديه بإحكام على هذه المساحة المهولة، وهذا يُعطيها قوَّةً لا نظير لها في هذا الزمن!
هذا الوضع المعقَّد هو الخلفيَّة الصحيحة التي ينبغي أن تُقْرَأ من خلالها أحداث هذا القرن[1].

[1] انظر: دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 605- 607.

إعجاب واحد (1)