وفاة السلطان مراد الثالث

وفاة السلطان مراد الثالث ونظرةٌ إجماليَّة: (1595م)

مات السلطان مراد الثالث عن عمرٍ يُناهز الخمسين عامًا[1]، تاركًا وراءه عشرين ولدًا غير البنات، بعد أن مات عددٌ كبيرٌ من أبنائه أثناء حياته[2]. كانت فترة حكمه التي امتدَّت أكثر من عشرين عامًا مليئةً بالأحداث الصاخبة، والمعارك المتعدِّدة، والتغيُّرات الجذريَّة في بنيان الدولة الداخلي، ولهذا فهي من فترات المنعطفات التاريخيَّة التي تحتاج إلى تحليل. ظهرت في عهده بذورُ ضعفٍ في الدولة العثمانية كانت سببًا في تغيُّر وضعها السياسي والعالمي إلى حدٍّ ما. أهمُّ مظاهر الضعف كانت في قلَّة إمكانات السلطان القياديَّة والإداريَّة، وتمرُّد الإنكشارية، وظهور الفساد والوساطة في دواليب الحكم. ومع ذلك استمرَّت قاطرة الدولة العثمانية في التقدُّم والتوسُّع بسبب القصور الذاتي لقوَّتها المفرطة، التي اكتسبتها في زمن سليم الأول، وسليمان القانوني.

كانت الدولة التي تركها سليمان القانوني تقترب مساحتها من خمسة عشر مليون كيلو متر مربع، وفي زمن السلطانين الضعيفين سليم الثاني ومراد الثالث، زادت مساحة الدولة حوالي ثمانية مليون كيلو متر مربع دفعةً واحدة! فتكون الدولة قد وصلت إلى ثلاثة وعشرين مليون كيلو متر مربع (خريطة رقم 29)، وهي أكبر مساحةٍ وصلت إليها الدولة العثمانية في كلِّ تاريخها. ومع ذلك فهذه الزيادة «معنويَّة» ومؤقَّتة، ولن تلبث الدولة في عهد السلطانين التاليين أن تعود لحجمها «الطبيعي» الذي كانت عليه أيام سليمان القانوني؛ بل إنه في زمان مراد الثالث نفسه لم يكن هناك تأثيرٌ مباشرٌ من الدولة على هذه الملايين الثمانية التي أُضيفت إليها؛ إنما كانت الزيادة نظريَّةً فقط.

كانت هذه الزيادة أكثر من ثلاثة ملايين كيلو متر مربع في المغرب الكبير والدول التابعة له، وأكثر من ثلاثة ملايين كيلو متر مربع أخرى في إمبراطوريَّة بورنو الإفريقيَّة، وسبعمائة ألف كيلو متر مربع في بولندا وليتوانيا، وما يقرب من ستمائة ألف كيلو متر مربع في أملاك الدولة الصفوية؛ في چورچيا، وأذربيچان، وإيران. يُضاف إلى هذه المساحات عدَّة آلاف كيلو متر مربع في تونس، وقبرص، وقد دخلتا في الدولة العثمانية زمن سليم الثاني. لم يكن للدولة العثمانية في واقع الأمر سلطةً في كلِّ ما سبق اللهمَّ إلا في تونس وقبرص، بالإضافة إلى سلطةٍ نسبيَّةٍ في أراضي الدولة الصفوية لن تلبث أن تضيع في مطلع القرن السابع عشر. لقد كان وصف المحبِّي لمراد الثالث بأنه «سعيد البخت» وصفًا معبِّرًا؛ لأن اسمه اقترن دومًا بحقيقة أن الدولة في زمانه وصلت إلى أقصى اتِّساعها؛ بينما كانت إمكاناته أقلَّ من معظم سلاطين الدولة في كلِّ تاريخها، ولم يكن له يدٌ حقيقيَّةٌ في هذه الزيادة؛ إنما هي الأقدار العجيبة التي أرادها الله ! بموت مراد الثالث ستنتقل الدولة العثمانية إلى طورٍ جديدٍ من أطوارها له سماتٌ خاصَّة[3].

[1] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 266.
[2] Tezcan, Baki: Searching For Osman: A Reassessment Of The Deposition Of Ottoman Sultan Osman II (1618-1622), Princeton University, New Jersey, USA, 2001., pp. 327-328.
[3] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 569، 571.